عادل السنهورى

جهاز التنسيق الحضارى وحماية ما تبقى من ضاحية المعادى

الجمعة، 23 يناير 2026 07:53 ص


الجهاز القومى للتنسيق الحضارى أصدر كتابه الأخير عن ضاحية المعادى فى إطار سلسلة الإصدارات عن أحياء القاهرة العريقة .


الكتاب الأخير يحمل عنوانا يثير الحنين أو النوستالجيا إلى زمن ولى لمنطقة من أجمل مناطق القاهرة وضاحية اتسمت بالعراقة والفخامة وتميزت بقصورها البديعة وأشجارها الباسقة ومنتزهاتها المنتشرة فيها. وثقت لها السينما والدراما بالصوت والصورة فى أفلام عبد الحليم حافظ خاصة فى فيلم "بنات اليوم" والكوبرى الذى التقى فيه ماجدة وغنى أجمل أغانيه "ظلموه" . لكن الكوبرى لم يعد له أثر وتم ردم الترعة وتغيرت معالم المنطقة تماما ولم يتبق سوى الاسم "ظلموه".. وقد ظلموه فعلا.


وفيلم مراتى مدير عام لشادية وصلاح ذو الفقار التى بدت فيه المعادى قطعة أوروبية خضراء يحدها كورنيش النيل الرائع من شمالها.
لا بد أن نشكر القائمين على إعداد هذا الكتاب التوثيقى والتاريخى عن الضاحية الخضراء التى التهمتها المبانى الخرسانية فى زمن الثمانينات والتسعينات. فقد بذلوا جهدا علميا رائعا عن تاريخ وتراث ومعمار المعادى " حضن الأحباب" كما وصفها فى روايته البديعة ابن المعادى القديمة الصديق محمد غزلان.


أعرف أن الهدف من إصدار مثل هذه الكتب هو حفظ ذاكرة المكان والتـأريخ العملى والمعمارى والتعريف بكنوزها التراثية، لكنها فى الوقت ذاته تثير الشجن والحزن لما أصبح عليه حال هذه الضاحية الجميلة التى جارت عليها معاول الهدم والبناء والغزو الخرسانى دون رحمة أو إشفاق بتاريخها وبقيمتها الحضارية والمعمارية والتاريخية والاجتماعية، والتى كانت فى زمن آخر غير زماننا هذا أيقونة للجمال والرقى والتحضر.


وكما أشار المهندس محمد أبو سعدة رئيس جهاز التنسيق الحضارى، فى الندوة التى حضرها منذ أسبوعين تقريبا الدكتور أحمد هنو وزير الثقافة ومحافظ القاهرة الدكتور إبراهيم صابر وعدد من كبار المعماريين المصريين وسعدت بحضورها، إلى أن الجهاز يبذل جهودا مضنية فى سبيل صون هذه المناطق والحفاظ عليها والتنسيق مع محافظة القاهرة والجهات المعنية ووضع شروط ومعايير لسبل التعامل مع المناطق ذات القيمة المعمارية فى إطار الحفاظ على إرث مصر العريق ومكوناته المتميزة.


الكتاب الذى أصدره التنسيق الحضاري- مشكورا- يأتى فى إطار ما يسمى سلسلة " ذاكرة المدينة" واستعادة الذاكرة المفقودة وعودة الوعى بتراث القاهرة وضواحيها وشوارعها التاريخية والتراثية العريقة وما تبقى من بعض ملامحها، ويلقى بالمسئولية الآن على الجهات المعنية فى الحفاظ على ما تبقى من الذاكرة وما تبقى من القيمة المعمارية لتلك المناطق، وما أكثرها فى القاهرة العجيبة.


المعادى تمثل حالة فريدة ومدهشة من بين ضواحى ومناطق القاهرة، فهى مدينة الحدائق التى أنشئت وتشكلت بروعة ودقة متناهية فى أواخر القرن التاسع عشر ومقياسا حقيقيا وصادما لحالة ونموذج التحولات الصادمة ووقائعها التى جرت فى مصر والقاهرة بصفة خاصة فى كل المجالات الحضارية والاجتماعية والثقافية فى ظل ثقافة الانفتاح الاقتصادى وطغيان لغة المال والاستثمار والجشع على حساب القيمة والجمال والتراث والتاريخ.


منذ 75 عاما وفى عددها الصادر بتاريخ 10 يوليو عام 1950 تصف مجلة المصور منطقة المعادى: ط مجموعات من الفيلات ذات الحدائق الخضراء، أشجار كثيفة لا عداد لها  يفوح منها أريج لطيف متنوع مما يجعل المتأمل لها يتصور وكأنه قد انتقل إلى واحة الأحلام.. هذه المتعة التى ينعم بها الإنسان فى هذه الضاحية لا تقتصر على المنظر الذى تراه العين فقط، بل هناك الهدوء الشامل الذى يبسط جناحيه على تلك المدينة الزاهرة التى تظللها الأشجار الوارفة المورقة وأشجار الكافور الضخمة ..هذا الهدوء الذى تطمئن إليه الروح وترتاح ."


هذه هى المعادى أو هكذا كانت حتى سنوات السبعينات " الواحة التى يدرك فيها أهل القاهرة الراحة من العمل ساعات النهار فى العاصمة الصاخبة ذات الضجيج ، وهى جنة الأطفال يشعرون فى حدائقها الفسيحة أن أيام الأسبوع كلها إنما هى عطلة مستمرة".


يروى مسار المعادى بوضوح التغييرات الاجتماعية التى شهدتها مصر والقاهرة بصورة عامة فى سبعينيات القرن العشرين وما بعدها، ويعكس تطورها من منطقة مقتصرة على الأجانب والطبقة الثرية فقط إلى ضاحية مرغوبة ونافذة مشرعة على تطلعات طبقة شائهة وعصر متحول غريب ونموذج لأسلوب حياة طموح وإقصاء فى آن واحد.


صورت المعادى فى الكثير من روايات كبار الكتاب مثل طه حسين ويوسف السباعى وإحسان عبد القدوس وغيرهم . كما ظهرت فى الكثير من الأفلام المصرية خاصة تلك الأفلام ذات المواضيع الرومانسية التى تظهرها ضاحية لها سحر وطابع خاص ومتفرد جدا .


وتوثق سيمنا هذا الزمن والأعمال الدرامية والأدبية التغيرات التى حدثت فى ضاحية المعادى كمثال صارخ وصادم على التغيرات التى حدثت للمجتمع المصرى والقهرى بصفة خاصة، كما وثقت سينما الخمسينات والستينات لها، لا ننسى أفلام بنات اليوم ونادية وكرامة زوجتى ومراتى مدير عام ونص ساعة جواز والحب الضائع، أغلى من حياتى، البحث عن فضيحة، حبيبى دائما، آيس كريم فى جليم، الإرهابي، الآنسة مامي، دكان شحاتة، جدو حبيبى وغيرها من الأفلام والمسلسلات إضافة إلى أحداث ألغاز المغامرين الخمسة لمؤلفها محمود سالم وعرف من خلالها جيل السبعينات المعادى وشوارعها الخضراء وحدائقها ومعالمها الراقية.


ما تبقى من المعادى رصدته عدد من الأعمال الدرامية والأفلام السينمائية، فمع نهاية الثمانينات وبداية التسعينات، هدمت الكثير من الفيلات وعلت البنايات وغزا الضاحية أنماط جديدة من السكان  وانتشرت المحال التجارية الحديثة ومطاعم الأكل السريع والمعاهد والمدارس والجامعات وبدأت المعادى تئن تحت وطأة التغير الاجتماعى والاقتصادى والثقافى، وعبر عن ذلك يوسف عوف فى مسلسله " صباح الخير يا جارى " و" ساكن قصادي" وحتى مسلسل " تحت السيطرة " عام 2015 .


من عاشوا زمن الخمسينات والستينات والسبعينات ما زالوا يبحثون عن إنسانية المكان فى المعادى، وما زالوا يستدعون مشاعر وأحاسيس هذه الذكريات ويسترجعون تفاصيل المكان برونقه وجماله وإبداعه وبشخوصه أيضا الذين عاشوا فيه. فقد عاش فى المعادى مجتمع الصفوة المصرى أمثال الأميرة فوزية وعبود باشا والدكتور مصطفى مشرفة، والفنانون والسينمائيون وأشهر الكتاب والموسيقيون والشعراء والشخصيات التاريخية التى ساهمت فى إثراء الحركة الثقافية والفنية والسياسية أمثال  الشاعر سيد حجاب والروائى خيرى شلبى والمهندس الدكتور سيد كريم والمسرحى نعمان عاشور ويوسف جوهر وبدر الدين أبو غازى وزير الثقافة الأسبق والفنان عمر الحريرى والروائى سعد مكاوى.


عموما ما يقوم به جهاز التنسيق الحضارى من إصدار قوانين للحفاظ على المبانى والمناطق التراثية أو ما تبقى منها وإطلاق مشروعات عديدة منها مشروع توثيق الأشجار النادرة والمعمرة بالمعادى وغيرها ومشروع " عاشوا هنا" هو محاولات مخلصة وجهد مقدر ومشكور لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة