لم يحدث في تاريخ البشرية أن تواصل الناس بهذا القدر من الكثافة، ولم يحدث في الوقت نفسه أن شعروا بهذا القدر من الوحدة. يا لها من مفارقة تستدعي التوقف والتأمل!
نحن نعيش في عصر الاتصال المفرط Hyper-connectivity؛ إذ لا يمر يوم دون عشرات الرسائل، ومئات المنشورات، وآلاف الصور التي تتدفق عبر مختلف بقاع الفضاء الأزرق. ومع ذلك، تتصاعد معدلات الشعور بالوحدة، ليس فقط بين كبار السن، بل بين الشباب والمراهقين الذين هم أكثر الفئات انغماسًا في هذه المنصات.
السؤال الحقيقي هنا ليس: هل نتواصل؟ بل: ما طبيعة هذا التواصل؟
بين العزلة والوحدة
في علم النفس الاجتماعي، تفرّق الدراسات بوضوح بين العزلة الاجتماعية Social isolation والشعور الذاتي بالوحدة Perceived loneliness. قد يكون الإنسان محاطاً بالناس، وحاضرًا في كل المنصات الرقمية، ومع ذلك ينهشه شعور عميق بالوحدة.
السر يكمن في أن الوحدة ليست نقصًا في عدد العلاقات، بل هي نقص في الارتباط العاطفي الحقيقي Emotional connection. ووسائل التواصل الاجتماعي بارعة للغاية في خلق كثافة العلاقات، لكنها فقيرة جداً في خلق عمقها.
دماغك الاجتماعي: لماذا لا يكتفي بـ "اللايك"؟
الإنسان كائن اجتماعي، ودماغه مهيأ بيولوجيًا للتفاعل المباشر. عندما نتحدث وجهًا لوجه، يحدث تزامن عصبي دقيق: نلتقط نبرة الصوت، تعبيرات الوجه، لغة الجسد، وحتى لحظات الصمت.
هذا التفاعل الحي يُنشّط شبكات عصبية مرتبطة بالثقة والانتماء، ويُحفز إفراز هرمونات مثل الأوكسيتوسين Oxytocin المعروف بهرمون الترابط. أما التفاعل الرقمي، فيختزل هذه العلاقة المعقدة في حفنة من "اللايكات" والرموز التعبيرية (الإيموجي). هذه الإشارات السريعة قد تمنحنا جرعة "دوبامين" سريعة (من خلال نظام المكافأة)، لكنها تفشل في تغذية حاجتنا العميقة للارتباط؛ فنحصل على متعة عابرة بدلاً من الدفء الإنساني.
السم البطيء: فخ المقارنات
واحدة من أخطر الآليات النفسية في السوشيال ميديا هي "المقارنة الاجتماعية". نحن لا نرى حياة الآخرين كما هي، بل نرى النسخة المنقحة التي اختاروا عرضها: لحظات الإنجاز، السعادة المفرطة، والابتسامات المصطنعة.
في المقابل، نحن نعيش حياتنا "الخام" بكل تفاصيلها؛ نجاحاتها وإخفاقاتها، قلقها ومللها. هذه المقارنة غير العادلة تخلق شعوراً داخلياً بالنقص، يدفنا تدريجياً للانسحاب النفسي، فنبدأ في حماية أنفسنا بالانعزال، حتى ونحن وسط الزحام الافتراضي.
مفارقة القرب والبعد
القاعدة تقول: "كلما زادت سهولة الوصول، قلّت قيمة الحضور". الرسالة يمكن إرسالها في أي وقت، والمكالمة يمكن تأجيلها، واللقاء الحي يمكن استبداله بمحادثة نصية باردة. هذا ما يسميه الفلاسفة المعاصرون وهم القرب The illusion of closeness؛ نحن قريبون جدًا عبر الشاشات، لكننا بعيدون فعليًا على أرض الواقع.
هل التكنولوجيا متهم أم ضحية؟
من الإنصاف القول إن وسائل التواصل ليست شرًا مطلقاً، لكنها "أداة" ومرآة لما بداخلنا؛ تضخمه أو تسطحه. إذا كنت تمتلك علاقات حقيقية صلبة، فستستخدم المنصات لتعزيزها. أما إذا كنت تفتقر لتلك العلاقات، فقد تستخدمها كبديل، والبديل هنا لا يُشبع أبدًا. الخطر الحقيقي يكمن في أن تتحول الوسيلة إلى "تعويض دائم" بدلاً من أن تكون "جسرًا مؤقتًا".
الحقيقة المجردة هي أننا لسنا في أزمة تواصل، بل في أزمة اتصال حقيقي. التكنولوجيا ألغت المسافات الجغرافية، لكنها لا تستطيع صناعة القرب الإنساني؛ فالقرب يُصنع حين نُصغي بصدق، ونفهم بعمق، ونحضر بأرواحنا.. لا حين نمرّ، نتفاعل بقلب، ثم نمضي.
في المقال القادم سأحدثك عزيزي القارئ عن السوشيال ميديوما.