سامح قاسم يكتب: الجسد بـ"دم نازح في الممر" شاهدٌ عصيٌّ على المحو

الخميس، 22 يناير 2026 04:56 م
سامح قاسم يكتب: الجسد بـ"دم نازح في الممر" شاهدٌ عصيٌّ على المحو كتاب رسائل دم نازف فى الممر

"هنا في هذه اللحظة التاريخية كي أموت، كتبتُ هذه الرسائل"، منذ السطر الأول، يضعنا كتاب الشاعرة فاتنة الغرة "دم نازح في الممر" الصادر عن دار المتوسط، أمام كتابة تولد في لحظة قصوى، لحظة تُختصر فيها الحياة في حافة ضيّقة بين النفس وانقطاعه. هذه ليست كتابة استرجاع أو حنين، هذه كتابة تُنجَز تحت ضغط الفقد، وتتحرّك داخل مساحة مهدَّدة في كل ثانية، كأن الكلمات نفسها تمشي تحت القصف.

الكتاب لا يسعى إلى ترتيب الوقائع التي حدثت في غزة، في تسلسل مريح للقراءة. منذ البداية، يفرض إيقاعه الخاص، إيقاع الممر: ضيّق، متوتّر، ممتلئ بأجساد تمرّ سريعًا، وبأصوات لا تملك وقتًا كافيًا لتشرح نفسها. الممر هنا يتحوّل إلى استعارة كبرى، إلى فضاء عالق بين غرف، بين مصائر، بين أحياء لم يغادروا الحياة تمامًا وراحلين لم يعبروا الموت بعد.
"البيوت لا تصنع المدن، المدن تصنع البيوت"، بهذه العبارة المكثّفة، يفتح الكتاب أفقه المؤلم والمحزن معًا. فالمدينة، كما تظهر في هذه الصفحات، كائن حيّ يعيد تشكيل ساكنيه، يترك أثره في أجسادهم، في أصواتهم، في طريقة تذكّرهم للأشياء. وحين تتعرّض المدينة للتدمير، لا ينهار الحجر وحده، تنهار العلاقات، العادات، الإيماءات الصغيرة التي تصنع الإحساس بالحياة. من هنا، يصبح الممر امتدادًا للمدينة المدمّرة، نسخة مصغّرة عنها، فضاءً يجمع ما تبقّى من معنى في عصر التفتّت.

اللغة في هذا الكتاب لا تبحث عن بلاغة منفصلة عن الألم. كل جملة تبدو كأنها كُتبت بعد تردّد، بعد صمت قصير، بعد محاولة فاشلة للعثور على صيغة أقل وجعًا. ومع ذلك، تمضي الجملة، لأن التوقّف يعني الاستسلام. الكتابة هنا فعل مقاومة هادئ، مقاومة لا ترفع شعارات، ولا تعلن انتصارًا، مقاومة تكتفي بأن تظلّ مستيقظة.

في"دم نازح في الممر"، لا نجد سردًا بطوليًا، ولا خطابًا مرتفع النبرة. نجد إنسانًا يكتب من قلب التجربة، من مكان يعرف ضعفه جيدًا. المستشفى، الممر، الرسائل، الأجساد المصابة، الذكريات التي تقتحم اللحظة بلا استئذان، كلّها تتشابك لتصنع نصًا لا ينفصل فيه الخاص عن العام، ولا يمكن فيه عزل الألم الفردي عن الجرح الجمعي.

"كنتُ أهيّئ نفسي لمرحلة هادئة.. مرحلة الجلوس وانتظار مكافآت الحياة"، هذه الجملة تلقي بظلّها على الكتاب كلّه. فالنص منذ بدايته يحمل وعيًا بالفقد المؤجَّل، وبالحياة التي كان يمكن أن تكون. التهيئة للهدوء تتحوّل إلى عبور قاسٍ داخل العاصفة، وانتظار المكافآت ينقلب إلى اختبار طويل للصبر. ومع ذلك، لا يسقط النص في المرثية الخالصة، ولا يتحوّل إلى بكاء مفتوح. هناك تماسك، نابع من إصرار الكاتبة نفسها على الاستمرار.

بهذا المعنى، تشكّل المقدمة عتبة أخلاقية وجمالية للكتاب. إنها لا تعد القارئ براحة، ولا تقوده إلى مسار مأمون. إنها تدعوه إلى الدخول في الممر، إلى مشاركة الضيق، إلى الإصغاء للأصوات المتداخلة، وإلى قبول حقيقة أن هذا الكتاب قد يُقرأ في زمن آخر، على يد قرّاء لم يعيشوا اللحظة ذاتها، ومع ذلك يصرّ على الصدق، وعلى أن يترك أثره كاملًا، من دون تخفيف، ومن دون مواربة، ومن دون ادّعاء قدرة على الشفاء. هنا تبدأ الحكاية، من نقطة ضيّقة، من ممر، من دم لم يجد طريقه إلى الأرض.
يتقدّم الجسد في "دم نازح في الممر" بوصفه مركز السرد وموضع الذاكرة. الجسد هنا يظهر كوثيقة حيّة، كمساحة تُكتب عليها الحرب يومًا بعد يوم. الجرح يتحوّل إلى لغة إضافية، إلى سطر جديد يُضاف إلى النص مع كل عبور في الممر.

تكتب فاتنة الغرّة الجسد من قلب التجربة اليومية، من تماس مباشر مع الدم والأنفاس المتقطّعة والأجساد المحمولة على عجل. في المستشفى، يتشكّل الجسد مع المكان في علاقة قاسية ومتشابكة. الممر يفرض إيقاعه الضيّق، والدم يفرض حضوره، والنجاة تتحوّل إلى حالة مؤقّتة.

"ومع كلِّ قطرة دم تسيل على أرضية الممر، حيث نضطرُّ دائمًا لِلملمة أقدامنا من الطريق الضيّق أمام الشباب"، في هذا المشهد، نواجه صورة مركّبة تختصر العلاقة بين الجسد والمكان. الممر يتحوّل إلى طرف فاعل في التجربة، ضيقه يُجبر الأجساد على التلاصق، على تقاسم الخطر، على المشاركة القسرية في فعل النجاة. الجسد يتحرّك بحذر، لا خشية السقوط وحده، بل خوفًا من إعاقة مرور جسد آخر أكثر نزفًا.

يتحوّل الدم من علامة فردية إلى عنصر جماعي. لم يعد دم شخص واحد، الدم يلون المكان كلّه، ويعيد تشكيل الإحساس بالزمن، ويغيّر صورة النهار.

"ومع كلِّ نقطة دم تصبغ أظافرها كان الدم يسيل في الممرات وأمام باب المستشفى وفي حضّانات الأطفال وفي الشوارع حتى صار النهار كلّه بلون الدم"، في هذه الجملة، تتكثّف رؤية الكتاب للجسد بوصفه امتدادًا للعالم من حوله. الدم يتجاوز حدود الجسد المصاب، ويمتدّ إلى الشارع، إلى حضّانات الأطفال، في انكشاف كامل لوهم المسافة والأمان. الجسد الفردي يعكس جسد المدينة، وكأن غزة كلّها جسد واحد ينزف في مواضع متعدّدة.

ولا تتوقّف الكتابة عند الجرح المرئي، لكنها تتوغّل في التفاصيل الصغيرة، تلك التي تبدو يومية وعابرة. تمشيط الشعر، البحث عن قملة، لمس فروة الرأس، تتحوّل فجأة إلى طقوس بقاء.

في "دم نازح في الممر"، يظهر الجسد ككائن يقاوم بالحدّ الأدنى الممكن: بالبقاء واقفًا، بالمشي في الممر، بحمل جسد آخر، بكتابة رسالة قصيرة وسط انقطاع الكهرباء. هكذا يتحوّل الجسد إلى نصّ مفتوح، وإلى شاهد عصيّ على المحو.

يتحوّل المستشفى في "دم نازح في الممر" من مؤسسة علاجية إلى كيان سردي كامل، إلى مساحة تتراكم فيها الأصوات والاستغاثات والانتظارات. هنا، لا يُعرَف الزمن وفق الساعات، يُعرف وفق شدّة القصف، ووفق عدد الأجساد التي تعبر الممر، ووفق طول الصمت والترقب والخوف بين انفجار وآخر. المستشفى يخرج من تعريفه التقليدي، ويغدو وعاءً للذاكرة الجمعية، ذاكرة تتكوّن لحظة بلحظة تحت الضغط.

الكاتبة لا تصف المستشفى من الخارج، ولا تنظر إليه بوصفه مبنى، فهي تكتبه من الداخل، من الطوابق، من الممرات، من الاحتكاك المباشر بين الأجساد. كل سرير يحمل حكاية، وكل غرفة تختزن أثر غياب أو نجاة مؤجَّلة. المكان هنا لا يحتمل الحياد، إنه مشحون بما مرّ به، وبما ينتظر أن يمرّ.

"اليوم غير المعلوم من أيّام الحرب ومن أيّام النزوح في المستشفى"، بهذه العبارة، يُعلَّق الزمن داخل المستشفى. الأيام تفقد أسماءها، والتواريخ تتلاشى، ويبقى الحاضر ممتدًّا بلا حدود واضحة. النزوح لا يعود انتقالًا جغرافيًا، ولكن حالة دائمة داخل المكان نفسه. المستشفى يتحوّل إلى وطن مؤقّت، وطن محاصر بالاحتمالات الثقيلة.

في هذا الفضاء، تتقاطع الحياة والموت من دون إشارات فاصلة. الأجساد المصابة تجاور الأجساد المنتظرة، والأصوات تختلط بين أنين وهمس ودعاء. الممرات تجمع الجميع في مساحة واحدة، من دون امتيازات أو فواصل. الضعف هنا مشترك، والانتظار مشترك، والخوف موزّع بالتساوي.

"ومع كلِّ قطرة دم تسيل على أرضية الممر"، الدم في المستشفى حاضر في قلب الحركة اليومية، جزء من المشهد المعتاد. الممر لا يُغسل من أثره بسرعة، وكأن المكان يحتفظ بالعلامة كي لا تُمحى الذاكرة. هكذا يصبح المستشفى سجلًّا مفتوحًا، تُكتب صفحاته بالدم وبالأقدام المتعبة.

ولا يكتمل مشهد المستشفى من دون الإصغاء إلى تفاصيله الدقيقة، تلك التي تمنحه طابعًا إنسانيًا عميقًا. أصوات الأغاني القادمة من سماعات الهاتف، الهمسات القصيرة، الحركات الصغيرة التي تحاول تثبيت معنى للحياة وسط الفوضى.

"عينان مغمضتان وابتسامتي تتّسع وصوت بهاء سلطان يملأ كلّ خليّة"، في هذا المقطع، تتسرّب الموسيقى إلى قلب المستشفى، لا بوصفها ترفًا، بل كحاجة إنسانية. الصوت يتحوّل إلى درع هشّ، إلى محاولة لترميم الروح. المستشفى، في هذه اللحظات، يسمح للحياة بأن تتنفس، ولو عبر سماعة صغيرة. غير أن هذا النفس لا يدوم طويلًا. القصف يعود، والارتجاج يذكّر الجميع بأن المكان معلّق فوق الخطر. ومع ذلك، تستمر الكتابة في التقاط التفاصيل، كأن تسجيلها فعل مقاومة لا ينتهي.

"البيوت لا تصنع المُدُن، المُدُن تصنع البيوت"، هذه العبارة التأسيسية تمنح النص مفتاحه الأعمق. المدينة، في هذا الكتاب، تسبق البيت، تسبق الجدران، تسبق الحميمية الضيقة. غزة تصنع بيوتها من الذاكرة، من الخسارات المتراكمة، من القدرة على إعادة ترتيب الداخل كلّ مرة. البيت يفقد ثباته المادي، بينما المدينة تحتفظ بثقلها الرمزي، بثقل الانتماء الذي لا يخفت.

تظهر غزة في النص بوصفها مكانًا لا يسمح بالمسافة. الحرب قريبة، الصوت قريب، الخطر قريب. ومع ذلك، تستمر الحياة في التشكّل داخل هذا القرب القاسي. المدينة لا تُختزل في لحظة واحدة، إنها تتكشّف عبر تتابع الأيام غير المسمّاة، عبر الإقامة الطويلة في حالة الانتظار.

غزة، كما تظهر في هذا النص، تُربك اللغة، وتُربك التصنيفات. لا يمكن التعامل معها كخبر عابر، ولا كقضية مؤجَّلة. إنها تجربة تضع القارئ أمام مسؤوليته الأخلاقية: مسؤولية النظر، ومسؤولية الاعتراف بثقل ما يحدث.

تتحوّل الكتابة في "دم نازح في الممر"، إلى شكل من أشكال المقاومة الهادئة. لا شعارات، ولا خطابات عالية النبرة، فقط، تسجيل يومي لما يمرّ، ولما يترك أثره في الجسد والذاكرة. النص يقاوم النسيان، ويقاوم التبسيط، ويقاوم تحويل التجربة إلى رقم أو خبر عاجل.

هكذا، ينتهي الكتاب من دون نهاية مغلقة. الكتابة تظل مفتوحة، كما تظل الحياة نفسها معلّقة بين الخطر والرغبة في الاستمرار. وفي هذا التعليق، في هذه المسافة غير المستقرّة، ينجح النص في أداء مهمته الأعمق: أن يكون شاهدًا حيًّا، وأن يمنح الألم لغة قادرة على البقاء.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة