لم تأتِ مشاركة الرئيس عبد الفتاح السيسي في منتدى دافوس الاقتصادي العالمي من باب الحضور الشكلي، وإنما بوصفها إعلانًا عن موقع جديد لمصر داخل معادلة الاقتصاد والسياسة الدوليين. فدافوس لم يعد منتدى حوار فقط، بل مساحة تتقاطع فيها قرارات الاستثمار مع حسابات النفوذ، وتُصاغ فيها اتجاهات العالم القادم.
في هذا السياق، تحضر مصر بوصفها دولة تملك ما يبحث عنه العالم اليوم: الاستقرار في منطقة مضطربة، وبنية تحتية مؤهلة، وموقعًا جغرافيًا يحكم حركة التجارة والطاقة بين ثلاث قارات. لذلك لم يكن الحضور المصري هناك ترويجًا لمشروعات، بل تقديمًا لسردية دولة قادرة على أن تكون عقدة ارتكاز في الاقتصاد العالمي الجديد.
ويكتسب هذا المعنى عمقًا إضافيًا مع لقاء الرئيس عبد الفتاح السيسي بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب على هامش القمة. فاللقاء لا يمكن فصله عن سياقه الدولي المضطرب، حيث تتقاطع ملفات الأمن والسلام مع خرائط الاستثمار والطاقة. حين يجلس رئيس مصر إلى رئيس الولايات المتحدة في دافوس، فإن الرسالة تتجاوز العلاقات الثنائية لتؤكد أن القاهرة باتت طرفًا رئيسيًا في إدارة توازنات المنطقة وحماية المصالح العالمية المرتبطة بها.
اللافت أن هذا الحوار جرى في قلب السوق العالمية، حيث تتجاور السياسة مع رأس المال، وتتحول الاستقرار والأمن إلى عناصر جذب استثماري. من هنا يصبح الدور المصري في غزة، والبحر الأحمر، وشرق المتوسط، جزءًا من معادلة اقتصادية دولية لا تقل أهمية عن بعدها الجيوسياسي.
لكن نجاح هذه الدبلوماسية الاقتصادية يتطلب ترجمتها سريعًا في الداخل. فالمطلوب من الحكومة اليوم ليس فقط الترويج للاستثمار، بل إعادة هندسة بيئة الأعمال نفسها: تبسيط الإجراءات، تسريع تخصيص الأراضي، وضمان استقرار السياسات الضريبية والجمركية. أما الغرف التشريعية، مجلسي النواب والشيوخ، فعليها أن تتحرك بالوتيرة ذاتها عبر تحديث الإطار التشريعي للاستثمار، وإزالة التعارضات القانونية، وتوفير مظلة قانونية حديثة تحمي المستثمر وتشجّع رأس المال طويل الأجل.
العالم اليوم يبحث عن بدائل آمنة في ظل تفكك سلاسل الإمداد وتوترات الجغرافيا السياسية. وفي هذا الفراغ، تظهر مصر بوصفها بوابة إلى إفريقيا، وممرًا للتجارة العالمية، ومركزًا صاعدًا للطاقة واللوجستيات. وهذا ما يجعل استقرارها مصلحة دولية قبل أن يكون شأنًا وطنيًا.
من هنا يمكن قراءة دافوس هذه المرة بوصفه محطة سياسية بقدر ما هو اقتصادية. فمصر لم تذهب لتستمع، بل لتُعرّف العالم بموقعها الجديد: دولة تُدير التوازن، وتستقطب الاستثمار، وتفهم أن النفوذ في هذا العصر يُبنى عند تقاطع السياسة مع السوق.