عصام محمد عبد القادر

الرأي العام مقابل الوهم الرقمي

الخميس، 22 يناير 2026 01:13 ص


قضايانا المجتمعية متجددة، وتموجاتها عاتية في وقت ما، ومنخفضة في حين آخر، وفي ضوء ما يطفوا من إشكاليات، أو هموم، أو اهتمامات خاصة بالمجتمع؛ فإن التعبيرات المتدفقة، عبر المنصات الإعلامية، والمنابر الاجتماعية تغدو معبرة، وتشير إلى توجه بعينه، أرى أنه مبنيٌّ على خبرة، قد تكون متكاملة، أو منقوصة، وهنا نوقن أن الرأي العام لن يتشكل إلا في خضم صورة وعي مجتمعي، رشيد، يتجاوز مستوى الانفعال إلى مساحة الإدراك، وهذا ما يؤكد على ماهية المسؤولية في إطار وظيفية الدور الشعبي.

 

في المقابل ما نشاهده، أو نراه من ردود فعل متباينة، عبر المنصات الرقمية على وجه الخصوص، لا تمثل ماهية الرأي العام في سياقه المنضبط، أو المنظم؛ لكنها مؤشرات لتوجهات، قد تكون أيدولوجية، أو ثقافية، أو عقدية، أو فئوية، أو أية صورة، تنطلق منها فلسفة المزاج العام، أو الإرادة الجمعية، وبناءً عليه فإننا نؤكد أن التوافق المجتمعي، أو حتى الرأي السائد، يقوم على بنائية تراكمية، أساسها المعارف الصحيحة، والممارسات القويمة، والوجدانيات الراقية، المنسدلة من قيم نبيلة، وفضائل، وشمائل حميدة.

 

أعتقد أن الاتجاه العام نحو قضية ما، يوصف بالثبات، والاستمرارية في آن واحد؛ نظرًا لأن عمق التناول هو الأساس، الذي بنيت عليه الآراء، بغض النظر عن نسبية توافقها؛ لكن ما يثار من قضايا، أو مشكلات، أو أحداث على منصات التواصل الاجتماعي، سريعة الانتشار، لا تؤسس على تكامل معرفي في المطلق؛ لذا تنطلق الآراء، تعزز ماهية الرواج الرقمي، أو ما يسمى بالتريند؛ ومن ثم فإنه لا يصح أن نرتكن إليها في صناعة، واتخاذ القرارات الماسة بالحالة المجتمعية.

 

أرى أن منتديات، ومنصات الوهم الرقم، لا تعبر عما يجوش في صدور هذا المجتمع، الذي يمتلك عقيدة راسخة، مبنية على مثل عليا، أو مبادئ سامية، والشاهد على ذلك صورة الرفض المجتمعي لكل من يحاول أن يروج لفكرة، تتعارض مع فضائل، واتصافات ذات جدوى، وهذا يجعلنا ننتبه بأن الرأي العام، يقوم على سند واضح، وفلسفة واقعية، فحواها أن كل ما يعزز الصحة المجتمعية ماديًا، ومعنويًا، يتناغم مع الرضا المجتمعي، وفي المقابل كل ما يضير بماهية الاندماج المجتمعي، ويفتح مجالًا للشائعات، ويفتح مسارًا للفتن؛ فإنه لا يلقى أدنى ترحاب من القاصي، والداني على السواء.

 

أدعو أولى الألباب تجنب الانسياق وراء أصوات فردية، تود أن تصنع منابر وهمية، تجذب إليها توجهات أبناء المجتمع، من أجل غايات مشوهة، أو مستهدفات مغرضة، وأن نتوقف على تعضيد الأفكار المسمومة؛ بغية توجيه البوصلة نحو تفاهات، تضير باللحمة المجتمعية، وتؤدي إلى خلق فجوات بين المواطن، ومؤسساته الوطنية، وتعمل على تأجيج حالة من الصراع النفسي، والفكري، وأنشد صورة لمنابر قويمة، تقدم من خلالها الفكرة، أو القضية في إطار، أو سياق متكامل؛ كي تتلاقى الأصوات المعبرة عن آرائها بشكل متكامل.

 

ما نرصده من ممارسات عبر المنصات الرقمية التفاعلية، يتمحور على نشر أجزاء من قضية ما، ثم طوفان من التعليقات، يليها إعادة نشر في أوقات، وأماكن مختلفة؛ بغية زيادة حالة الزخم، التي تلقى اهتمام المؤسسات؛ نتيجة للضجيج الرقمي المتواتر؛ لذا يتوجب أن نتحلى بالصبر الجميل، ونتحرى المصدر، وما أتى به من بيان، وأن تصبح مرجعيتنا رسمية، ونحسن ماهية الصمت الاجتماعي، حتى تخبوا حماسة الآراء، الموجهة من على الفضاء المفتوح.

 

ما تعلمناه من البحث العلمي الرصين، أن تقوم منهجية استطلاع الرأي على أدوات توصف بالمقننة؛ إذ ينبغي أن تتسم بالصدق، والثبات؛ كي يتم حصر الآراء في صورة صحيحة، ومن ثم يمكن تحليلها؛ لنكشف عن بواطن الظاهرة المجتمعية محل الاهتمام، وبناء عليه تتكون الرؤى، والتصورات الفاعلة، بعيدًا عن استراتيجيات الاستقطاب، التي تتبناها جهات معلومة، أو غير معروفة، وعلى هذا الأساس ندرك أن الرأي العام يسهم في الربط بين النظرية، والتطبيق، ويساعد في صناعة، واتخاذ قرارات رشيدة بعيدًا عن توهمات، قد تضير قطعًا بالصالح العام.. ودي ومحبتي لوطني وللجميع.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة