شهدت قاعة الندوات المتخصصة، منذ قليل، ندوة التراث الثقافي غير المادي في عصر التحولات التكنولوجية، بمعرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته ال57، بحضور الدكتور حسن فداوي، والدكتور طارق صالح، والدكتور محمد شبانة، وأدارت الندوة الدكتورة نهلة إمام مستشار وزير الثقافة للتراث.
مفهوم التراث غير المادي
وقالت نهلة أمام إن العالم يشهد تغيرات متسارعة تفرض الخروج من الأطر التقليدية، والاعتماد على أدوات حديثة وأساليب مبتكرة، مع ضرورة الجمع بين الخبرات المختلفة، والاستعانة بنخبة من المتخصصين في مجال التراث، من أجل مخاطبة أجيال متنوعة
وأكدت نهلة أمام، أن التراث الثقافي غير المادي يعد من أهم روافد الهوية الإنسانية، سواء في صورته المرتبطة بالموروث الشعبي أو بالأنشطة الصناعية والحرفية.
وأشارت نهلة أمام، إلى أن مفهوم التراث الثقافي غير المادي برز بقوة عقب الحرب العالمية الثانية، باعتباره تعبيرًا عن ذاكرة الشعوب ومنبعًا لتشكّل العقل الإنساني وتجربته الحضارية.
وأضافت نهلة أمام، أن التحدي الحقيقي في القرن الحادي والعشرين، ومع الألفية الثالثة، يتمثل في كيفية التواصل مع أجيال جديدة مثل جيل "z” وجيل “ألفا “ مع الحفاظ على التراث الإنساني باعتباره مكونا أساسيا للهوية.
وتساءلت نهلة أمان عما إذا كان الذكاء الاصطناعي يعد تحديًا أم فرصة في التعامل مع التراث، مؤكدة أن العالم بأسره بات ينظر إلى التراث بوصفه عنصرًا أساسيًا في بناء الوعي الجمعي واستدامة الهوية الثقافية، ما يستدعي خوض مغامرة واعية تحافظ على التراث دون الانفصال عن أدوات العصر الحديثة
وفي السياق ذاته، قال طارق صالح، أستاذ التصميم بجامعة العاصمة، إن التراث الثقافي قد يكون مشتركا بين أكثر من دولة، مشيرا إلى أن من أبرز التحديات التي تواجه التراث حاليا مسألة الحفاظ على المعلومات والبيانات المرتبطة به.
وأوضح طارق صالح، أن آليات الذكاء الاصطناعي تتعامل مع كم هائل من البيانات، وهو ما يحمل جانبين، أحدهما إيجابي يسهم في التوثيق والتحليل، والآخر سلبي قد يؤدي إلى إشكاليات تتعلق بالملكية الفكرية.
وأضاف طارق صالح، أن نماذج التعلم الآلي تعمل كأدوات لالتقاط المعلومات الخاصة بالحضارات والثقافات المختلفة، ثم إعادة إنتاجها وتوظيفها بطرق متعددة، ما قد يفتح الباب أمام شكل جديد من «الاستعمار الفكري» لتراث الشعوب وما تمتلكه من إرث ثقافي، ك مؤكدا أن الذكاء الاصطناعي يتغذى على الخلفيات الثقافية والحضارية، وهو ما يستدعي إعادة التفكير في قضايا الملكية الفكرية، ووضع إطار أخلاقي واضح للتعامل مع البيانات واستخدامها في مجالات التصميم.
وأشار طارق صالح، إلى أن كثيرا من الضوابط والمحظورات مطبقة في الدول الغربية، حيث يتم تبادل البيانات في إطار قانوني واضح وعقود منظمة، بما يضمن الحفاظ على خصوصية بيانات الشعوب وحماية تراثها الثقافي من الاستغلال غير المشروع.
كما قال الدكتور حسن فداوي، أستاذ بكلية الفنون الجميلة بجامعة الإسكندرية، إن التعليم الفني في الولايات المتحدة يقوم على الدمج بين النظرية والتطبيق، وهو ما يسهم في تحويل الأفكار إلى نماذج قابلة للتنفيذ.
تطور تقنيات الحاسب
وأوضح حسن فداوي، أن التطور السريع في تقنيات الحاسب الآلي شكل نقطة تحول كبيرة، وصولا إلى الذكاء الاصطناعي الذي لم يعد مجرد نظرية، بل أصبح أداة عملية قادرة على التنفيذ والتطوير.
وشرح فداوي، آلية عمل الذكاء الاصطناعي، وكيفية تخزينه للبيانات ومعالجتها، مشيرًا إلى أن ما كان يعد عيبا في أجهزة الكمبيوتر قبل نحو عشر سنوات، أصبح اليوم ميزة، في ظل تسارع غير مسبوق في الأداء واستهلاك الزمن، حيث بات الذكاء الاصطناعي قادرا على إنجاز مهام معقدة في أقل من شهر، وبسرعة تفوق المعدلات الطبيعية.
وفي سياق حديثه عن المشروع التطبيقي، استعرض الدكتور حسن فداوي تجربة تصميم مستوحاة من قصة جحا المصري، مؤكدا أن الصورة تعادل ألف كلمة، وهو ما دفعه إلى تنفيذ معالجات فنية متعددة.
وأضاف حسن فداوي، أنه جرى العمل على نحو 30 تصميما بصريا تجسد تطور الشخصية، بدءا من مرحلة الطفولة وهو رضيع، وصولا إلى مرحلة الشيخوخة، في إطار رؤية فنية تعتمد على السرد البصري والتوظيف الذكي للتقنيات الرقمية.
ملف بالغ الخطورة
وفي السياق ذاته، قال الدكتور محمد شبانة، أستاذ الموسيقى الشعبية، إن هذا الملف بالغ الخطورة، ويضعنا أمام تحديات حقيقية تتطلب البحث عن سبل ذكية للتعامل مع التكنولوجيا الحديثة، بل ومحاولة «التحايل» عليها أحيانًا لحماية التراث. وأشار إلى أن دار الأوبرا المصرية ستشهد في شهر أكتوبر المقبل انعقاد المؤتمر الثالث والثلاثين للموسيقى العربية، والذي يناقش قضايا التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، وتأثيرهما على الموسيقى العربية والتراث الثقافي غير المادي.
وتساءل محمد شبانة، عما إذا كانت التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي يمثلان تهديدا أم فرصة، مؤكدا أن المسار التاريخي يشير في مجمله إلى جانب إيجابي.
وأوضح محمد شبانة، أن الموسيقى المصرية التقليدية، كما قدمها الموسيقيون والمطربون حتى العقد الثالث من القرن العشرين، تمثل تراثا إبداعيا بالغ الأهمية، مضيفا أن ظهور شركات الأسطوانات منذ عام 1903 أسهم في الحفاظ على جانب كبير من هذا التراث، فيما يعرف بعصر النهضة الموسيقية، حيث أتاحت الأسطوانات توثيق أعمال فنية عظيمة، إلا أن المشكلة الأساسية تكمن في غياب أرشيف وطني منظم، إذ لم تكن هذه التسجيلات محفوظة أو مستقرة داخل مصر، ما يعرض جزءًا من الذاكرة الموسيقية لخطر الضياع.
وأكد محمد شبانة، أن التكنولوجيا، في حال استخدامها دون تدخل بشري مغرض، يمكن أن تكون أداة مفيدة وفاعلة في حفظ التراث.
وأوضح محمد شبانة، أنه في عام 1932 قامت الخزانة المصرية بدفع ما يعادل 800 جنيه مصري لإنتاج أسطوانات مؤتمر الموسيقى العربية، غير أن هذه الأسطوانات انتقلت لاحقًا إلى أرشيفات خارج مصر، من بينها أرشيفات في برلين وإسرائيل، ولا تزال حتى الآن غير متاحة داخل البلاد.
وأضاف محمد شبانة، أن قضية الذكاء الاصطناعي في جوهرها مسألة تتعلق بثقافة الشعوب وهويتها، محذرًا من خطورة فقدان أو تشويه المؤثرات الشعبية التي كانت موجودة في مصر، والتي تمثل عنصرًا أساسيًا من التراث الثقافي غير المادي، ما يفرض ضرورة الوعي بكيفية توظيف التكنولوجيا الحديثة في حماية هذا الإرث، لا في طمسه أو الاستيلاء عليه.