عادل القليعى

فلسفة الاحتكار الفكرى.. من الاحتكار إلى الاحتقار

الأربعاء، 21 يناير 2026 03:50 ص


بداية ما المقصود بهذا المصطلح، فلسفة الاحتكار الفكري؟ هل الأفكار تحتكر، بمعنى آخر، هل يمكن مصادرة فكرة ما على شخص ما لمجرد أنها مثلا قالها فى منتدى ثقافى معين أو مؤتمر ما، فنقول إن هذه الفكرة أو هذه المعلومة خاصة بفلان من الناس.

فى اعتقادى أن مثل هذه الأمور تدخل ضمن خزعبلات فكر من لا فكر لديهم على الإطلاق.

لكن من البداهة المنطقية، أننا نقول قد ذكرها فلان فى مناسبة كذا أو فى يوم كذلك، يعنى ننسب العبارة لقائلها حتى إن لم تكن موثقة فى كتاب، لكن من باب أمانة النقل ننسبها لصاحبها.
وهذه من بداهيات البحث العلمى الحصيف.

لكن من غير المنطقى وغير المقبول أن يطالبك هذا الشخص -لا أقصد شخوصا بعينها- أن تتقوقع حول هذه الفكرة ولا تقوم بتطويرها محللا إياها، ناقدا لها، لا لمصلحة اللهم إلا تجديد هذه الأفكار واكسابها حيوية واستمرارية.
وهذا جد يعد ضربا من ضروب العبث، احتكار الأفكار.

لكن ما تعلمناه من أساتذتنا أصحاب الشمائل العلمية والقيم الخليقة، أن الأفكار ليست حكرا على أحد.

فمن الممكن أن تكون ذات الفكرة عالقة بذهنك، تداعبك وتداعبها، لكن لم تكن قد اختمرت تماما، فتظل حبيسة ذاكرتك إلى أن تصدر ملكتك العقلية قرارا بإخراجها من حيز الوجود بالقوة إلى حيز الوجود بالفعل.

وما أن تخرج إلى النور، إلا وتفاجأ بشخص آخر يتحدث عن نفس الفكرة مع اختلافات فى الطرح والمعالجة والمنهج عن طريق ما يسمى بتوارد الخواطر والأفكار.
فتصب عليك اللعنات منه، كيف تسرق أفكاره، كيف لا تستأذنه.

السؤال الذى يطرح نفسه، هل الفكر حكر على أحد..؟!
سؤال آخر، هل الفكر له دين ووطن.؟!
الإجابة واضحة بذاتها، الأفكار ليست حكرا على عمرو أو زيد.
الفكر دينه ووطنه روح وقلب وعقل المفكر فى أى مكان فى ملك الله العظيم.

تلك ما مرد عليه أنصار المدرسة الكلاسيكية التقليدية التى تقوقعت وتمركزت حول نقطة واحدة فقط، هى فقط لا تتزحزح قيد أنملة عن محيطها، التسبيح بحمد الماضى وتقديسه.

لكن السؤال المنطقى، هل سنتوقف عند الماضى ويتوقف تفكيرنا عند مرحلة زمنية ومكانية بعينها ولا نقوم بالاستفادة من موروثنا الثقافى والحضارى ونوظفه لخدمة واقعنا المعاصر؟

إن هذه الفكرة جد مهينة حتى لفكر أسلافنا وإذا ما سألونا لماذا توقفتم، لماذا كل هذه الهالات من التقديس لنا، فما نحن إلا بشر وفكرنا قابل للتجديد لأننا كتبنا لعصرنا ومتغيراته ومتطلباته.

لماذا توقفتم عند مرحلة فكرية فى فترة زمنية وحقبة تاريخية ولم تجددوا؟ من قال لكم إننا احتكرنا أفكارنا وورثناها لكم لتحتكروها، لا طورتموها، ولا تركتم غيركم من المحدثين يقوم بالاستفادة منها؟

إن ما فعلتموه جعل أفكارنا تتحول من خلالكم من الاحتكارية إلى الاحتقارية، بمعنى من احتكاركم لها، إلى احتقارها عند الآخر، لماذا لأنكم تركتموها على ثبوتيتها، على قديمها، فلم تعد تتماشى مع العصر ومستحدثاته وتقنياته.

قديما كنا نسمع أن فلانا تخصص فى فرع من فروع العلوم الإنسانية، علم التاريخ أو الجغرافيا أو الانثروبولوجيا، أو الفلسفة على وجه الخصوص، وأنه يكتب عن فيلسوف ما، فصار محتكرا لهذا الفيلسوف، ولا أحد يقترب منه، وإذا ما حاولنا الدخول إلى محراب هذا الفيلسوف لابد أن نستأذن أولا، هل مسموح يا سيدنا أن نقرأ الفاتحة ونلتمس البركة وننهل من بحور علوم هذا الفيلسوف، إن كنت من أصحاب الحظوة تمنح البشارة والبركة بشروط، أهمها الولاء والبراء، الولاء لمن يوالى، والبراء ممن يعادي.

وهذا ما أصاب فكرنا العربى والإسلامى فى مقتل واقعدنا عن المواكبة والمعاصرة فأصبحنا فى واد مغلقين منعزلين عن ركب التقدم الحضارى ومده، وأقول ركب التقدم الحضارى، لا التمدن، فشتان ما بين المصطلحين، التقدم، والتمدن.

فالتقدم يعنى المواكبة والمسايرة وفقا لضوابط وشروط لا تفقدنا هويتنا.
أما التمدن فهو مصطلح غربى، وأقصد به المدنية الحديثة بكل ما فيها، لكن هل كل ما فيها يتماشى ويتناسب مع قيمنا ومبادئنا وما نشأنا عليه.؟!
فحتى تكون متمدنا لابد أن تكون مقلدا تقليدا أعمى وناقلا ،
وهذا بدوره محو للشخصانية المفكرة.

حتى إذا ما صرنا كذلك سينظر الآخر إلينا نظرة ازدراء واحتقار، لماذا ؟! لأنه أخذ منا ما أراد، وفرض علينا ما يريد، وأخذناه بإرادتنا، لذلك تجده لا يعترف لا بك ولا بفكرك، لأنك أصبحت تابعا خانعا ذليلا له، مطية يمتطيها ويوجهها ممسكا بلجامها أنا شاء وفى أى وقت يشاء.
لأنك صرت مخمورا فى حاناته.
ومن ثم لا يعيرك انتباهه، فأنت صرت مدمن له.

نعم الاحتكار الفكرى طريق إلى الازدراء والاحتقار، ولنضرب مثالا آخر، أولئك الذين يحتكرون المنابر الإعلامية احتكارا فكريا، بمعنى يكتبون مثلا فى الصحف، ويملأون صفحاتها بفكر يعتقدون أنه فكر وسيفيد القارئ، وما هو بمفيد، (كلام ابن عم حديت ) (يحكى فى المحكي)، يكتبون من أجل التربح، من عشرات السنين وفكرهم هو هو، لا جديد ولا تجديد.

(وهذا ما أدى إلى تدهور حالة الصحافة الورقية، بجانب طبعا وجود الصحافة والإعلام الإليكتروني.)

لكن ليس ثم دماء جديدة، لا أقلام مستنيرة جديدة، لماذا يا أصحاب السمو والمعالى، لأننا لا يمكن أن نستغنى عن خبرات الكبار، ومن الذى قال وطالب بالاستغناء، كل مطالبنا مشروعة، النهوض بفكرنا، بثقافتنا، ولن يحدث ذلك إلا من خلال ضخ دماء جديدة، موهوبة.
هذه واحدة.

أما الثانية ما نجده فى بعض الصحف من احتكار للأقلام، بمعنى من يكتب عندنا صار ملكا لنا ولا يجوز له أن يكتب فى مكان آخر، لماذا؟!، تجد ردود متهافته، تلك هى عقيدتنا، أى عقيدة تقول ذلك، نعم هى عقيدة الاحتكار التى ستتحول على المدى البعيد إلى الاحتقار والإزدراء من القراء، ولسان حالهم من الممكن أن يقول، ألا يوجد غير هؤلاء كتاب، لماذا هم مفروضون علينا فرضا، ومن هنا يقلعون عن شراء الصحيفة ويذهبون يبحثون عن متنفس لهم آخر.

إن فلسفة احتكار الأفكار واحتكار المفكرين لن تفلح الآن فى هذا العصر، عصر السموات المفتوحة وعصر الانفتاح على الآخر وعصر الثورة المعلوماتية والتكنولوجية، والذكاء الاصطناعي.


وكما قلت ستتحول من الاحتكار إلى الاحتقار.
(ضعف الطالب والمطلوب).




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة