الولايات المتحدة زاهدة فى النظام الدولى الذى قادت ورشة بنائه بعد الحرب العالمية الثانية، وكانت أكثر المتربحين منه، والمنتفعين بمزاياه العديدة لها من يومها إلى الآن. وغير صائب فى تصورى أن يُختزَل الحكم السابق فى الرئيس الحالى وإدارته، أو يقتصر على ثلاث سنوات تبقت له فى البيت الأبيض. ذلك أنه لا يخفى رغبته فى الحصول على ولاية ثالثة؛ وإن تعذرت عليه فأقرب المرشحين لخلافته قد يكون نائبه جى دى فانس، أى أنها ستكون بمثابة ولاية واحدة من ثمانى أو اثنتى عشرة سنة، ما لم تحدث معجزة بعودة الديمقراطيين من غاباتهم المظلمة، وهو ما لا تتوافر إشارة دالة عليه اليوم، ولا فى المدى المنظور حتى موعد انتخابات التجديد النصفى للكونجرس خريف العام الجارى.
أتم ترامب عامه الأول فى المكتب البيضاوى. ويصعب مُجرّد التخيّل أن العالم بصدد ثلاثة أضعاف ما مر عليه منذ يناير الماضى، قبل أن تستعيد واشنطن توازنها السياسى، أو تختبر جولة ثانية من «الترامبية» مع بديل أقل وهجًا وكاريزما من مُبتدع النظرية وصاحبها بانفعاليته المعروفة ومزاجه المُقلّب. ولا أحد يُحسن قراءة الرجل إلى يومنا هذا؛ بل إنه لا يزال قادرًا على مفاجأة الجميع وإدهاشهم، وعلى إعادة تعريف الحقائق الراسخة من منظور جديد، وإجبار الآخرين على التعاطى مع أطروحاته بقدر من التبسيط الذى يُعطّل الحذر ولا يمنع القدر.
وإذ يضرب فى كل اتجاه بلا هوادة؛ فإن تيارا عريضًا من الرومانسيين وهواة التنظير ما يزال يطيب له أن يحصره فى نطاق «الانعزالية السياسية»، بينما هو فى الحقيقة يُمارس صورة فاقعة من الواقعية الكلاسيكية فى أشدّ صورها قسوة وماضوية على السواء. وإن صحّت العزلة مدخلا للتفسير؛ فإنها لا تعدو أن تكون عملية تقويض للمنظومة متعددة الأطراف القائمة على القواعد، وتجنيب لأفراد العائلة الدولية عن فضائهما الكونى الواسع، أى أنه يعزل البلدان فى القفص الأمريكى، بأكثر مما ينعزل بأمريكا أو يفرض عليها الانقطاع عن محيطها العريض.
لا شىء فى سلوكه ينُمّ عن انصراف أو انغلاق، لا فى اختطافه للرئيس الفنزويلى من فراشه، ولا فى تجديد مطالبته بانتزاع جرينلاند من الدنمارك، أو تعريتها من حُكمها الذاتى وإلحاقها نجمة جديدة فى علم الولايات المتحدة. ومن بعدها لن تكون كندا بمنأى من المصير ذاته، فضلا على طريقته فى التعاطى مع النزاعات المفتوحة عالميا، بدءًا من غزة بعد الطوفان والعدوان الإسرائيلى، مرورا بالتسويات التى يضع نفسه شريكًا فى عوائدها كما بين أرمينيا وأذربيجان، كبوديا وتايلاند، الكونغو ورواندا، وأخيرًا الحرب الروسية الأوكرانية التى تدخل عامها الخامس فى غضون أسابيع.
خلال السنة الفائتة، أصدر ما يزيد على 220 أمرًا تنفذيًّا، بما يتجاوز مجموع الأوامر الصادرة فى سنوات ولايته الأولى. تعود تلك الأداة إلى العام 1789، أى ما بعد الاستقلال بنحو ثلاث عشرة سنة، إنما بدأ ترقيمها رسميا اعتبارا من 1907. وكان يُعرف عنها أنها حالة استثنائية للتغلّب على البيروقراطية وبطء الإجراءات؛ لذا كان استخدامها يتزايد فى أوقات الأزمات. ما يعنى أن ترامب يتعامل مع المرحلة الحالية باعتبارها سياق أزمة، ويُوظّف الإجراء التنفيذى لتخطى مؤسسات الدولة وآلية صناعة القرار فى داخلها، ونقل ثِقَل الفعل السياسى والاقتصادى والأمنى أيضًا من الجهاز التشريعى، إلى البيت الأبيض مباشرة، ضاربًا عرض الحائط بالتوازنات الدقيقة التى استُقر عليها فى عمارة النظام الأمريكى.
لطالما كانت الولايات المتحدة تتجاوز مع العالم كله، بينما تنضبط فى داخلها، ويرعى قادتها قواعد اللعبة الديمقراطية. وما يحدث فيها اليوم ينُمّ عن نزعة امبراطورية لدى الرئيس، يُضمرها حينًا وينزلق إلى التصريح بها فى كثير من الأحيان؛ كأن يضع صورته مكلّلة بتاج لامع مع صفة «الملك»، وفيما يتعامل ناخبوه ومعارضوه مع المسألة باستهتار وسخرية؛ فإنه يمضى على طريق تحقيقها فعليًّا، وتثبيت معالم نظام جديد قد لا تعود بعده البلاد إلى سيرتها الأولى، سواء نجح فى البقاء، أو ارتضى أن يُستبدَل به واحد من تابعيه، أو حتى اضطُرّ إلى تسليم الراية لبديل من خلفية أخرى مُغايرة تماما.
عملية الحفر العميقة تحت أسس الدولة الأمريكية غايتها ترتيب البيت طبعًا؛ لكنها مُقدّمة للخروج على الجيران بنظام مُختَرَع ولا علاقة له بالعصر، أو أقرب إلى الرئيس الخامس جيمس مونرو وزمنه الذى تسيّدته أوروبا، وليس مُجرّد استعادة عقيدته بشأن نصف الكرة الغربى لتجديد الهيمنة على الفضاء اللاتينى من الكاريبى إلى آخر القارة الجنوبية. ولا تكتمل الصورة إلى بالنظر لها فى كُلّيتها، وتجميع عناصرها، ومدّ الخطوط فيها على استقامتها من الخاص إلى العام، وبالوصل الواعى بين الداخل والخارج على السواء.
قبل أيام وقّع ترامب على الانسحاب من نحو ستٍّ وستين منظمة دولية، نصفها تقريبًا من المؤسسات التابعة للأمم المتحدة. وقبلها تخلّى عن اليونسكو والصحة العالمية واتفاقية باريس للمناخ وغيرها. واليوم؛ يقود مسارًا لاختلاق بديل كامل الأهلية ع المنظمة الأُممية، عنوانه «مجلس السلام الدولى»، والطريق إليه تُفتَتَح بالأزمات الساخنة، وتتدرّج صعودًا إلى الاستبدال والإحلال الكاملين.
طُرِح عنوان «مجلس السلام» للمرة الأولى فى خطّته بشأن غزة، وكانت من واحد وعشرين بندًا ثم اخُتصِرت بعدها إلى عشرين فقط. جرى الإعلان عنها أواخر سبتمبر وأخذت تتدحرج بين المداولات الإعلامية والمفاوضات السياسية حتى وُقِّع اتفاق شرم الشيخ لإنهاء الحرب فى القطاع. فى نوفمبر، استُنسخت الفكرة بحذافيرها تقريبًا فى ورقة من ثمانية وعشرين نقطة، لتسوية الصراع فى أوراسيا، وقد خضعت للتكييف وإعادة التحرير لتتقلّص كثيرًا عن صورتها الأولى، ولا تزال محلّ جدل واعتراض ونقاشات مفتوحة؛ لكن أهم ما اشتملت عليه كان استدعاء المجلس بالاسم نفسه، ومن دون شرح أو إيضاح.
لاحظتُ وقتها أن تكرار المُسمّى ليس اعتباطيًّا، وأنه يُورَد على التعيين بأداة التعريف، ومن دون أى تخصيص لغزّة فى النسخة الأولى أو أوكرانيا فى الثانية. ما يعنى أنه ليس مُجرّد آلية طارئة للتعامل مع قضية بعينها، أو حتى للتناوب على قضيتين متزامنتين فى مهمّة موقوتة زمنيا؛ فكأنه يستعير حال الأزمة التى استشعرها وعمل بموجبها مع الكونجرس وبقية المرافق الأمريكية، ليتسرّب تحت غطائها من شقوق النظام الدولى، مُستحدِثًا ما لم يرد على خاطر أشد الناس تشاؤما، وساعيًا إلى تحويل العابر العارض إلى مُقيم دائم.
بحسب المُعلن حتى الآن؛ فأكثر من خمس وستين دولة تلقّت دعوات لعضوية مجلس السلام. قِيل كلام كثير عن الآجال والتكاليف، وتردّد أن أصحاب العضويات الدائمة سيُسدّدون مليار دولار فى مقابل قاعدهم، وأن ترامب يرأس المجلس ويحق له وحده أن يختار المنضمين إليه، ما يستتبع بالضرورة أن تكون له الولاية المطلقة على إبقائهم أو إبعادهم. والحديث عن أنه سيشغل المهمّة لثلاث سنوات، أى حتى آخر ولايته، ولا إشارة إلى أن الكيان الجديد سيُحَلّ وقتها أو تُعاد هيكلته بخلاف الشروط المذكورة سلفًا.
الفكرة أمريكية خالصة منذ بدايتها حتى وقت قريب، وجسمها القانونى الوحيد يتجسّد فى قرار مجلس الأمن الدولى رقم 2803 عن خطة ترامب الخاصة بغزّة، ما يقضى حُكمًا بأنه غير مُفوّض فى الأزمة الأوكرانية ولا غيرها من الأزمات، كما يُثير أسئلة منطقية عن مُخاطبة بلدان بعيدة وغير مُشتبكة مع وقائع الشرق الأوسط، بل الوصول إلى دعوة روسيا والصين، اللتين تستميت واشنطن فى تحجيمها وإبعادهما عن نطاقات نفوذها، والشرق الأوسط أوّلها، وربما قبل أمريكا اللاتينية.
يحلّ الرئيس الأمريكى اليوم على منتدى دافوس الاقتصادى فى سويسرا، يُشارك ويلقى كلمة ويعقد لقاءات ثنائية؛ لعلّ أبرزها بالنسبة لنا لقاؤه المنتظر مع الرئيس السيسى. غير أنه من المقرر أيضًا وفق المتواتر، أن يعرض ملامح مبادرته عن «مجلس السلام الدولى» وأبرز بنود وثيقتها التأسيسية، وأن يوقع الأعضاء المُختارون، أو مَن رحّبوا منهم بالانضمام حتى الآن، على الميثاق الجديد بما يشتمل عليه من نصوص مُعلنة ومخفية، أهم ما فيها بحسب المُتاح أنها «إطار دولى جديد لإدارة النزاعات».
والجديد معناه بالتبعية أن القديم لم يعُد صالحا، أو استنفذ إمكاناته والغرض من وجوده. ولا تنطبق صفة النظام أو الإطار الدولى أو القِدَم إلا على الأمم المتحدة ومرافقها؛ وهو ما يُصرّح به دون موارَبة على أنه خطوة نحو تجاوز بطء آليات العمل الحالية، والشلل المؤسسى الذى يُعطّل الاستجابة للأزمات والتحديات، ويتوالى التفسير بوضوح أكبر من واقع نسخة مُسرّبة عن الوثيقة، تُوسِّع نطاق المهمة إلى: تعزيز الاستقرار، استعادة الحُكم الرشيد، وضمان السلام فى المناطق محل النزاع أو المُهدّدة به، وكلها أدوار كان يقوم بها نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية، وما يفعله سيّد البيت الأبيض الآن لا يعدو كونه انتقالا به من الأُمَمية إلى الخصخصة.
العالم بصدد جمعية خاصة، أو أُمم متحدة على القاعدة الأمريكية لا الدولية. تستقر النسخة القائمة على أرض نيويورك؛ لكن الجديدة تتجاوز فكرة المقر إلى الملكية الكاملة. كان الأعضاء يُسدّدون مبالغ تُوازى حصصَهم من تكاليف التمويل والتشغيل؛ لكنهم سيدفعون مقابل العضوية لا الشراكة، والقانون الذى كان يحكم علاقتهم البينية ويُعزّز طاقة الغلاف الجامع ويُرشّد مخاطر انفلاته فى وقت واحد؛ سيتحوّل إلى فردانية تنبع من ذهن الرجل الذى يحلم بتنصيب نفسه رئيسًا للرؤساء، ويضع أخلاقه الشخصية معيارا حاكما فوق القانون الدولى.
لا يخترع ترامب شيئًا من العدم، ولا ينحرف فى الحقيقة عن تقاليد واشنطن وإرثها المنظور طوال العقود الماضية. كل ما فى الأمر أنه يُجاهِر بما كان يُمارَس فى الخفاء أو من وراء ستار الشعارات، ويتقدّم لتقنينه ومنحه هيكلاً ماديًّا ملموسا ومُتسلّطًا على الجميع بفائض القوّة والانفلات وارتداع الخصوم عن مُجرّد المحاولة، وليس أدلّ من موقف أوروبا المُتعثّر فى ملف جرينلاند، وغاية ما تُلوّح به أن تُفعّل آلية «عدم الإكراه» اقتصاديا، أو تُحذّر من تداعى حلف «الناتو»، مع علمها بأنها الطرف الأضعف داخله، وعاشت عقودها الماضية تحت المظلّة الأمريكية بأكبر قدر من المنافع وأقل حدّ من الأعباء.
لا شىء يكون سلبيا على الإطلاق، أو أقله فى البدايات. والإيجابية التى تأتّت من خطة البنود العشرين أنها أوقفت حرب غزّة، ودشّنت لجنة انتقالية تكنوقراطية لإدارة شؤون القطاع. يتموضع «مجلس السلام» على قمة الهرم، ودونه استُحدث «المجلس التنفيذى» ليكون أداة التخصيص بحسب الموضوع، أى أنه يُحتَمَل أن تتفرّع هيئة تنفيذية شبيهة فى أوكرانيا، أو فى أى ملف آخر، ويظل المجلس الأعلى واحدًا. وباستثناء تسوية النزاعات، لو تحققت فعلا واكتملت إلى آخرها؛ فإن ما وراء المبادرة ينطوى على أفكار تُثير الارتياب قطعًا، وحتى إن لم تُجهز على النظام الدولى القائم؛ فلن تتركه على حاله، وسيكون بعضها أضعف مما كان قبلها، مع الاتفاق على أنه موفور الضعف من الأساس.
الأغلبية يُراهنون على الاحتواء وعدم الصدام، والحقيقة أنه رهان صائب؛ إنما لا يُؤمَن أن تنتهى الخضّة الحالية بنهاية الولاية الرئاسية فى الولايات المتحدة بعد ثلاث سنوات، حتى لو كانت البدائل المطروحة من داخل التيار نفسه أقل صخبًا وقدرة على الترويع. تعود فاعلية الإدارة الحالية إلى شخص ترامب، ويمكن القول إنها موهبة خاصة أو استعداد شخصى، لا يدّعيها الرجل أو ينتحلها، لكنه يُوطّئ بها لأى خلف آت من بعده أن يتسلّم الوضع من نقطة أكثر تقدّمًا، وبما لا يحتاج معه إلى جهد مُضاعَف أو قدرات فذّة.
يحتاج العالم إلى قراءة أكثر شمولاً وجدية للسياق الراهن، وإلى أفكار عملية سريعة التجاوب مع المُستجدّات، وقادرة على حراسة ما تبقّى من أُطر النظام الدولى القائم؛ لأنه على كل ما فيه من وَهنٍ يظل أفضل الخيارات المتاحة، وبما لا يُقاس على البدائل المطروحة من جانب وشنطن فى عصرها الجديد، أو حتى ضمن دعاوى تعدّد القطبية التى تتنادَى بها قوى صاعدة من دون إقدام على تفعيلها، أو رغبة فى احتمال أعبائها. الأمم المُتّحدة شرط لازم للاستقرار آنيًّا، والمدخل الوحيد الآمن لأى انتقال مستقبلى بحسب التوازنات الطبيعية، ومن دون انفلات أو انفراد. أما السلام فإذا لم يكن جماعيا، وفاقيًّا، ودون نصر كاسح لطرفٍ أو هزيمة كاسرة لآخر؛ فقد لا يتجاوز حال الجمر المطمور تحت الرماد، أو خطر الحرب المُرجأة.