لم يكن مهرجان "بالم سبرينغز" السينمائي الدولي هذا العام مجرد محطة عابرة في تقويم المهرجانات، بل تحول إلى لحظة تاريخية تجسدت في صورة واحدة جمعت أربعة وجوه عربية، لم يأتوا كضيوف شرف، بل كصناع لسينما هزت وجدان العالم ووصلت باستحقاق إلى القائمة القصيرة لجوائز الأوسكار (Best International Feature Film).
إن وصول أربعة مخرجين عرب إلى قائمة الـ 15 الكبار هو "زلزال إبداعي" يؤكد أن القصة العربية لم تعد تُحكى بلغة الآخر، بل بصوت أصحابها الذين استطاعوا تطويع الكاميرا لتكون مرآة للحقيقة والمقاومة والوجع الإنساني.
سيدات السينما: حارسات الذاكرة والوجع
يتجلى الحضور النسائي العربي هذا العام بقوة مذهلة، حيث تقف ثلاث مخرجات في طليعة هذا الإنجاز، يقدمن سينما تتجاوز حدود الجماليات البصرية لتصبح وثيقة إنسانية:
* كوثر بن هنية (صوت هند رجب): تعود التونسية المبدعة بن هنية لتثبت أنها صوت من لا صوت لهم. في فيلمها "صوت هند رجب"، لا تقدم مجرد عمل سينمائي، بل تعيد صياغة المأساة بأسلوب يمزج بين الواقعية القاسية والشعرية السينمائية، محولةً القصة إلى صرخة عالمية تخترق جدران الأوسكار.
* آن ماري جاسر (فلسطين 36): بذكائها المعهود، تأخذنا جاسر في رحلة عبر الزمن والهوية. فيلم "فلسطين 36" ليس مجرد استعادة للتاريخ، بل هو تشريح للروح الفلسطينية الصامدة، بأسلوب إخراجي رصين يؤكد أن آن ماري تزداد نضجاً مع كل كادر تصوره.
* شيرين دعيبس (اللي باقي منك): تقدم دعيبس في هذا الفيلم تجربة بصرية ووجدانية شديدة الخصوصية. "اللي باقي منك" هو مرثية للأشياء والذكريات، وعمل يلامس الحنين بلمسة سينمائية تذيب الفوارق بين الثقافات، مما جعل النقاد العالميين ينحنون أمام صدقه.
حسن هادي: حين تصبح السخرية سلاحاً
ومن العراق، يطل المخرج حسن هادي بفيلمه "كعكة الرئيس"، ليضيف بعداً جديداً للحضور العربي. الفيلم الذي مزج بين الدراما والسخرية المبطنة، استطاع أن ينقل كواليس السلطة والبيئة العراقية بتفاصيل دقيقة وجريئة. هادي لم يصنع فيلماً سياسياً بالمعنى التقليدي، بل قدم ملحمة بشرية حول الخوف والأمل، مغلفة بلغة بصرية أبهرت لجان التحكيم.
لماذا نفخر بهذا الإنجاز؟
إن أهمية هذا الترشح لا تكمن فقط في "الجائزة" بحد ذاتها، بل في كون هؤلاء المبدعين قد كسروا الصورة النمطية للسينما العربية. نحن أمام:
1. تنوع جندري: حضور طاغٍ للمرأة المخرجة التي تقود المشهد بجدارة.
2. تنوع جغرافي: من تونس إلى فلسطين وصولاً إلى العراق، مما يعكس ثراء الهوية العربية.
3. لغة عالمية: الأفلام الأربعة نالت تقدير النقاد والمشاهدين لأنها خاطبت الإنسانية، رغم خصوصية قضاياها المحلية.
حرية التعبير عن قضايانا كان حلم وتتحقق سواء حُسمت التماثيل الذهبية لصالحهم أم لا، فإن وصول هذه الأسماء الأربعة إلى "القائمة القصيرة" هو انتصار للفن العربي وتأكيد على أننا نمتلك الأدوات، الرؤية، والقدرة على منافسة الكبار في عقر دار السينما العالمية. ومن يدري فربما يفاجئنا القدر بأكثر مما كنا نحلم وتلمس انامل عربية التمثال الذهبي .