يُعيد اكتشاف مقبرة ضخمة من العصر الحجري الحديث في عُمان، تشكيل فهم علماء الآثار للحياة الطقوسية المبكرة في جنوب الجزيرة العربية، فقد كشف بحث نُشر في مجلة "أنتيكويتي" أن مدفنًا حجريًا ضخمًا في وادي نافون كان يُستخدم لقرون خلال العصر الحجري الحديث، أي قبل ذلك بكثير مما كان يُعتقد سابقًا، وفقا لما نشره موقع" greekreporter".
تركز الدراسة، التي قادتها ألجبيتا دانيليسوفا، على مقبرة جماعية كبيرة تم بناؤها في النصف الأول من الألفية الخامسة قبل الميلاد، وتشير النتائج إلى أن مجتمعات العصر الحجري الحديث في ما يعرف الآن بسلطنة عمان مارست طقوس دفن معقدة وحافظت على روابط اجتماعية طويلة الأمد عبر مسافات واسعة.
نصب تذكاري نادر في منطقة داخلية
تأثرت منطقة جنوب الجزيرة العربية خلال العصر الحجري الحديث بتقلبات المناخ، حيث تعاقبت فترات الأمطار الغزيرة مع فترات الجفاف، مما دفع المجتمعات إلى التنقل بين الوديان الداخلية والمناطق الساحلية، تقع معظم المدافن المعروفة من تلك الفترة بالقرب من البحر، بينما تُعدّ المنشآت الطقسية الداخلية نادرة، وهذا ما يُميّز وادي نافون.
يقع القبر على مصطبة حصوية على طول طريق طبيعي يربط المناطق الداخلية بالساحل، وتحمل المنطقة طبقات من النشاط البشري تمتد لآلاف السنين، وبالقرب منها توجد مقابر من العصر الحديدي، وصفوف طويلة من الأحجار القائمة المعروفة باسم "التريليثات"، ونقوش صخرية تعود إلى العصر الحجري الحديث وحتى أوائل العصر الإسلامي.
داخل القبر الجماعي
يُعد التل الجنائزي، المُصنّف DM28.46، جزءًا من مجمع جنائزي أكبر، ويضمّ تلالًا حجرية دائرية. وقد قام علماء الآثار بالتنقيب الكامل في واحد منها فقط حتى الآن.
استخدم البناؤون ألواحًا من الحجر الجيري والدولوميت المحلي لبناء جدار دائري سميك، وفي الداخل، أنشأوا حجرة دفن يبلغ طولها حوالي ستة أمتار وشكلها بيضاوي بعض الشيء. وتشير شواهد حجرية رقيقة إلى منطقة يُرجح أنها كانت بمثابة مدخل أو مكان لإقامة الطقوس.
تم وضع أكثر من 70 فرداً داخل الحجرة على مر الزمن، تُظهر العظام ترتيباً دقيقاً. وُضعت الجماجم على طول الجدران، بينما كانت العظام الطويلة متجهة نحو المركز، وملأت البقايا الأخرى الفراغات بينها.
في أعمق مستوى، عثر علماء الآثار على هيكلين عظميين كاملين لرجلين مسنين موضوعين مقابل المدخل. ويشير موقعهما إلى أنهما ربما كانا يتمتعان بمكانة خاصة داخل المجتمع.
قرون من الاستخدام والتغيير
أظهر التأريخ بالكربون المشع أن المقبرة ظلت قيد الاستخدام لأكثر من 300 عام، وقد اضطر الباحثون إلى تصحيح تأثير الخزان البحري القوي، الناجم عن الأنظمة الغذائية الغنية بالمأكولات البحرية، والذي قد يجعل الرفات تبدو أقدم مما هي عليه في الواقع.
ومع ذلك، فإن النتائج تضع النصب التذكاري بقوة في أوائل الألفية الخامسة قبل الميلاد، مما يجعله أقدم مقبرة جماعية معروفة من نوعها في جنوب الجزيرة العربية.
دلائل من الحلي والنظام الغذائي
كانت المقتنيات الجنائزية متواضعة لكنها ذات قيمة معنوية. معظمها كان عبارة عن حليّ شخصية، شملت خرزًا من الأصداف، وخرزًا من الأحجار الكريمة، وقلائد مصنوعة من أسنان أسماك القرش. وقد عُثر على عقد كامل من الأصداف في التل الثاني.
تشير التحليلات النظائرية للأسنان والعظام إلى أن الأفراد المدفونين قدموا من مناطق مختلفة، بعضها على بُعد يصل إلى 50 كيلومترًا. وتُشير البيانات إلى تنقلات متكررة، خاصة خلال مرحلة الطفولة، وتُظهر الدراسات الغذائية مزيجًا من الأطعمة البرية والبحرية، مع دلائل على اعتماد كبير على البروتين البحري.

مقبرة من العصر الحجرى فى عمان