الحقيقة لا تكون مؤلمة إلاّ لمن استباحوا الغوص في الوهم...
ولكنّ الوهم مريح .. مألوف .. وضروري في أغلب الأحيان.. أو هكذا يرددون..
كان هذا كل ما استطاعت التفكير فيه وهي تحدّق في نسخة لوحة "الساعات الذائبة" لسلفادور دالي التي ظلّت معلقة لأكثر من عقدين من الزمن على إحدى جدران غرفة طفولتها ولا تعلم كيف انتهى بها المطاف في هذا المكان...
تبدو كشىء قد اشترته والدتها منذ زمنٍ بعيد ليس من أجل شغفها بتاريخ الفنّ السريالي بل نتيجة صفقة بخسة تمت في أحد متاجر الأثاث المستعملة ...
نظرت إلى ساعتها اليدوية ذات السوار الجلدي بنّي اللون والتي كانت المفضلة لديها ... كانت الساعة تشير إلى الحادية عشر ليلا... مازال أمامها بعض السويعات قبل الالتحاق بالطائرة ...
نظرت نحو باب الغرفة أين توجد حقيبتان جاهزتان للرحيل... حقيبتان فقط هما المسموح بهما... كلّ الكون يجب أن يّختَزَلَ في بضعة كيلوجرامات...
ما الذي يجبرُ أحدهم على ترك الحياة الوحيدة التي يعرفها وراءه ؟!... لماذا؟ ...
لماذا لا تملكُ خياراً؟
أفلتت ابتسامة ماكرة ومحبطة في نفس الوقت وكرهت كم أنها فعلاً لا تملك أي خيارٍ آخر...
تشعرُ أنها بلا بيت ولا ذكريات ولا هواءٍ في رئتيها... كلّ من كان عليهم أن يدفعوها نحو الحياة ... دفعوها في الاتّجاه الآخر وماتت...
إذا أهذا ما تبدو عليه الحقيقة؟ ... ربما... لم تعد تملك رفاهية الوقت للإجابة عن كل هذا الهراء لأن كل شيء وثقت به قام بخيانتها بكلّ وحشية... ولكن هل من الخيانة ترك كل هذا ورائها والرحيل ؟
نهضت فجأة... وكأن بقاءها دقيقة إضافية سيكسر إرادتها...
هاهي تلتقط الحقائب، تزنها بيدين مرتجفتين ... التفتت وألقت نظرة أخيرة على الغرفة ..
أغلقت الباب ببطء ..صوت القفل كان أشبه برصاصة انطلقت في صمت الليل لتقطع ما بقى بين ماضٍ لم يكتمل ومستقبلٍ مبهم...