لم يعد الحديث عن القوى الناعمة وأثرها ترفا فكريا، بل أصبحت ضرورة وجودية تمليها ضغوط الحاضر وتحديات المستقبل، فإذا كان السياق قد منحنا الريادة تاريخيا، وإدارة الأثر هي وسيلتنا لاستعادتها، فإننا اليوم بحاجة إلى خارطة طريق إجرائية تنتقل بالثقافة من فضاء النشاط الموسمي إلى قلب الأمن القومي.
تبدأ هذه الروشتة أولا بإعادة صياغة آلية عمل النخبة المثقفة؛ فالمثقف ليس موظفا في جهاز الدولة، وليس معزولا في برج عاجي، بل هو قائد رأي وصانع قيم، ولذلك تبدو الحاجة الضرورية إلى نخبة ميدانية تستعيد دورها في الاشتباك مع قضايا المجتمع، نخبة لا تكتفي بنقد الواقع بل تسهم في صياغة السياق الجديد الذي يسمح بتفجر المواهب، وتعمل كحلقة وصل بين الإبداع وبين مؤسسات الدولة، بعيدا عن صراعات الشللية أو الانكفاء على الذات.
ولتحقيق هذا الانتقال من الوعي إلى الفعل، لابد من تفعيل أربعة محاور استراتيجية تمثل مفاصل هذه الروشتة..
الأول: مجمع للصناعات الإبداعية يضمن الانتقال من مفهوم النشاط إلى مفهوم الاقتصاد الثقافي، عبر تدشين مناطق حرة توفر بيئة تشريعية تجذب رؤوس الأموال، وتحول المبدع الشاب إلى رائد أعمال ثقافي يخاطب العالم بلسان مصري.
الثاني: منصة المحتوى الرقمي السيادي التي يمكن أن تمثل مشروعا قوميا لرقمنة وإتاحة الكنز المصري عبر منصة عالمية فائقة الجودة، تضمن أن نكون نحن المصدر الأول والوحيد لمحتوانا التاريخي والمعاصر.
الثالث: ما يمكن تسميته بدبلوماسية القوة الشاملة، حيث يمكن إعادة صياغة دور المكاتب الثقافية بالخارج لتتحول إلى ما يشبه وكالات تسويق للهوية، وخلق نقاط تماس يومية مع المجتمعات الأخرى عبر برامج تبادل ذكية ومنح دراسية تجذب النوابغ ليكونوا سفراء لمصر في بلادهم.
أما الرابع فهو: إعادة بناء السياق المحلي اعتمادا على الثقافة والتعليم من خلال دمج الوعي الجمالي في صلب العملية التعليمية، ليتحول التعليم من تلقين للمعلومات إلى بناء للشخصية المصرية المعتزة بهويتها، مما يخلق قاعدة شعبية صلبة للقوة الناعمة.
أما جوهر هذه الروشتة والضمانة الحقيقية لتنفيذها، فتتمثل في ضرورة تشكيل مجموعة وزارية ثقافية، أسوة بالمجموعة الوزارية الاقتصادية، حيث إن تشتت الملف الثقافي هو ما يضعف أثره؛ لذا فإن وجود مجموعة تضم وزارات (الثقافة، التربية والتعليم، التعليم العالي، الشباب والرياضة، الأوقاف، الاتصالات، والإعلام) تحت مظلة رؤية موحدة، تهدف إلى استعادة مركزية الأثر الثقافي المصري إقليميا ودوليا، وسد الفراغات في المحيط العربي، وتحويل القوة الناعمة إلى مورد استراتيجي فاعل، كما تعمل هذه المجموعة على صياغة وتنفيذ رؤية ثقافية شاملة تضمن اتساق الخطاب الموجه للمجتمع وللخارج، وتحول الوفرة التاريخية إلى قوة استراتيجية.
إن القوى الناعمة المصرية هي الضمانة الأكثر رسوخا وفاعلية لكي لا تتحول مصر إلى مجرد رقم في معادلات السياسة، وبناء هذه القوة يبدأ بقرار سياسي يدرك أن المجموعة الثقافية هي التي ستحمي مكتسبات المجموعة الاقتصادية وتمنحها روحا وهوية خاصة.
كما أن معركة الوعي القادمة تتطلب قيادة مركزية تنهي حالة الجزر المنعزلة، وتضمن أن يعمل كل مبدع وطالب ومنبر إعلامي ضمن سيمفونية واحدة تعيد صياغة ريادة مصر في القرن الحادي والعشرين.