استكمالاً للحديث عن دولة الأيوبيين فى مصر.. بعد وفاة الملك (العادل أبو بكر) انهال الصليبيون على الشام ومصر، وخصوصًا مصر فى ثلاث حملات صليبية متتابعة أرغمت الكامل محمد أن يتنازل طواعية عن بيت المقدس للملك فريدريك الثانى سنة 625 هـ الموافق 1228م.
اختلف الأشرف موسى مع المعظم عيسى على حدود النفوذ فى الشام والجزيرة، ووقعت بينهما الكثير من المشاكل والاضطرابات كرست الفتنة وعمقت أسباب الخلاف، ومهدت لمزيد من التخبط وفتحت طريق سقوط الدولة.
وُلِّى بعد وفاة (الكامل) ملك مصر، محمد ابنه الصالح أيوب سنة 637 هـ، والذى استرد بيت المقدس ودمشق وعسقلان بعد تحالفه مع القوات الخوارزمية الهاربة من الغزو المغولي.
فى نهايات حياة الصالح أيوب هجمت الحملة الصليبية السابعة على مدينة دمياط بقيادة لويس التاسع ملك فرنسا سنة 647 هـ، فرابط الصالح أيوب بالمنصورة، وهناك أصيب بمرض شديد تفاقم عليه حتى مات، فأخفت جاريته أم خليل الملقبة بشجر الدر خبر موته وأرسلت لولده الأمير تورانشاه والذى كان بالشام آنذاك، فقاد الجيوش المصرية وحقق انتصارًا كبيرًا على الصليبيين، وأسر ملكهم لويس التاسع، لما حقق توران شاه انتصاره على الصليبيين انقلب على زوجة أبيه وباقى قادة الجيش وكانوا جميعًا من المماليك البحرية، ثم خطط للتخلص منهم وعزلهم، وبعد انقلاب تورانشاه على زوجة أبيه شجر الدر، اضطرت للتتآمر مع المماليك على قتله، فهاجموه فى ليلة 28 محرم 628هـ الموافق 2 مايو 1250م واجتمعوا عليه وقتلوه بسيوفهم ليتفرق دمه بينهم، وبعدها اتفقوا على أن يولوا عز الدين أيبك التركمانى، وقد كانت تلك الواقعة بمثابة بداية لدولة المماليك ونهاية الدولة الأيوبية.
أصبح المماليك بعد مقتل توران شاه أصحاب النفوذ، وكان من الطبيعى أن يعينوا واحدًا منهم لتبوء عرش السلطنة الشاغر، فوقع اختيارهم على شجر الدر لتولى العرش. ولكن حكم شجر الدر تعرض للانتقاد من قبل الخليفة العباسى المستعصم بالله، الذى عاب على المماليك تنصيب امرأة فى الحكم، فاقتنعت شجر الدر واقتنع المماليك معها بضرورة تغيير رأس السلطة، فتزوجت من الأمير عز الدين أيبك، وتنازلت له عن الحكم، بعد أن دام ثلاثة أشهر.
وقف الأمراء الأيوبيون فى الشام موقف العداء للنظام الجديد القائم فى مصر، وقد جرت العادة منذ أيام صلاح الدين أن يكون للسلطان فى مصر سيطرة على بقية الأمراء الأيوبيين فى الشام، لذلك أرسلت شجر الدر عقب مبايعتها الخطيب أصيل الدين محمد لأخذ البيعة لها من أمراء الشام، ظل الأمراء الأيوبيون يعتبرون أنهم أصحاب الحق الشرعى فى حكم مصر وبلاد الشام بوصفهم سلالة صلاح الدين، وأن ما جرى يعد خروجًا للسلطنة فى مصر على البيت الأيوبى، ورفضوا أن يحلفوا يمين الولاء للسلطانة الجديدة، وبذلك تكون قد خرجت بلاد الشام من قبضة شجر الدر، وانقسمت الجبهة الإسلامية بين مصر المملوكية وبلاد الشام الأيوبية.
وخلاصة القول أن أهم أسباب سقوط الدولة الأيوبية، كانت تلك التفرقات الكبيرة التى حدثت فجعلت الباب مفتوح لكل الصراعات والخلافات بينهم، إذ انشغل المسلمون فى انفسهم وصراعاتهم الخاصة على السلطة ونسوا العدو الحقيقى المتمثل فى الصليبين.
مظاهر الحضارة الأيوبية فى مصر
- شهد العصر الأيوبى ازدهارًا فى علم اللغة:
ومن أبرز من برعوا فى هذا العلم محمد بن برى، وأبو الفتح البلطى، وابن عبد المعطى الزواوى، وابن الحاجب.
أما الشعر:
فقد طغى عليه طابع الجهاد والكفاح، وأصبحت أغلب القصائد الشعرية فى جميع أنحاء الشرق العربى تشيد بالانتصارات والأعمال البطولية، ومن أشهر شعراء العصر الأيوبى الشاعر المصرى ابن سيناء صاحب كتاب دار الطرز، وابن شمس الخلافة، وكمال الدين ابن النبيه المصرى، والشاعر الصوفى عمر بن الفارض، وجمال الدين يحيى بن مطروح، وبهاء الدين زهير الذى عاش فى خدمة الملك الصالح أيوب.
- اهتم سلاطين بنى أيوب اهتماما كبيراً باقتناء الكتب التى شملت المنطق والفلسفة والهندسة والفلك والموسيقى والطب، بالإضافة إلى الكتب الدينية، فالملك المؤيد مسعود بن صلاح الدين صاحب اليمن كان مغرمًا باقتناء الكتب حتى اشتملت مكتبته على آلاف الكتب، والمكتبة التى عنى بها السلطان الكامل بالقلعة كانت فى الأصل تؤلف مكتبة القاضى الفاضل، ثم عنى بها ابنه الأشرف أحمد حتى أمر السلطان الكامل بوضع اليد عليها ونقلها إلى القلعة سنة 626 هـ الموافق 1229م، لتصبح نواة لمكتبة كبيرة ضمت ثمانية وستين ألف مجلد.