هبت رياح الربيع العربى عاتية، فخلعت فى أعقاب عام 2011 عروشا وأربكت جيوشا، ونثرت عبر الحدود بذورا خبيثة أنبتت إرهابا وخرابا متعدد الجنسيات والرايات والولاءات، سقطت البلاد فى دوامات الفوضى، وضاقت الأرض بما رحبت على من حلموا بغد أفضل، وتقاطعت السبل بمن قادتهم حسن النوايا للهتاف ضد الدول وكياناتها، فأنجبت السنوات العجاف قبل 2013 خرائط مزقتها الفتن، ومؤسسات وطنية - على امتداد بلاد العرب - أرهقتها التحديات.
كان اختبار الفوضى قاسيا على شعوب العرب، وفى مصر سقط قناع الديمقراطية سريعا عن وجه جماعة الظلام والإرهاب، لتبدأ انتفاضة شعبية هى الأوسع والأشمل ضد فاشية اتخذت من الدين ستارا، وإرهابا انتزع من صناديق الانتخاب حجة للاستبداد والاستعباد، كان اختبار الفوضى قاسيا، وأول دروسه أن الحق لا يعرف بالرجال، وإنما شعبدالفتاح السيسى، الذى حمى البلاد من الفوضى، وتقدم استجابة لإرادة شعب وحلم أُمة ليخوض انتخابات الرئاسة، ويتولى قبل 11 عاما مضت مسؤولية البلاد.
فى صباح اليوم الأول، أيقن الرئيس السيسى أن الأمن والاستقرار مفتاحا التنمية، فكان بديهيا أن تكون الحرب على الإرهاب أولوية. وفى غمار تلك الحرب، تشكلت القناعات الـ3:
- لا هزيمة لإرهاب الداخل ما لم تكن دول الجوار آمنة.
- لا دحر للتطرف ما لم يكن رعاته فى الغرب واعين بما يكفى بمخاطره.
- ولا تنمية أو استثمارات أجنبية ما لم تكن الثقة حاضرة والمصالح مشتركة.
بدأت مصر بقناعاتها الثابتة، وبقيادة رئيس لا يعرف الكلل، تمد يد أيادى العون البيضاء واضحة لمحيطها العربى والأفريقى، وترسم دون خوف خطوطها الحمراء، فى تحركات شكلت دبلوماسية فريدة قادها الرئيس ومؤسسات الدولة المصرية، لتنجح فى أن تؤتى ثمارها رغم جسامة التحديات، وكثرة ما شهدته المنطقة من نزاعات.
على مدار 11 عاما كاملة، اجتازت دبلوماسية الرئيس السيسى التحديات تلو التحديات، ففى ملف مكافحة الإرهاب، قدمت مصر - بالأفعال لا الأقوال - تجربة ملهمة للدول الغربية والولايات المتحدة، حيث كشفت السنوات بجلاء زيف الشعارات التى رفعتها جماعة الإخوان، وأسقطت الادعاء بأن الإرهاب يمكن احتواؤه أو ترويضه بالسياسة.
أكدت التجربة المصرية أن التطرف فكرة قبل أن يكون سلاحا، وأن من يتخذ من الدين ستارا للحكم لا يتردد فى استخدام العنف لهدم الدول. ومع تراكم الأدلة، وتكاثر العمليات الإرهابية العابرة للحدود، بدأت دوائر صنع القرار فى الغرب تعيد النظر فى مقاربتها، متأثرة بما طرحته مصر مبكرا من تحذيرات، فكانت التحركات الغربية ضد تنظيمات الإخوان وأذرعها الإعلامية والتمويلية انعكاسا لتحول عميق فى الفهم، أدرك أن الأمن لا يتجزأ، وأن التساهل مع الإرهاب فى دولة هو تهديد للجميع.
على الصعيد الأوروبى، تحركت الدولة، بفضل جهود الرئيس السيسي، بثبات نحو بناء شراكة استراتيجية أوسع مع دول القارة العجوز، لتنجح فى رسم شبكة مصالح متشابكة وحسابات واقعية. وفتحت القاهرة أبوابها للاستثمار الغربى، وقدمت نموذج دولة مستقرة فى إقليم مضطرب، تحترم التزاماتها، وتحمى استثمارات شركائها، وتوفر بنية تحتية وتشريعية جاذبة لرأس المال.
لم تكن الزيارات المتبادلة، والقمم الثنائية بين الرئيس السيسى وقادة الغرب، واتفاقيات التعاون مجرد صور بروتوكولية، بل رسائل سياسية واقتصادية مفادها أن مصر شريك موثوق فى الأمن والطاقة والتجارة والهجرة، ومع صعود أهمية شرق المتوسط، تحولت مصر إلى ركيزة أساسية فى أمن الطاقة الأوروبى، وممر آمن لموارد الغاز، ما عزز من مكانتها فى حسابات العواصم الأوروبية الكبرى، ورسخ قناعة أن استقرار مصر ليس شأنا محليا، بل مصلحة دولية.
أما أفريقيا، فقد عادت إليها مصر لا كضيف، بل كدولة من صلب القارة، تعرف دروبها وتفهم تحدياتها. قاد الرئيس السيسى دبلوماسية نشطة أعادت مصر إلى عمقها الأفريقى، مؤمنة بأن الأمن والتنمية وجهان لعملة واحدة، فتعزز الحضور المصرى فى ملفات السلم والأمن، وتسوية النزاعات، ودعم الدول الوطنية، إلى جانب الدفع بمشروعات تنموية وبنية تحتية عابرة للحدود. وكان تولى مصر رئاسة الاتحاد الأفريقى محطة مفصلية، أكدت قدرة القاهرة على القيادة والتوافق وبناء الجسور بين دول القارة، وترسيخ صوت أفريقيا فى المحافل الدولية.
خاضت مصر على مدار العقد الأخير من التحديات ما لا تسعه الكلمات، وأحرزت من الانتصارات خلال تلك الفترة ما لا يمكن حصره بالرصد والإيجاز، غير أن تلك اللحظة المضيئة، وزغاريد الفرح التى دوت فى قطاع غزة بعد عامين من القتل والدمار، بعد توقيع اتفاق شرم الشيخ، تظل كافية لأن تلخص، ووافية فى أن تترجم كيف استطاع الرئيس والدولة المصرية أن يدشنوا عصرا باهرا عنوانه: «دبلوماسية الأيادى البيضاء والخطوط الحمراء».
