مها عبد القادر

التجسير العكسي.. نحو استعادة الإنسانية في مواجهة العنف المجتمعي

الجمعة، 02 يناير 2026 04:16 ص


يعد العنف من أخطر الظواهر الاجتماعية التي تواجه المجتمعات، لما ينطوي عليه من تهديد مباشر لأمن الأفراد واستقرار الجماعات، ولما يخلفه من آثار ممتدة على بنية المجتمع وقيمه، وتتعدد أشكال العنف وتتنوع مظاهره، من عنف مادي مباشر إلى عنف رمزي وثقافي، كما تتباين تجلياته تبعًا لاختلاف السياقات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والفكرية التي ينشأ في إطارها، ونظرًا لتعقد هذه الظاهرة وتشابك عواملها، ويمكن فهم العنف أو التعامل معه بفاعلية من خلال قراءة شمولية تسعى إلى كشف الجذور البنيوية للعنف، ورصد تفاعلاته مع أنماط التهميش والحرمان واختلال العدالة، فضلًا عن تأثير الخطابات الثقافية والفكرية في إنتاجه أو تبريره، تمهيدًا لبناء استجابات وقائية وعلاجية أكثر إنسانية وفاعلية، قادرة على حماية المجتمع وتعزيز تماسكه.

ويتخذ العنف المجتمعي في الواقع المصري المعاصر أشكالًا متعددة ومتداخلة، تبدأ من العنف اللفظي المنتشر في المجال العام، والعنف الأسري واليومي، وتمتد إلى أنماط أكثر تعقيدًا وخفاءً من الإقصاء والتهميش الاجتماعي، وفي هذا السياق الضاغط، يبدو الحديث عن العودة إلى الإنسانية وكأنه خطاب أخلاقي منفصل عن ثقل الواقع وتعقيداته، وقد يتحول على نحو متناقض إلى جزء من الإشكال ذاته، حين يفترض أن الإنسانية قيمة قائمة لكنها غائبة مؤقتًا، تنتظر فقط من يستدعيها بالكلمات أو الممارسات، غير أن هذا الافتراض يتجاهل حقيقة مفادها أن الإنسانية ذاتها قد تراجعت في مسارات الحياة اليومية، بفعل أحداث وتراكمات طويلة من الخيبات، والاختلالات، وانكسار الثقة بين الفرد ومحيطه، ومن ثم يتجلى مفهوم التجسير العكسي كمدخل فكري وعملي أكثر التصاقًا بالواقع المصري، لأنه يعود إلى جذور العنف كما تشكلت في التجربة المعيشة للمواطن.

وتكمن ماهية التجسير العكسي في كونه مدخل تحليليًا فاعلًا لفهم ظاهرة العنف في تعقيدها وتعدد مستوياتها، حيث يقوم على التكامل الفعال بين المعرفة العلمية المنهجية، بما تحمله من أدوات تحليل ونماذج تفسيرية، وبين الخبرات العملية المتراكمة المستمدة من الواقع الاجتماعي والتربوي والمؤسسي، ويتيح هذا الدمج بناء رؤية أعمق وأكثر واقعية، قادرة على توضيح تفاعلات وديناميات العنف في سياقها الفعلي، ويشمل هذا المدخل التفسير النظري و التشخيص الأكاديمي للظاهرة، ويوظف المعرفة إلى التزام تربوي واجتماعي واعي، يهدف إلى الوقاية من العنف قبل انفجاره، عبر إعادة بناء منظومات التنشئة، وتصحيح الخطابات الثقافية والفكرية التي تشرعن العنف أو تبرّره، وترسيخ قيم الحوار، والعدالة الاجتماعية، والاعتراف المتبادل، بوصفها ركائز أساسية للسلم المجتمعي.

ويبحث التجسير العكسي في نوازع ويبدأ من حيث يتكون العنف فعلًا داخل الأسرة التي لم تتقن فنيات الحوار وإدارة الخلاف، وفي المدرسة التي استبدلت الحوار والعصف الذهني بالتلقين، وفي الشارع الذي تحول إلى ساحة توتر دائم، وفي أماكن العمل التي تنتج الإقصاء الصامت، وفي خطاب إعلامي كثيرًا ما يطبع العنف ويمنحه شرعية كما يمتد إلى تلك العلاقة الملتبسة بين الفرد والدولة، حيث يتقاطع الشعور بالواجب مع الإحساس بالتهميش والضعف، وبهذا المعنى، يتعامل التجسير العكسي مع خصوصية السياق المصري فهو نقطة البداية الضرورية لأي محاولة جادة لفهم العنف وتفكيك آلياته، ومعالجته وإعادة وصل ما انقطع بين الإنسان وذاته والمجتمع، فهو مسار يفتح أفقًا واقعيًا لاستعادة الإنسانية، كشرط فعلي لإمكانية العيش المشترك.

فالتجسير العكسي عملية دقيقة ومعقدة تتجاوز مجرد إدانة العنف أو محاولة كبحه بالقوة فبدل أن نسأل السؤال التقليدي كيف نوقف العنف؟، من خلال التجسير العكسي نسأل كيف تشكل العنف في وعي الإنسان وسلوكه؟ وما كيف أصبح العنف خيارًا ممكنًا وواقعيًا؟، فالتجسير العكسي يحمل بعدين أساسيين البعد البنائي والبعد العكسي الزمني، فهو تجسير لأنه يسعى إلى بناء جسور قوية بين أطراف النزاع، سواء بين الأفراد أنفسهم، أو بين الفرد والمجتمع والدولة، بما يدعم الثقة، وهو عكسي لأنه ينتقل من الحاضر، ويعود إلى الوراء، إلى جذور التجربة الإنسانية إلي الطفولة، واللغة، والذاكرة الجمعية، والخبرات الأولى للظلم أو الإقصاء، لإعادة قراءة مسار العنف منذ بداياته، وفهم الأسباب الرئيسة التي جعلت السلوك العدواني خيارًا متاحًا أو مفروضًا.

وكثيرًا ما يختزل العنف في صورة انحراف فردي معزول عن السياق الاجتماعي غير أن التجسير العكسي يعتبر العنف عرضًا لأزمات مركبة ومتراكمة على مدى سنوات طويلة تراكمات من الإحباط واليأس، اختلالات في توزيع الفرص، وشعور متزايد بعدم العدالة وغياب الاعتراف بالحقوق أو القيم الفردية، فالعنيف غالبًا نتاج مباشر لآليات اجتماعية وثقافية لم توفر له مساحات كافية للتعبير عن نفسه أو الأمل في المستقبل، ففي الأحياء المهمشة، وفي القرى التي تعاني من ضعف الخدمات، وفي أوساط الشباب المحرومين من فرص التعليم والعمل، يتحول الغضب المكبوت إلى سلوك عدواني، ليس لأنه خيار أخلاقي ولكنه الوسيلة الوحيدة المتاحة للتعبير عن وجوده وحقه في الاعتراف.

ويمثل الانتباه إلى اللغة أحد أهم محاور التجسير العكسي للمعرفة، فالعنف لا يبدأ بالفعل المادي المباشر وغالبًا ما يتشكل أولًا في الخطاب والكلمة، فخطاب الكراهية، والسخرية، والوصم، والتصنيفات الحادة القائمة على ثنائية (أنا أو نحن، وأنت وهم)، كلها أنماط من العنف الرمزي الذي يرسخ الإقصاء ويمهد نفسيًا وثقافيًا للعنف مادي، ومن ثم تنطلق إعادة التجسير من إعادة أنسنة اللغة وتحريرها من منطق التحريض والشيطنة، عبر ترسيخ خطاب يعترف بالتعدد والاختلاف بوصفهما ثراءً إنسانيًا، فتعليم الاختلاف، وتدريب الأفراد على تقبل النقد، واحترام حق الاعتراض، وإدارة الخلاف بالحجة والإقناع، تمثل جميعها ركائز أساسية لتفكيك البنى المنتجة للعنف.

ويعد إصلاح الخطاب واللغة خطوة وقائية أساسية في مسار التجسير العكسي للمعرفة، ومقدمة لا غنى عنها لبناء مجتمع أكثر سلمية وتماسكًا، فمن خلال إعادة بناء الوعي الجمعي على أسس إنسانية نقدية، يمكن كبح مسارات العنف في مراحلها الأولى، قبل أن تتحول من عنف رمزي في الكلمة والخطاب إلى عنف مادي في السلوك والممارسة، كما يسهم إصلاح الخطاب في تحويل الفضاء العام من ساحة للاستقطاب والتعبئة العدائية، إلى مجال مفتوح للحوار المسؤول، القائم على احترام الاختلاف، وتقبل النقد، وإدارة الخلاف بوسائل سلمية وعقلانية، وعلى هذا النحو، يصبح إصلاح اللغة وتجويد وتجميل الخطاب، ممارسة وقائية تعيد توجيه العلاقات الاجتماعية، وتدعم مناعة المجتمع، وتؤسس لثقافة تماسك وسلام مستدامين.

وينطلق التجسير العكسي للعنف المجتمعي من مطالبة واضحة بإعادة تعريف مفهوم المحاسبة ضمن أفق إنساني رحب، يقوم على تحقيق الردع والعقاب وفتح مسارات حقيقية للعودة إلى المجتمع، أيماننا  بأن الإنسان، مهما بلغت به القسوة أو الانكسار، يظل قابلًا للمراجعة والعودة، إذا ما توفرت له شروط العدالة والاعتراف وإمكانية الإصلاح، وهنا يتجلى دور الإعلام فهو إما أن يكون جسرًا للتجسير، أو جدارًا يعمق القطيعة، فعندما يضخم مشاهد العنف، أو يقدم الجناة في صورة نجوم، أو يقدم الصراع في صورة ثنائيات مبسطة من قبيل الخير والشر، فإنه يسهم، بوعي أو دون وعي، في إعادة إنتاج العنف وتدويره داخل الوعي الجمعي، أما حين ينحاز إلى خطاب مسؤول، يبرز قصص التحول، والنجاة، والمصالحة، ويكشف المسارات الإنسانية للخروج من دوائر العنف، فإنه يفتح أفقًا مختلفًا للضبط الاجتماعي، ويعيد تشكيل الوعي والحس الأخلاقي العام.

أن التجسير العكسي للمعرفة يقدم إطارًا فاعلًا لفهم ظاهرة العنف ومعالجتها من جذورها، عبر إعادة ترتيب العلاقة بين الإنسان ومحيطه الاجتماعي والثقافي، وإعادة الإنسان إلى مركز المعادلة بوصفه فاعلًا، كما يتيح هذا المدخل الكشف عن النقاط الحرجة داخل المجتمع التي تتكون عندها دوائر العنف، سواء في أنماط التنشئة، أو في الخطاب العام، أو في اختلالات المجتمعية، كما يوفّر التجسير العكسي أدوات عملية للتدخل المبكر، تقوم على الحوار، والتربية، وإعادة الاعتبار للذاكرة الجماعية، وتحويل التجارب السلبية والصدمات الاجتماعية إلى فرص للتواصل والتصالح، بدل بقائها بؤرًا كامنة لإعادة إنتاج العنف، ومن خلال ذلك يمتد الهدف لترميم العلاقات الممزقة، وإعادة بناء الروابط الاجتماعية التي تمنح المجتمع قدرته على التعايش والإنسانية.

ويسهم التجسير العكسي في إعادة تشكيل الوعي المجتمعي تجاه العنف، وتوجيه السياسات والممارسات العامة، عبر الانتقال من منطق رد الفعل الآني والمعالجة المؤقتة، إلى منطق الفعل الوقائي طويل الأمد، القائم على الفهم الشامل، والتكامل بين الفاعلين، وتحمل المسؤولية المشتركة، وهو انتقال نوعي من إدارة الأزمات بعد وقوعها إلى منع نشأتها قبل تفجرها، بما يرسخ مجتمعًا أكثر وعيًا، وأشد مناعة، وأقدر على مواجهة ظواهر العنف وتحجيم آثارها، وصون تماسكه واستقراره.

فالتعامل مع العنف، مهمة متعددة الأبعاد تشمل أدوات اجتماعية وثقافية تهدف إلى إعادة بناء الثقة بين الفرد ومحيطه، وتنمية مهارات الحوار والتعبير السلمي لديه، وتعزيز قيم التضامن، والاعتراف المتبادل، واحترام الاختلاف، وتتكامل هذه الأدوات مع الدور الأمني والقانوني، بحيث يتحول المجتمع من كونه ساحة للتهديد والعقاب، إلى فضاء للتواصل والإصلاح، ويصبح العنف خيارًا أقل جاذبية، ويحل محله أشكال أكثر إنسانية للتفاعل، وحل النزاعات بطرق سلمية وبناءة، ومن خلال هذا التكامل، يمكن إعادة صياغة العلاقات الاجتماعية، وتعزيز المناعة المجتمعية ضد الدورات المتكررة للعنف، وتمكين الأفراد من المشاركة الفاعلة في بناء مجتمع أكثر عدالة وتماسكًا واستقرارًا.

____

أستاذ أصول التربية
كلية التربية للبنات بالقاهرة - جامعة الأزهر




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة