فى كل مرحلة فاصلة من تاريخ الأمم، يبرز سؤال واحد: كيف نتقدّم؟ والتجربة الإنسانية تقول بوضوح: أن التقدّم لا يبدأ إلا من العقل، والعقل لا يُبنى إلا بالقراءة والتعلّم والثقافة.
حين تهتم المجتمعات بالكتاب، فهى فى الحقيقة تستثمر فى وعى الإنسان، وتضع أساسًا صلبًا لأى نهضة حقيقية. ونحن فى عام 2026م نعيش عالمًا سريع الإيقاع، تتزاحم فيه المعلومات، ويقل فيه التأمل والفهم العميق.
فى هذا السياق، تعود القراءة لتأخذ مكانها الطبيعى كحاجة أساسية، لا كترف ثقافى. ومن هنا تكتسب الفعاليات الثقافية الكبرى، وعلى رأسها معرِض القاهرة الدولى للكتاب، أهميتها بوصفها نقطة انطلاق جديدة لإعادة الاعتبار للمعرفة وبناء الوعى. عام 2026م ليس عامًا عاديًا، بل مرحلة مهمة فى مسار المعرفة والوعى.
نعيش زمنًا تتدفق فيه المعلومات بسرعة كبيرة، لكن الفهم الحقيقى يقل، ويحل محله التصفح السريع والانشغال الدائم.
فى هذا الواقع، تصبح القراءة فعلًا ضروريًا، وليست مجرد هواية، ويصبح التعلّم المستمر هو الطريق الوحيد لمواكبة العصر وبناء عقل واعٍ قادر على الفهم واتخاذ القرار.
القراءة هى أساس التعلّم، والتعلّم هو الأساس الحقيقى لتقدّم الأمم. لا توجد أمة نهضت بالقوة وحدها، ولا بالتكنولوجيا فقط، بل بالثقافة والعلم وبناء الإنسان. حين تقرأ الشعوب، تتكوّن لديها القدرة على التفكير، والنقد، والاختيار، وحين يغيب الوعى، يسهل توجيه الناس والتأثير عليهم دون إدراك. لذلك كانت القراءة دائمًا مؤشرًا حقيقيًا على صحة المجتمع ومستقبله.
فى هذا التوقيت المهم، ينعقد معرِض القاهرة الدولى للكتاب فى 21 يناير 2026م، ليس كحدث ثقافى عابر، بل كفرصة حقيقية لإعادة الاعتبار للقراءة والتعلّم.
المعرِض لا يقدّم كتبًا فقط، بل يقدّم مساحة مفتوحة للتفكير، والاطلاع، واكتشاف أفكار جديدة، بعيدًا عن الاستهلاك السريع للمحتوى الذى تفرضه وسائل التواصل الاجتماعى.
اليوم، لم تعد المشكلة فى الحصول على الكتاب، فالكتب متاحة ورقيًا ورقميًا، لكن التحدى الحقيقى هو:
ماذا نقرأ؟ وكيف نقرأ؟ وماذا نضيف إلى عقولنا؟ هنا تظهر أهمية معرض القاهرة للكتاب، بوصفه مكانًا يساعد القارئ على الاختيار الواعى، ويشجعه على القراءة الجادة التى تبنى العقل لا التى تملأ الوقت فقط.
المعرِض يمنح القارئ فرصة للخروج من دائرة الأفكار المكررة، والتعرّف على ثقافات وتجارب مختلفة، وهو ما تحتاجه المجتمعات كى تتقدم. فالأمم التى تنغلق على نفسها تتراجع، أما التى تفتح أبوابها للمعرفة فتتطور وتنهض.
فى عام 2026م، لم تعد القراءة ترفًا ثقافيًا، بل أصبحت ضرورة للحياة والعمل. وسوق العمل اليوم يحتاج إلى إنسان يفهم، ويتعلّم باستمرار، ويطوّر نفسه، لا إلى من يحفظ معلومات دون وعى. فمن يقرأ ويتعلّم بانتظام يمتلك ميزة حقيقية تجعله أكثر قدرة على النجاح والتأثير.
انعقاد معرِض القاهرة الدولى للكتاب فى هذا السياق يؤكد أن الثقافة لا تزال قادرة على قيادة التغيير، إذا أحسنا استثمارها. هو دعوة صريحة لإعادة ربط القراءة بالواقع، وبالتعليم، وببناء الإنسان، وجعلها جزءًا من مشروع نهضة حقيقية، لا مجرد نشاط موسمى أو مناسبة احتفالية.
عام 2026م، هو عام الوعى والفرز المعرفى، ومعرِض القاهرة الدولى للكتاب فى 21 يناير هو محطة أساسية فى هذا الطريق.
من يدخل المعرِض بعقل متفتح ورغبة فى التعلّم سيخرج مختلفًا، ومن يراه مجرد نزهة ثقافية سيغادر كما جاء. فالقراءة والتعلّم ليسا ترفًا، بل أساس تقدّم الأمم، ومن يحسن الاستثمار فيهما اليوم يضمن مكانه فى مستقبل لا يعترف إلا بالواعين.