سامح خضر

لاءات نتنياهو وطموحات ترامب: من سيحكم غزة فعلياً؟

الإثنين، 19 يناير 2026 01:14 ص


ما أن أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تشكيل "مجلس السلام العالمي" برئاسته، وعن المكتب التنفيذي التابع له برئاسة الدبلوماسي البلغاري نيكولاي ملادينوف، واللجنة الإدارية المنوط بها تسيير العمل اليومي ومتابعة كافة ملفاته في قطاع غزة -وعلى رأسها إعادة الإعمار وإدخال المساعدات الإنسانية- حتى سارعت الحكومة الإسرائيلية المتطرفة برئاسة بنيامين نتنياهو، إلى الادعاء بأن هذه الخطوة لم يجر تنسيقها مع إسرائيل بشكل مسبق.

إن المتابع للشأن السياسي الإسرائيلي يدرك تمام الإدراك أن هدف نتنياهو الأسمى حالياً هو الحفاظ على ائتلافه الحكومي حتى موعد الانتخابات البرلمانية المقبلة؛ ولو كان ذلك على حساب افتعال توترات شكلية مع الإدارة الأمريكية، أو تقديم مزيد من التنازلات التي وصلت إلى حد الانصياع التام لأقطاب الائتلاف الحكومي المتطرف عملياً وعلى رأسهم بن غفير وسموتريتش، فنتنياهو يعي أن فرص نجاحه في الانتخابات المقبلة تزداد وهو على مقعد رئيس الحكومة، وأن خروجه منها قبل الانتخابات قد يكلفه مستقبله السياسي في ظل المحاكمة الجارية حول عدد من قضايا الفساد والرشوة واستغلال النفوذ. لذا، فإن نتنياهو الذي طالما تفاخر بعمق تنسيقه الاستراتيجي مع ترامب يسارع اليوم للتنصل من العلم المسبق بالخطوة الأمريكية، ملقياً باللوم على وزير خارجيته جدعون ساعر، ومطالباً إياه بالاحتجاج لدى وزير الخارجية الأمريكي مارك روبيو، في محاولة مكشوفة للتملص من المسؤولية عما آلت إليه اتصالاته وتنسيقه مع الإدارة الأمريكية. وهي سمة أصيلة في شخصية نتنياهو؛ نسب النجاح لنفسه، وإلصاق الفشل بالآخرين.

وبعيداً عن تصريحات رئيس الحكومة الإسرائيلية حول الإعلان الأمريكي، التي يظهر من سياقها ومفرداتها أنها موجه للداخل الإسرائيلي أكثر منها للخارج؛ إذ تهدف بالأساس إلى امتصاص غضب اليمين الإسرائيلي من الخطوة الأمريكية وما تحمله من دلالات سياسية، لاسيما المشاركة الفعلية لتركيا وقطر في تركيبة مجلس السلام العالمي. وهي الخطوة التي تنسف تماماً وعود نتنياهو و"لاءاته"، ومخالفة لحالة التعبئة الشعبوية التي مارستها الحكومة الإسرائيلية ضد الدولتين طوال الفترة الماضية.


وعلى الرغم من التحفظات الإسرائيلية المعلنة حيال تشكيلة المجلس، يبقى السؤال القائم: هل تنجح الولايات المتحدة فعلياً في تثبيته مرجعية سياسية تعالج ملف غزة في ظل التسويف الإسرائيلي المتعمد؟ بالنظر إلى سيكولوجية الرئيس ترامب، فإنه لا يقدم على خطوة بهذا الحجم إلا بعد ضمان عوامل نجاحها، ولو بحدها الأدنى، وهي المسألة التي يدركها نتنياهو جيداً، ولن يخاطر بعلاقته مع ترامب بسببها في ظل حاجته لدعم ترامب العلني لكسب المزيد من الشرعية السياسية الداخلية في مشهد سياسي مرتبك، وملفات فساد ساخنة تلاحقه. ولعل الردود الأمريكية الفورية التي أكدت على علم إسرائيل المسبق بالخطوة الأمريكية، ومشاركتها الأصيلة في ترتيباتها، تحمل رسائل حازمة لا تقبل التأويل؛ مفادها أن ملف غزة أصبح الآن في عهدة البيت الأبيض، وأن على نتنياهو الاهتمام بملف التهديد الإيراني. ويمثل هذا الموقف تكذيباً غير رسمي وتحذيراً مبطناً لنتنياهو من مغبة عرقلة الجهود الأمريكية في هذا المسار، الذي يبدو جزءاً أساسياً من استراتيجية أمريكية أوسع لمنطقة الشرق الأوسط، تهدف إلى إعادة ترتيب علاقات التحالف الإقليمية لمواجهة الصعود الصيني المتسارع في المنطقة.

وفي خضم هذه التجاذبات بين الإدارة الأمريكية وإسرائيل، يبرز الدور المصري كقاعدة عمل أساسية ومرجعية سياسية للمرحلة الثانية، إذ تدرك إدارة الرئيس ترامب أن ثقل القاهرة يتجاوز حدود الوساطة التقليدية، بل يقر بها قوة إقليمية ضامنة لمستقبل العملية السياسية، مستندة في ذلك إلى ما تحظى به مصر من ثقة واحترام واجماع لدى مختلف المكونات السياسية للمشهد الفلسطيني على اختلاف مشاربهم الفكرية والسياسية. إن مصر هي الطرف الوحيد القادر على ضبط الأداء الأمني على المستويين المؤسسي والفصائلي، بما يضمن تنفيذ خطة الرئيس ترامب التي تفضي إلى بدء مسار سياسي يقود إلى انهاء الاحتلال الإسرائيلي وقيام دولة فلسطينية مستقلة. ولعل رسالة الرئيس دونالد ترامب إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السياسي تعد خير إقرار بجدوى الرؤية المصرية ونجاحها في فرض ثوابتها المتمثلة في منع التهجير وضمان وحدة الأراضي الفلسطينية بين غزة والضفة. كما تشير الرسالة إلى عمق التنسيق «المصري-الأمريكي» والذي يهدف إلى تحويل قطاع غزة من عبء أمني إلى منطقة استقرار تديرها كفاءات وطنية فلسطينية تحظى بدعم دولي، وهو ما يضع حكومة نتنياهو أمام خيارين أحلاهما مر: الانخراط في المسار الذي ترسمه القاهرة وواشنطن، أو العزلة الدولية التامة.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة