-الاقتصاد ليس ساحة للمزايدات الأخلاقية بل مجال لاتخاذ قرارات صعبة بأدوات علمية.. والسؤال: هل نخاف من الفكرة.. هل لدينا بدائل أفضل منها وهل نمتلك الشجاعة لمناقشتها علنا؟
- الخطر الحقيقى على المجتمع ليس فى الفكرة الصادمة بحد ذاتها بل الخطر الأكبر هو الاستسلام للحراك التقليدى البطىء
- الخلط بين الدين المتراكم تاريخيا وبين الإنفاق الاستثمارى فى مرحلة بعينها هو خلط يظلم التحليل الاقتصادى
- اليوم السابع تطلق نقاشا مفتوحا حول أزمة الدين العام من أجل مستقبل الاقتصاد المصرى
حين يطرح مفكر اقتصادى كبير فكرة غير تقليدية فى لحظة أزمة كبيرة، فإن الاختبار الحقيقى للمجتمع لا يكون فى الاتفاق أو الاختلاف معها، بل فى الطريقة التى نناقش بها هذه الفكرة، وما جرى مع فكرة حسن هيكل حول ما سمى بالمقايضة الكبرى لم يكن فى جوهره نقاشا اقتصاديا بقدر ما كان فى كثير من لحظاته سجالا عاطفيا اختلط فيه النقد المشروع بمنطق التخوين والاختلاف الفكرى بالشك فى النوايا، بينما تحركت عجلة السخرية الساذجة على السوشيال ميديا، لتحول فكرة خارج الصندوق إلى مسرح كوميديا سوداء دون تقديم وعى حقيقى للمجتمع أو نقاش هادئ ينفع الناس ويمكث فى الأرض.

القضية هنا لا تتعلق بحسن هيكل كشخص ولا بمدى صحة أو خطأ تفاصيل طرحه، فهذا الترجيح يخص الاقتصاديين الكبار وصناع القرار الاقتصادى فى البلد، وأنا شخصيا لا أنظر إلى موضوع المقايضة باعتباره صوابا أو خطأ، ولكننى أنظر لكل ما قاله حسن هيكل باعتباره قفزة كبيرة فوق الحلول التقليدية، وكلمة سر سحرية يمكن أن تحفز مؤسساتنا الاقتصادية وعقولنا المالية للبحث عن حلول أعظم لمشكلة الديون، إننى أقف هنا أمام سؤال أعمق وأخطر وهو: لماذا نخاف من الاستماع إلى أفكار جديدة فى لحظة أزمة، ولماذا نميل إلى الهجوم على صاحب الفكرة بدلا من تفكيك الفكرة نفسها ومناقشتها بلغة عقلية هادئة؟.. فالمجتمعات التى تنجح فى عبور الأزمات الكبرى هى تلك التى تفتح مساحات الحوار لا تلك التى تغلقها بدعوى حماية الثوابت أو بالانجراف نحو هاوية التسفيه والسخرية من فكرة حتى لو كانت فى نظر البعض فكرة متهورة وغير مضمونة النتائج.

الخطر الحقيقى على المجتمع ليس فى الفكرة الصادمة بحد ذاتها، بل الخطر الأكبر هو غياب الأفكار تماما والاستسلام للحراك التقليدى البطىء، فالاقتصاد مثل الجسد حين يدخل مرحلة مرض مزمن لا يعود مجديا التعامل معه بالمسكنات اليومية، بل يحتاج إلى تشخيص جذرى وجرأة فى طرح بدائل غير تقليدية، من هذه الزاوية تحديدا يمكن قراءة فكرة المقايضة الكبرى بعيدا عن ردود الفعل الانفعالية وبعيدا أيضا عن ثنائية التأييد أو الرفض بسذاجة وبلا نقاش.
الجدل الذى صاحب الفكرة انصرف سريعا إلى تفاصيل جزئية مثل قناة السويس أو فكرة وضع أصول سيادية فى إطار مالى مختلف، بينما غابت القضية الأهم وهى أن مصر تواجه أزمة دين عام متراكمة ومعقدة لا تخص نظاما بعينه ولا رئيسا بعينه، بل هى نتاج تاريخ طويل من تراكم الفوائد على الديون وتعاقب سياسات اقتصادية مختلفة بعضها نجح جزئيا وبعضها أخفق، لكن محصلتها النهائية كانت تضخم عبء الدين عبر الزمن.

أزمة ديون متراكمة عبر التاريخ لا عبر نظام واحد
من المهم هنا التفريق بوضوح بين جوهر أزمة الدين الحالية وبين المشروعات الاستثمارية الكبرى التى نفذت خلال السنوات الأخيرة، الدين فى مصر لم ينشأ فجأة ولم يتكون بسبب مشروع بعينه، بل هو دين متراكم تاريخيا تضخم بفعل فوائد مركبة عبر عقود طويلة حتى أصبح عبئا هيكليا على الموازنة العامة.
الإنصاف يقتضى القول إن النظام المصرى الحالى بقيادة الرئيس عبدالفتاح السيسى، لم يكن مسؤولا عن نشأة هذه الأزمة بحجمها الكبير، بل على العكس فإن كثيرا من المشروعات التى نفذت خلال هذه المرحلة مثل العاصمة الإدارية الجديدة ومشروعات المدن الجديدة والمونوريل والمترو وشبكات الطرق والبنية التحتية هى مشروعات استثمارية إنتاجية بمعايير الاقتصاد الحديث، تهدف إلى خلق أصول ونشاط اقتصادى طويل الأجل ولا تمثل فى ذاتها جوهر أزمة الدين الحالية.

الخلط بين الدين المتراكم تاريخيا وبين الإنفاق الاستثمارى فى مرحلة بعينها هو خلط يظلم التحليل الاقتصادى ويشوه النقاش العام، خدمة الدين اليوم تستنزف الموازنة ليس بسبب مشروع واحد أو سياسة واحدة، بل بسبب تراكم طويل من الديون وفوائدها، وهو ما يجعل البحث عن حلول غير تقليدية أمرا مشروعا بل وضروريا.
جوهر الفكرة لا عنوانها
المقايضة الكبرى ليست بالضرورة خطة جاهزة للتنفيذ وليست مشروعا تفصيليا بقدر ما هى إطار ذهنى جديد يدعو إلى إعادة التفكير فى كيفية إدارة أزمة الدين السيادى، الفكرة فى جوهرها تقول إن الاستمرار فى المسار التقليدى وحده قد لا يكون كافيا، وإنه لا بد من التفكير فى أدوات مختلفة سواء عبر إعادة هيكلة أو صيغ تمويل مبتكرة أو شراكات طويلة الأجل ضمن إطار سيادى صارم يحمى الملكية العامة.
التركيز على مثال واحد داخل الطرح مثل قناة السويس أدى إلى إغفال السؤال الحقيقى: ما البدائل الواقعية المتاحة لدولة تواجه عبئا ثقيلا من الديون فى عالم اقتصادى مضطرب؟ الإجابة عن هذا السؤال لا تكون بالرفض الغريزى بل بالنقاش والتحليل والمقارنة.
الخوف مشروع لكن الصمت أخطر
من الطبيعى أن تثير مثل هذه الأفكار مخاوف شعبية، التجارب التاريخية علمتنا أن سوء الإدارة قد يؤدى إلى نتائج كارثية، لكن تحويل الخوف إلى حاجز يمنع التفكير هو خطر أكبر من الفكرة ذاتها، الدول التى خرجت من أزمات ديون خانقة لم تفعل ذلك بالشعارات بل بالجرأة المحسوبة والحوكمة الصارمة والنقاش المجتمعى الواسع.

الاقتصاد ليس ساحة للمزايدات الأخلاقية، بل مجال لاتخاذ قرارات صعبة بأدوات علمية.. السؤال: هل نخاف من الفكرة، بل هل لدينا بدائل أفضل منها، وهل نمتلك الشجاعة لمناقشتها علنا؟
دعوة إلى نقاش وطنى وبرلمانى مفتوح
من هنا فإن الحاجة اليوم ليست إلى محاكمة الأفكار ولا إلى تخوين أصحابها، بل إلى فتح نقاش وطنى حقيقى يبدأ من البرلمان بوصفه ساحة النقاش التشريعى والسياسى ويمتد إلى الخبراء والجامعات والإعلام والمجتمع.

وفى هذا الإطار تعلن «اليوم السابع» عن بدء نقاش واسع حول أزمة الدين العام، ليس للدفاع عن طرح بعينه ولا للترويج لفكرة بعينها، بل لفتح الباب أمام كل من يملك رؤية جادة أو فكرة كبيرة أو طرحا مبتكرا يسهم فى التفكير فى حل أزمة الدين المصرية، النقاش مفتوح والمسؤولية مشتركة والاقتصاد الوطنى أكبر من أى شخص وأوسع من أى فكرة واحدة.

قد لا تكون المقايضة الكبرى هى الحل، لكنها بالتأكيد إشارة إلى أن الحل لن يكون تقليديا والأخطر من أى فكرة جريئة هو أن نتوقف عن التفكير.
دعوا ألف زهرة تتفتح بالأفكار الجديدة بدلا من أن ندفن رؤوسنا فى الرمال، حتى تضيع من بين أيدينا كل الفرص والحلول.

