"يقولون إن النجاح قد يغير العناوين، لكنه أبداً لا يملك محو 'الجذور'.. وفي الوقت الذي ينشغل فيه الجميع بالسؤال عن صوت مصر شيرين عبد الوهاب، وأين توارت خلف أسوار غيابها وتعدد الروايات حول عزلتها، قررنا خوض رحلة بحث بشكل مختلف، ذهبنا إلى المكان الذي كنا على يقين أنها لا تزال تسكنه بروحها وإن هجرته بجسدها؛ ذهبنا إلى منشية ناصر، لنقتفي أثر خطواتها الأولى، حيث عاشت فيها مرحلة البراءة في حياتها بجانب منطقة القلعة التي كانت تتردد عليها كثيرا حيث يعيش خالها وجدتها، فكانت تجد دفء العشرة مع أصدقاء الطفولة والأهل، وفي القلعة تجد حنان الجدة والخال، ولهذا تركت المنطقتان أعمق الأثر في شخصيتها.
الوصول إلى بيت شيرين القديم لم يكن مجرد جولة عابرة، بل كان اختباراً للذاكرة والقدرة على احتمال الفراق، وكان لزاماً علينا أن نتسلق سلالم العمر الشاهقة، ونخترق شوارع يختلط فيها ضجيج الورش بآهات الست وحليم والأغانى الشعبي، وصوت صراخ 'عيال الحارة.
وعندما تصلّ لوجهتك بين منحدرات جبل المقطم وفي قلب هذا الزحام الخانق، تدرك حجم المعجزة التي حققتها شيرين عبد الوهاب التى لم تكن يوماً مجرد طفلة تلهو في الأزقة، بل كانت حنجرة تختزن شجن البيوت المتلاصقة، وصبر أهلها الكادحين، في هذا الزحام ولدت حكاية بنت مصرية تشبهنا جميعاً.
توغلنا في عمق الحواري التي شهدت ميلاد الحلم، وجلسنا فوق عتبات البيوت مع من تقاسموا معها 'الخبز والملح' في سنوات العوز الصادقة، رفاق دربٍ لم تستطع السنوات محو ملامح ذكرياتهم معها.
ليكشفوا لنا حكاية بنت مصرية تشبهنا جميعاً ، كانت تملأ الدنيا بهجة بصوتها قبل أن تعرف الأضواء طريقها إليها.
'شيرين' مكنتش بنت عادية.. كانت "بنت بـ 100 راجل"..
هكذا وصفها الجار ورفيق الطفولة "إبراهيم سليمان" مسترجعاً ذكرياتهم بوجه حزين وعيون تملؤها الدموع قائلاً: "عرفنا بعضنا منذ سن السابعة، كبرنا معاً حتى المراهقة، كانت مدرستها بجوار مدرستي، نخرج ونعود معاً، ونقف بجانب بعضنا في كل شيء".
ويضيف إبراهيم بتأثر: "شيرين كانت تعشق أجواء رمضان، تجلس لتشجعنا ونحن نلعب كرة القدم في الشارع، كانت تشع بهجة ومحبة للجميع، وقلبها لم يعرف يوماً الكِبر".
"أم سيد".. مدربة شيرين الأولى
وخلف الستار، هناك جنود مجهولون في حياة النجمة شيرين عبدالوهاب، والذي كشف عنهم عم سيد، الذي يعتبر نفسه "الأب الروحي" لشيرين، سراً عن بداياتها: "حين كانت والدتها (كريمة) تذهب لعملها، وتترك شيرين تأتي لبيت والدتي، وتجلس لتدندن معها، لأن أمي كان صوتها جميلاً، فكانت هي مدربتها الأولى التي تشجعها وتدرب حنجرتها الصغيرة على أصول الغناء".
ويستطرد عم سيد والدموع في عينيه: "رأيتها تكبر أمام عيني، حضرتُ أولى حفلاتها وتابعت خطواتها خطوة بخطوة. شيرين لم تصل للقمة صدفة، بل بالكدح والشقاء".
"شيماء عكاشة".. دولاب واحد وحلم واحد
أما شيماء عكاشة، الصديقة المقربة ورفيقة العمر، فتصف الرابط الذي جمعهما بأنه "رابط أقوى من أي شيء "، "كنا ثلاثة (أنا وشيرين ومنار) كأننا روح واحدة، لا أتذكر ثيابي من ثيابها ولا دولابي من دولابها، بيوتنا كانت مفتوحة لبعضنا البعض".
تحكي شيماء عن الطفلة شيرين قائلة: "كانت أيقونة جمال بالنسبة لنا، بشرتها وشعرها الجميل لم يحتاجا لأي أدوات تجميل، كانت تعشق الموضة، تشتري الثياب الجديدة وتطلب مني تصويرها، وكأنها كانت تتمرن على الوقوف أمام كاميرات العالم. كانت تذاكر معنا ثم تفصلنا عن جو المذاكرة بغنائها لوردة وأنغام، فنشعر أننا أمام نجمة كبيرة قبل أن يعرفها الجمهور".
"المصبوبة" ورائحة الفرن البلدي
ولأن الارتباط بالأرض يظهر في "لقمة العيش" تحكي زمزم سليمان جارة شيرين عن ذكريات "الأكل" التي كانت تصنعه بيدها لها وكانت تعشقه فتقول: "شيرين كانت بتموت في (المصبوبة) والبسلة بالأرز، واللحمة بالبصل والعيش التى كانت تصنعه بيدها في الفرن البلدي، مضيفة كانت تأكل معنا وتجلس معنا بالساعات.
وتستكمل زمزم حديثها بنداءً مؤثراً: "تعالي يا شيرين وسأصنع لكِ المصبوبة التي تحبينها، والأرز والبسلة"
"سر الشوربة".. ضريبة النجاح المبكر
تكشف صديقة العمر شيماء عكاشة عن واحدة من أصعب الفترات التي تلت الانطلاقة الكبرى بـ "آه يا ليل": "بعد الشهرة الساحقة، لم تعد شيرين هي التي نعرفها جسدياً، فأصابتها أزمة صحية غامضة جعلتها ترفض الطعام تماماً لمدة 4 أشهر".
وتضيف شيماء بتفاصيل تروى لأول مرة: "ذهبت لزيارتها في شقتها الجديدة، وصدمتُ حين وجدتها تعيش فقط على الماء والشوربة، وهذا يفسر لماذا ظهرت في فيلم (ميدو مشاكل) بنحافة ملحوظة جداً.
ولم يكن هناك تفسير طبي سوى أنها ضريبة نفسية، أو ربما (حسد) نال من قوتها بعد أن أصبحت حديث مصر"، وتشير شيماء إلى أن المنتج نصر محروس والموزع أمير محروس كانا شاهدين على تلك المعاناة الجسدية القاسية.
"رفقاء المعهد".. أحلام "محمد محيي"
في معهد الموسيقى العربية، حيث درست شيرين مع احد جيرانها وهو محمد دقدق، ليكشف لنا تلك الكواليس: "كنا شباباً نحلم بالمستقبل، كانت شيرين تعشق صوت محمد محيي وتدندن دائماً (أعاتبك)، بينما كنت أنا من عشاق محمد فؤاد. كانت مجتهدة بشكل غير عادي، تدرس وتعمل وتسعى خلف حلمها بطموح لا يحده سقف".
وعن وفائها الاستثنائي، تحكي شيماء: "حين طرحت شيرين أول شريط كاسيت لها، لم تنتظر مبيعات السوق، بل أرسلت لنا نحن أصدقاءها وأهل منطقتها النسخ الأولى قبل الجميع، وكانت دائماً التواصل معهم في بداياتها وفي حفلاتها الأولي كانت حريصة على حضور المقربين منها ليقفوا بجوارها.
لغز "حلق الشعر" والابتعاد عن "حضن الأم"
لكن لم يدم الود طويلا، فتقول شيماء والدموع في عينيها: "شيرين لم تبتعد عني فقط، بل ابتعدت عن أختها سكرة، وأخيها محمد، والأكثر غرابة أنها ابتعدت عن أمها (الحاجة كريمة) التي كانت تمثل لها كل شيء في الحياة".
وتعلق شيماء على مشهد "حلق الشعر" الشهير: "نحن نعرف ماذا يعني الشعر لشيرين، كانت تفتخر به جداً، لذا كان المشهد صرخة وجع لم نفهمها. أنا واثقة أن هناك قوة ما أو حالة نفسية مسيطرة عليها هي التي دفعتها لكل ذلك، فشيرين (الجدعنة والرجولة) لا يمكن أن تفعل ذلك بمزاجها".
"خدني الحنين".. نداء أخير
في ختام جولتنا، وقف محمد دقدق في أحد الأماكن التي شهدت بداياتهم، وبصوت يملؤه الشجن غنى لها أغنية محمد فؤاد: "خدني الحنين بعد السنين.. جابني هنا.. هنا في المكان اللي اتولد فيه حلمنا".
أما عم سيد، "الأب الذي لم تنجبه"، فلم يتمالك نفسه من البكاء وهو يوجه رسالته للكاميرا: "بحبك يا شيرين من قلبي.. ربنا يشفيكِ ويخفف عنكِ ويعوضك في أولادك، نحن هنا لا نزال ننتظر البنت التي كانت تملأ الحارة فرحة".
انتهت رحلتنا.. لكن لن تنتهى شيرين عبدالوهاب
انتهت رحلتنا في منشية ناصر، لكن أثر شيرين لم ينتهِ، غادرنا الأزقة الضيقة ونحن نحمل يقيناً واحداً أن شيرين عبد الوهاب ليست مجرد مطربة، بل هي "أمانة" في أعناق هؤلاء البسطاء الذين لا يزالون يذكرون طعم أكلها معهم، وضحكتها وسطهم، ودعواتهم لها بأن تعود "صوت مصر" القوي كما كانت دائماً.
غادرنا منشية ناصر، ولم نجد شيرين بجسدها، لكننا وجدناها في دعوات "أم سعيد"، وفي دموع "عم سيد"، وفي حنين رفاق المعهد.. وجدنا أن شيرين "الحقيقية" لا تزال هناك فوق تلك السلالم العالية، تنتظر فقط من يعيدها إلى نفسها.
من أمام منزل شيرين عبدالوهاب
أطفال منطقة شيرين عبدالوهاب مع هبة الشافعي صحفية اليوم السابع
منشية ناصر
حى منشأة ناصرمنطقة شيرين عبدالوهاب
حى منشأة ناصرمنطقة شيرين عبدالوهاب
حى منشأة ناصرمنطقة شيرين عبدالوهاب
حى منشأة ناصرمنطقة شيرين عبدالوهاب