سامح قاسم يكتب: "حائكات الأزل" رواية بسمة الخطيب.. أثر تصنعه الأصابع على مهل

الأحد، 18 يناير 2026 05:23 م
سامح قاسم يكتب: "حائكات الأزل" رواية بسمة الخطيب.. أثر تصنعه الأصابع على مهل غلاف رواية حائكات الأزل

"آمنّا بأنّ الحكاية تُنقذ وتفتدى وتُصلح ما فسد.. أمّا قبل ذلك، وهو تاريخ طويل مسكوت عنه، فقد مُنِعنا من الحكي، وأُنهِكنا بالعمل." منذ هذه العبارة الأولى، تضع الكاتبة بسمة الخطيب قارئ روايتها "حائكات الأزل" الصادرة عن دار الآداب أمام سؤال يتعلّق بمعنى الحكى ذاته، وبالعلاقة بين الصوت والنجاة، وبين العمل والمعنى. الرواية لا تبدأ بسرد واقعة، ولا تمهّد بحبكة تقليديّة، وتدخل مباشرة إلى منطقة تأسيسيّة من الوعى الإنسانيّ، حيث يصبح الكلام فعلاً مؤجّلاً، ويغدو الصمت المفروض تاريخاً طويلاً من الإنهاك والعمل الجسدى الذى حمل عبء البقاء. هنا، لا يُقدَّم المنع بوصفه حادثة عابرة، ويُطرح كشرط تاريخى شكّل مسار الحياة، وأعاد ترتيب وسائل التعبير، وفرض على النساء أن يجدن لغة بديلة تُنقذ ذواتهنّ من التلاشي.

فى هذا الأفق، تتشكّل الحياكة كفعل سابق على الحكاية المنطوقة، وكطريقة للقبض على الزمن حين يعجز اللسان عن تسميته. الخيط الذى يمرّ بين الأصابع يتحوّل إلى أثر، وإلى علامة، وإلى ذاكرة مادّيّة تُقاوم الفناء. كلّ غرزة تصبح محاولة لترميم العالم، وكلّ نسيج يتحوّل إلى مساحة آمنة تُخزَّن فيها التجربة الإنسانيّة بما تحمله من خوف ورجاء وأشواق وفقد. الحياكة هنا، تغدو شكلاً من أشكال الوعى بالحياة، وطريقة لفهم الاستمرار فى عالم لا يمنح ضماناته بسهولة.


الرواية، منذ بدايتها، تُعيد طرح سؤال الزمن. الزمن لا يظهر بوصفه تعاقباً للأيّام والسنين، ويظهر كامتداد كثيف، يُحدد بما يُنجز الجسد، وبما يتراكم فى الذاكرة عبر العمل المتواصل. الأزل فى العنوان لا يحيل إلى مفهوم مجرّد، ويشير إلى زمن معيش، حاضر فى كلّ حركة يد، وفى كلّ أثر تُخلّفه النساء وهنّ ينسجن حياتهنّ على مهل. بهذا المعنى، يصبح الماضى حيّاً، ويغدو الحاضر امتداداً له، ويخرج المستقبل من رحم ما حُفظ ولم يُهمل.


"حائكات الأزل" لا تطلب من القارئ التعاطف، وتدعوه إلى المشاركة فى فعل التدبر. القراءة تتحوّل إلى اختبار للانتباه، وإلى تمرين على التوقف أمام ما اعتاد الذهن تجاوزه. إنّها قراءة تُعيد الاعتبار لما هو بطيء، ولما هو متراكم، ولما يصنع المعنى بعيداً عن الضوء. من هنا، لا تُقرأ الرواية باعتبارها حكاية عن نساء فقط، وتُقرأ بوصفها مساءلة عميقة لمعنى أن يكون الإنسان شاهداً على حياته، وأن يجد فى العمل اليومى الطويل طريقة لحماية ذاته من الانمحاء.


تضع الرواية فعل الحياكة فى مركز عالمها السرديّ، لا باعتباره مهنة تُمارَس على هامش الحياة، ولكن بوصفه شكلاً من أشكال المعرفة التى تتكوّن عبر الزمن الطويل، وتنتقل من امرأة إلى أخرى كما ينتقل الإرث غير المكتوب. منذ الصفحات الأولى، يتّضح أنّ الحياكة ليست فعلاً معزولاً عن السياق الإنسانى العام، وإنّما ممارسة تشكّلت تحت ضغط الحاجة، واستقرّت مع الوقت كطريقة لفهم العالم، وترتيب الفوضى، وحماية ما نقدر على حمايته.


تقول الرواية: " كنّا نحُوك رداءً تناقلناه عبر الأزمنة والأمكنة، لنحفظ بين قُطَبه وتخاريمه أحلامنا وحِيلَنا وحكاياتنا ". فى هذا المقطع، يتجلّى بوضوح المعنى المركزى للحياكة فى النصّ. الرداء ليس قطعة قماش تُنجز لغرض واحد، وإنّما مساحة تخزين واسعة للتجربة الإنسانيّة. الأحلام، والحِيَل، والحكايات تتجاور داخل النسيج، كما تتجاور الخيوط المختلفة فى القطعة الواحدة. ما لا نقوله بالكلمات يجد مكانه هنا، محفوظاً فى ترتيب الغرز، وفى اختيار الألوان، وفى دقّة العمل.

غلاف الرواية
غلاف الرواية


تسرد الرواية مسار تعلّم الحياكة بوصفه مساراً حياتيّاً متدرّجاً، لا يُختزل فى مهارة تقنيّة. تقول فى أحد مواضعها: "لا نُولد حائكات. يجب أن نكون محوّشات ثمّ مزارعات ثمّ راعيات.. وبعد الغزل تبدأ الحياكة".


هذا التدرّج يكشف أنّ المعرفة لا تأتى دفعة واحدة، وأنّ الجسد يتعلّم قبل اليد، وأنّ التجربة تسبق الإتقان. الحياكة هنا نتيجة لمسار طويل من العمل والتعلّم والملاحظة، ومساحة يلتقى فيها ما هو يومى بما هو عميق.


فى عالم الرواية، تتشكّل الحياكة أيضاً كوسيلة للحفظ من التلاشي. كلّ قطعة تُنجز تحمل أثراً من صاحبتها، وتتحوّل إلى علامة على مرورها فى الزمن. تقول الرواية: "كنّا نترك أثرنا فى القماش، لأنّ الأثر وحده يعرف كيف يبقى".


هذا الأثر لا يُحدد بالقيمة الماديّة، ويُحدد بالقدرة على الاستمرار، وعلى نقل التجربة إلى من تأتى بعد ذلك. القماش يصبح ذاكرة ملموسة، قابلة للمسّ، وقادرة على عبور الأزمنة من دون أن تفقد معناها.


كما تمنح الرواية الحياكة بعداً أخلاقيّاً واضحاً. الإتقان، والصبر، والانتباه للتفاصيل تتحوّل إلى قيم تحكم علاقة النساء بالعالم. غرزة واحدة فى غير موضعها قد تُفسد العمل كلّه، كما تشير الرواية فى موضع آخر، وهذا الإدراك ينعكس على طريقة النظر إلى الحياة نفسها. العناية بالتفاصيل تصبح شكلاً من أشكال المسؤولية، والعمل المتقن يصبح دفاعاً عن التماسك فى عالم كثير الانكسار.


ومن خلال هذا الفعل المتكرّر، تُنشئ النساء شبكة غير مرئيّة من التواصل. ما تتعلّمه واحدة لا يبقى حبيسها، وينتقل عبر المراقبة، والمشاركة، والعمل المشترك. تقول الرواية: "ما تعلّمته يد، لا يضيع ما دامت هناك يد أخرى مستعدّة للتعلّم". بهذا المعنى، تتجاوز الحياكة حدود الفرد، وتتحوّل إلى فعل جماعيّ، يُسهم فى بناء استمراريّة لا تعتمد على شخص واحد، وتعتمد على التشارك.


تتجلّى الحياكة بوصفها عصب الرواية، وبوصفها اللغة التى اختارتها النساء حين ضاقت اللغة الأخرى. إنّها معرفة تُنسج بالفعل، وتُختبر بالزمن، وتبقى قادرة على العبور من جيل إلى جيل، حاملة معها الحكاية كاملة، بخيوطها الظاهرة والمخفية.


فى "حائكات الأزل"، تتراجع الشخصيات الفردية خطوة إلى الخلف، ويصعد الجمع بوصفه بطلاً سردياً. هنا لا تعود الحكاية ملك امرأة واحدة، ولا يصبح الاسم علامة تعريف ثابتة، لكنه يتحوّل إلى خيط يُعاد استخدامه، ويُسلَّم من يد إلى يد، ومن زمن إلى زمن، من دون أن يفقد معناه. الرواية فى هذا المستوى لا تكتب سيرة، وتنسج سلسلة متصلة من الحيوات. يتجلّى هذا التصوّر بوضوح فى المشهد المفصلى الذى تقول فيه المرأة الغامضة لندى: "اسمى مكتوب فى هذا الرداء، أسمائي، أسماؤنا.. لا أعرف كيف أخبرك"


الاسم هنا لا يُنطق لفظاً، ويُفهم فعلاً. الرداء يصبح بديلاً عن بطاقة الهوية، وعن شجرة العائلة، وعن الوثيقة الرسمية. إنّه سجلّ حيّ، قابل للتمدد، وقادر على استيعاب التعدّد من دون حاجة إلى الفصل.


تُعمّق الرواية هذا المعنى حين تعود إلى فكرة تكرار الأسماء وتناسلها عبر الأجيال. تقول فى أحد مقاطعها: "ارتسمت أسماء ووجوه نساء كثيرات يتناسلن من الأزل.. جميعهنّ هنا".


هذا التناسل لا يعنى الاستنساخ، ويشير إلى انتقال التجربة نفسها فى صور مختلفة. كل امرأة تحمل أثراً ممن سبقنها، وتضيف إليه أثراً خاصاً بها، ثم تسلّمه لمن تأتى بعدها.

سامح قاسم
سامح قاسم


فى هذا السياق، تتشكّل العلاقة بين الحكاية والحياكة بوصفها علاقة تطابق. فكما تُنسج القطعة من خيوط متعدّدة، تُنسج الحكاية من أصوات وتجارب لا يمكن فصلها. الرواية تسأل ضمناً عن جدوى البحث عن الأصل الواحد، أو البداية الأولى، حين يكون المعنى كامناً فى الاستمرار. تقول المرأة لندى: "لا يُراد لبعض الحكايات أن تنتهي.. كذلك الأمر مع المنسوجات".
هنا تُقدَّم الحكاية بوصفها كائناً حيّاً، يبحث دائماً عمّن يحمله ويواصل روايته. ويمتد هذا التصوّر ليشمل فكرة الأمانة، التى تحتلّ موقعاً مركزياً فى الرواية. الأمانة ليست غرضاً يُخفى فى مكان سرّي، وتغدو مسؤولية أخلاقية وجمالية فى آن. تقول المرأة: "كُلّفت برتق مُزق نسيج، والحفاظ عليه من العثّ وانحلال قُطبه".
الرتق هنا فعل مقاومة للتلف، ومحاولة واعية لإبقاء ما تعرّض للتآكل صالحاً للحياة. إنّه اعتراف ضمنى بأنّ النسيج، مثل الحكاية، معرّض دائماً للتمزّق.
ويتجلّى عمق الرواية فى تعاملها مع النقص والفقد. فإسقاط فصل من الحكاية لا يعنى انهيارها الكامل، كما أنّ إفلات قطبة لا يعنى ضياع الرداء. تقول الرواية: "إسقاط فصلٍ فى قصّة أو إفلات قطبةٍ فى رداء يفتح ثغرةً للتلف.. لكن هناك الحِيَل"
الحِيَل هنا ليست خداعاً، وتُفهم بوصفها معرفة متراكمة بكيفية النجاة. الرتق، والوصل، وإخفاء العقد فى القفا، كلّها طرق للحفاظ على التماسك من دون إنكار ما حدث.
كما يتجلّى وعى النص بمصير العمل اليدوى حين يغيب الاعتراف. فالأقمشة التى عبرت إلى المتاحف، واللوحات التى رُسمت عليها، تُنزع عنها أصولها، ويُمحى اسم الحائك. تقول الرواية بأسى واضح: "لا يهتمّون بأصل الأقمشة وموطنها الأصليّ، فتضيع الحقوق الإبداعيّة للحائكين". هنا تتحوّل الحياكة إلى رمز لكل عمل يُستَخدم ويُنسى صاحبه، ولكل أثر يُفصل عن اليد التى صنعته.
تُقدم بسمة الخطيب "حائكات الأزل" بوصفها رواية عن الامتداد لا عن الخاتمة، وعن الأسماء التى تذوب فى العمل المشترك، وعن الحكاية التى تظلّ تبحث عمّن يكملها. النسيج يصبح شكلاً من أشكال العدالة الرمزية، حيث لا يُمحى أحد تماماً، وحيث يبقى الأثر محفوظاً، حتى لو غاب الاسم، وحتى لو تغيّر الوجه.
تبلغ الرواية ذروة هدوئها وعمقها، حيث يتراجع الحديث عن الفعل نفسه، ويتقدّم النظر فى أثره عبر الزمن. هنا لا تنشغل الرواية بالحياكة بوصفها ممارسة قائمة بذاتها، وتنشغل بما يحدث بعدها، وبما تتركه حين تنتقل من امرأة إلى أخرى. الزمن فى هذا المستوى لا يُحدد بما يُنجز فى لحظة واحدة، ويُحدد بما يُسلَّم، وبما يُحمَل، وبما يُصان كى لا يضيع.
تقول الرواية فى مقطع دالّ: "نحن لا نُكمل ما بدأناه وحدنا، نضع غرزة ثمّ نترك الخيط لمن تعرف كيف تتابع". بهذه العبارة، تطرح الرواية تصوراً مغايراً للإنجاز، حيث لا قيمة للفعل إن لم يكن قابلاً للانتقال. العمل هنا لا يكتسب معناه من اكتماله، ويكتسبه من قابليته لأن يُستكمَل. الحياكة تصبح لغة مشتركة بين الأزمنة، وأداة تواصل بين من عملت ومن ستعمل.
فى هذا السياق، تتبدّى فكرة الأمانة بوصفها جوهر النص. الأمانة لا تُختزل فى الحفاظ على قطعة قماش، وتتّسع لتشمل حفظ الطريقة، وحفظ المعرفة، وحفظ روح العمل. تقول الرواية: "لم نُطالَب بالكمال، طُلِب منّا أن لا نُفرّط". التفريط هنا ليس خسارة مادّية، وإنّما خسارة للخبرة المتراكمة، وضياع لسلسلة طويلة من التعلّم والممارسة.
ويمتد هذا الوعى إلى طريقة تعامل النساء مع الزمن نفسه. الزمن فى "حائكات الأزل" لا يُواجَه بالرغبة فى السيطرة عليه، ولكن بالتكيّف معه. ما لا يُنجز اليوم قد يُنجز لاحقاً، وما لا تقدر عليه يد واحدة قد تتكفّل به أيادٍ متعاقبة. تقول الرواية: "كان علينا أن نتعلّم متى نبدأ، ومتى نترك العمل مستنداً إلى غيرنا". الترك هنا فعل واعٍ، لا علامة عجز. إنّه إدراك بأنّ الاستمرار يحتاج أكثر من طاقة فردية.
وتُعمّق الرواية هذا التصوّر حين تتحدّث عن الشيخوخة، والتعب، وتراجع القدرة الجسديّة. اليد التى اعتادت الغزل والحياكة تعرف متى تخفّ قبضتها، ومتى تراقب بدلاً من أن تنفّذ. تقول الرواية فى مقطع مؤثّر: "حين لم تعد أصابعى تطيعني، بدأت أعلّم بعينيّ". بهذه الجملة، يتحوّل الجسد إلى وسيط معرفة، وتغدو المراقبة شكلاً من أشكال التعليم، وتستمر السلسلة من دون انقطاع.
الرواية أيضا، لا تنظر إلى النهاية بوصفها لحظة سقوط أو توقّف، وتنظر إليها بوصفها تحوّلاً فى الدور. المرأة التى كانت فى موقع الفعل تنتقل إلى موقع الحفظ، ثم إلى موقع الإشراف، ثم إلى موقع الأثر. بهذا التناوب، تكتسب الحكاية قدرتها على البقاء. تقول الرواية: "ما نتركه خلفنا أهمّ ممّا نحمله معنا". هذه الجملة تختصر رؤية الرواية للزمن بوصفه علاقة بين ما يُعاش وما يمضي.
يبرز النسيج فى الرواية بوصفه استعارة لعلاقة البشر بعضهم ببعض عبر الزمن. كلّ امرأة تضيف ما تستطيع، ثم تنسحب بهدوء، تاركة المجال لغيرها. لا صراع على البداية، ولا احتكار للنهاية، وهناك فقط إيقاع طويل من الأخذ والعطاء.
الرواية لا تسأل من بدأ الحكاية، ولا تبحث عمّن أكملها، وتهتمّ بأن تبقى قابلة للاستمرار. الزمن هنا لا يُقهَر، ويُروَّض بالصبر، وبالمعرفة، وبالقدرة على التسليم. ومن خلال هذا الفهم، تتحوّل الحياكة إلى درس عميق فى كيفيّة العيش، حيث القيمة العليا ليست فى الإنجاز الفرديّ، وتكمن فى أن يجد ما نفعله طريقه إلى يد أخرى تعرف كيف تواصل.
فى "حائكات الأزل" هناك مساحة حميميّة، بين الجسد والمكان، حيث يتحوّل البيت من إطار للسكن إلى كيان مشارك فى الحكاية. الحياكة هنا لا تُمارَس فى فراغ، وتتشكل داخل غرف ضيّقة، وساحات شبه مغلقة، وأماكن تحمل رائحة التعب ودفء الاعتياد. الرواية تمنح هذه الأمكنة دوراً فاعلاً، وتتعامل معها بوصفها حواضن للتجربة، تحفظ آثار الأيدى كما تحفظ الأصوات والأنفاس.
تقول الرواية فى أحد مقاطعها اللافتة: "كنا نحوك قرب الجدران، كأنّ الجدار يسمع، وكأنّ البيت يعرف ما نصنعه له". بهذه الجملة، يتداخل الفعل مع المكان، ويصبح البيت شاهداً. الجدران لا تُختزل فى حدود ماديّة، وتتحوّل إلى ذاكرة إضافيّة، تحمل أثر الأيّام المتشابهة التى صنعت الفرق.
الجسد يحتلّ موقعاً مركزيّاً. اليد، الظهر، الرقبة، العينان، كلّها تظهر بوصفها أدوات معرفة قبل أن تكون أدوات عمل. الحياكة تترك أثرها على الجسد كما يترك الجسد أثره على النسيج. تقول الرواية: "تعلّمنا من أوجاعنا كيف نمسك الخيط، ومن تعبنا عرفنا متى نتوقّف". الألم هنا لا يُقدَّم كعقبة، ويتحوّل إلى مصدر تعلّم، وإلى معيار يضبط الإيقاع، ويمنع الانكسار الكامل.
البيت فى "حائكات الأزل" لا يقدَّم كملاذ نهائيّ، ويظهر كمكان للتكرار، وللاحتكاك اليومى مع الزمن. فى هذا التكرار، تتشكّل علاقة خاصّة بين النساء والأمكنة التى يعملن فيها. الأرض تعرف وقع أقدامهنّ، والطاولات تحفظ خدوش الأدوات، والزوايا تختزن بقايا الخيوط. تقول الرواية: "كلّ مكان عملنا فيه تغيّر معنا، حتّى لو لم يره أحد". بهذا المعنى، يصبح المكان شريكاً فى الإنجاز، وحاملاً لأثر لا يزول بسهولة.
وتكشف الرواية أيضاً عن علاقة دقيقة بين العزلة والعمل. النساء يعملن فى دوائر ضيّقة، غير أنّ هذه الضيق لا يعنى الانفصال عن العالم. على العكس، العالم يتسرّب إلى الداخل عبر القصص، والأخبار، والخسارات، ويجد طريقه إلى النسيج. ثوب يُحاك فى بيت صغير يحمل أثر حرب بعيدة، أو فقر ممتدّ، أو انتظار طويل. الرواية تقول فى موضع دالّ: "ما يحدث خارج الجدران يصل إلينا دائماً، ولو عبر الخيط". الخيط يتحوّل إلى وسيط، ينقل أثر الخارج إلى الداخل، ويعيد صياغته فى صورة ملموسة.
فى النص تتبدّى أيضا العلاقة بين الجسد والزمن بوضوح أكبر. الجسد يتغيّر، يضعف، يتعلّم كيف يخفّف جهده، وكيف يوزّع الطاقة. الحياكة تتكيّف مع هذا التحوّل، فتتبدّل السرعة، وتختلف الأدوات، ويزداد الاعتماد على الخبرة. تقول الرواية: "حين ثقل الجسد، خفّفنا الغرز، ولم نخفّف المعنى". هذه الجملة تختصر فلسفة العمل كما تراها الرواية: المعنى لا يرتبط بالقوّة الجسديّة، ويرتبط بالوعى والدقّة.
ما تقدّمه بسمة الخطيب فى "حائكات الأزل" لا يقوم على صراع مركزى تقليديّ، ولا على ذروة دراميّة حادّة، ويقوم على إيقاع آخر، إيقاع يتشكّل من التكرار الواعي، ومن الصبر، ومن القدرة على الاستمرار من دون صخب. الرواية تنقل مركز الثقل من الحدث إلى الفعل، ومن القول إلى الممارسة، ومن الفرد إلى السلسلة. كلّ امرأة فى هذا النصّ تحمل ما سبقها، وتضيف ما تستطيع، ثم تفسح المجال لغيرها. بهذا التناوب الهادئ، تتشكّل حكاية لا تنغلق، وتظلّ قابلة للامتداد.
القيمة الجماليّة فى الرواية لا تنفصل عن قيمتها الإنسانيّة. اللغة مشغولة بعناية، متقشّفة فى ظاهرها، غنيّة فى طبقاتها، قادرة على حمل الرمزى من غير ادّعاء، وعلى ملامسة اليومى من غير ابتذال. الصور تنبع من العمل نفسه، من الخيط، ومن الغرزة، ومن القماش، ومن أثر اليد. هذه العناصر لا تعمل بوصفها زينة لغويّة، وتعمل بوصفها بنية دلاليّة تُمسك بالرواية من داخلها.
كما تنجح الرواية فى إعادة الاعتبار لما اعتادت السرديّات الكبرى إقصاءه: العمل اليدويّ، التعب المتراكم، المعرفة التى لا تُدوَّن، والأثر الذى لا يحمل توقيعاً واضحاً. "حائكات الأزل" تكتب تاريخاً موازياً، تاريخاً لا يظهر فى السجلات، ويظهر فى الأقمشة، وفى الحِيَل، وفى الطرق التى عرفت بها النساء كيف يحمين ما صنعنه من التلف والضياع. هذا التاريخ لا يدّعى الاكتمال، ويكتفى بأن يكون صالحاً للاستمرار.
بهذا المعنى، لا تنتهى "حائكات الأزل" عند صفحتها الأخيرة. ما يبقى هو إحساس طويل بأنّ الحكاية ما زالت تُنسَج فى أماكن أخرى، وبأيدٍ أخرى، وبطرق قد تختلف فى الشكل وتتشابه فى الجوهر. إنّها رواية تذكّر بأنّ ما يصنع الحياة حقّاً لا يكون دائماً مرئيّاً، وأنّ ما يُنجَز بصبر، وبمعرفة، وبانتباه للتفاصيل، يملك قدرة نادرة على البقاء، والاعتراف بقيمة الأثر الذى يُصنع على مهل.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة