فى الذكرى الأربعين لوفاة جمال عبدالناصر، وتحديدًا فى الخامس من نوفمبر سنة 1970، أصدرت "لجنة التعريف بالإسلام" التابعة للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية كتابا عنه بعنوان "بطل العروبة والإسلام – جمال عبدالناصر"، وفى مقدمته للكتاب، قال الدكتور أحمد الحوفى رئيس اللجنة: "مات البطل الذى وهب أمته حياته الغالية، فناضل عن حقوقها بلسانه، وبقلمه، وبسيفه، وبصلابته فى الحق، وأمله فى النصر، وبجهوده المتصلة المدوية فى العالم كله".
اشترك فى تأليف الكتاب ثلة من العلماء، منهم الشيخ محيى الدين عبدالحميد، والشيخ على الخفيف، والدكتور أحمد الحوفى، والدكتور أحمد الشرباصى، والدكتور أحمد شلبى، والأستاذ عبدالحليم الجندى، والأستاذ محمد دياب، وغيرهم من العلماء.
يتحدث الشيخ محيى الدين عبدالحميد عن جهود عبدالناصر فى إحياء كتب السنة، فيذكر أنه تقدم منذ سنة 1926 إلى شيوخ الأزهر واحدا فواحدا، وأحيانا إلى رؤساء الحكومة؛ لإحياء أمهات كتب السنة، لكنهم يعتذرون عن المضى فيه بحجة أن الميزانية لا تسمح. وقص هذه المحاولات فى بعض مجالسه بعد ثورة يوليو 1952، إلى أن اتصل به السكرتير العام للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية يريد مقابلته، وعرض عليه الشيخ مشروعه، فقال له السكرتير: إن جمال عبدالناصر قد منح هذا المجلس من الإمكانات ما يجعله قادرا على بدء مشروعه من الغد. وبالفعل تم هذا المشروع، وأخرج المجلس أمهات كتب السنة، بفضل حماسة الشيخ محيى الدين وبإيمان السكرتير العام للمجلس وبمباركة من عبدالناصر الذى وفر التمويل.
يقول الشيخ محيى الدين: يرحم الله الرئيس جمال عبدالناصر الذى كان هذا العمل أثرا من آثار تفكيره وتقديره وثقته، آمين.
أما الشيخ على الخفيف فيتحدث عن موسوعة جمال عبدالناصر فى الفقه الإسلامى، وكيف أن المجلس الأعلى للشئون الإسلامية منذ إنشائه سنة 1960 قد أنشأ لجنة ضمن لجانه هى لجنة الموسوعة للفقه الإسلامى، وشرعت فى إنشاء الموسوعة بالتشاور والتعاون مع جامعة دمشق التى كانت قد بدأت فى عمل الموسوعة قبلها بسنوات قليلة. ويذكر الشيخ الخفيف أن اللجنة سمت الموسوعة باسم جمال عبدالناصر الذى وفر الإمكانات وسهل عملها، وكان هدف الموسوعة وحدة التشريع والقانون واستنادهما إلى كتاب الله وسنة رسوله.
يتحدث الدكتور أحمد الحوفى عن لمحة من لمحات بطولة عبدالناصر، ويراه بطلا من الأبطال، مستندا إلى بعض الدعائم التى قام عليها صرح بطولته، ومنها: قوة عقيدته، فهو مؤمن بالله إيمانا لا يتزعزع، ومؤمن بلسانه وبقلبه وبسلوكه وبأعماله، ويستشهد على كلامه بخطب جمال عبدالناصر، ومن ذلك مثلا أنه قال فى خطاب له فى 28 يوليو 1963:"الإسلام هو الدين الحق، هو دين الحرية، الإسلام هو دين العدالة الاجتماعية".
يقول الدكتور الحوفى: أما سلوكه فإنه كان تطبيقا عمليا لما يقوله، ولما يذيعه فى الناس. ويشهد مخالطوه أنه لم يشرب كأسا قط، ويعلم مخالطوه أنه لم يفطر يوما فى رمضان قط، ويعرف مخالطوه أنه لم يترك صلاة قط إلا مضطرا. ولما سافر للعلاج سنة 1968 اصحب معه مصحفا وثلاثة كتب فى سيرة النبى وأخلاقه ليقرأها هنالك.
جمال عبد الناصر
يعدد الدكتور الحوفى بعض إنجازاته الدينية، فمثلا هو الذى أنشأ المجلس الأعلى للشئون الإسلامية ورعاه وتابع نشاطه، وشجع على بناء مدينة أبى بكر الصديق فى الإسكندرية تابعة للمجلس ليقيم فيها أفواج من الطلبة الوافدين فى موسم العطلات الصيفية.
وهو الذى أنشأ مجمع البحوث الإسلامية، كما أنشأ مدينة البعوث الإسلامية، وهو الذى أمر بإنشاء المؤتمر الإسلامى، وكثيرا ما شجع على إنشاء المساجد والجمعيات الدينية، واستقدم من العالم الإسلامى عشرات الألون من الطلبة والطالبات فى منح دراسية، ليتعلموا فى مصر اللغة العربية والدين الإسلامى والعلوم المختلفة.
يتناول العالم الجليل الدكتور أحمد الشرباصى موقف عبدالناصر من الشباب، فيقول: لم يكن غريبا أن نجد القائد العربى المسلم جمال عبدالناصر يعنى عناية واضحة بتربية الشباب وتوجيههم، وقد دفعه إلى هذه العناية بالشباب إدراكه الواعى البصير لما يستطيع أن يقوم به الشباب فى المجتمع من بناء وإصلاح.
يؤكد أن منهجه فى التعامل مع الشباب وهو يدعوهم إلى التعاون والتخلص من الفردية والتمسك بالمبادئ، هذا المنهج مستمد من تعاليم الإسلام، "وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان"، فهو أصل من أصول الدين ومبدأ من مبادئه. ويظل الدكتور الشرباصى يؤكد هذه المعانى فى مقالته عن عبدالناصر، مستشهدا بخطبه، وكيف أن عبدالناصر يأخذ بيد الشاب من الشبان إذا رآه يحاول أن يحسن عملا أو يجد قولا، ويعطيهم الفرصة تلو الفرصة ليتدربوا على الكلام والحوار، ومن ذلك أنه قد شهد – الشرباصى- عبدالناصر فى إحدى جلسات المؤتمر القومى العام سنة 1962، وقد وقف شاب ليتكلم أمامه فتلعثم قليلا، فأحس أن هناك من يهم بالسخرية من هذا الاضطراب، وإذا بالقائد يتدخل ويحول دون هذه النزعة، ويشد من عزم الشاب ليواصل كلامه. وهذا الموقف ذكَّر الدكتور الشرباصى بما كان يفعله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب مع الشباب وخاصة مع عبدالله بن عباس.
أما الدكتور أحمد شلبى فيعقد مقارنة بين اشتراكية عبدالناصر والإسلام، فيذكر أن ثمة مقدمات ضرورية أوجبت صدور القوانين الاشتراكية يوليو سنة 1961، ومن ذلك أن مصادر الثروة فى مصر كانت مكدسة فى أيد قليلة، وكثير من هذه الثروات كان فى أيد أجنبية، ترتب على هذا أن وجدت فى مصر طبقتان، طبقة الأغنياء وطبقة الفقراء. ومن ثم، جاءت هذه القوانين لتقرب بين الطبقات وتعيد الحق إلى نصابه.
يرى الدكتور شلبى أن اشتراكية عبدالناصر ليست فقط تؤمن بالملكية الفردية التى هى مبدأ مهم من مبادئ الإسلام، وإنما تعمل على نقل المعدمين إلى ملاك صغار عن طريق خلق قطاع عام وقادر، ووجود قطاع خاص يشارك فى التنمية من غير استغلال.
وبالنسبة لتحديد الملكية الزراعية وجعلتها قوانين يوليو 100 فدان، فإن الدكتور شلبى يذهب إلى أن هناك أكثر من جانب إسلامى يجعل تحديد الملكية الزراعية عملا ليس فقط مشروعا بل ضروريا ولازما، فثمة مبدأ إسلامى يرفض تجميع الثروات فى أيد قليلة، ومن ذلك أن عمر بن الخطاب رفض أن تقسم الأرض التى فتحها المسلمون بالعراق والشام على الفاتحين، وكتب قواد الجيش يستأذنون عمر فى ذلك، لكن عمر رأى ألا توزع الأرض وأن تبقى ملكا للأمة، يفرض عليها الخراج ويظل زارعوها بها، ومن الخراج تدفع الدولة أجور الموظفين وتكاليف الجند ومطالب الدولة على العموم، ورغم معارضة كبار الصحابة فى ذلك، لكن استقر الرأى على أن تكون الأرص المفتوحة ملكا للأمة.
أخيرا، يؤكد الدكتور شلبى أن الأحداث برهنت على أن هذه القوانين الاشتراكية كانت محققة لهدف أساسى من أهداف التفكير الإسلامى الاقتصادى، وعدَّها تطبيقا رحيما للفكر الإسلامى فى شئون الاقتصاد.
يكتب الأستاذ محمد دياب عن الأبعاد الروحية والمنجزات الإسلامية فى نضال عبدالناصر، واستعان بخطب وأحاديث عبدالناصر، فيذكر أن الصحفية الأمريكية "دوروثى طومسون" سألت عبدالناصر قائلة:
- سيادة الرئيس، لا شك أنك قرأت سير عظماء التاريخ، فمن الذى تأثرت به من بين هؤلاء الزعماء؟
رد عليها عبدالناصر قائلا:
- أنا رجل مسلم، وقد تأثرت بحياة نبى الإسلام محمد علية الصلاة والسلام.
يذكر الأستاذ دياب أن قد زار وزير الأوقاف عبدالعزيز كامل، وكانت لديه مشكلة تتعلق بقراء القرآن فى المساجد التابعين للأوقاف؛ إذ صرفت الوزارة مكافآت وعلاوات غلاء فى الوقت نفسه، وأبطل الجهاز المركزى للمحاسبات هذا الإجراء، وطلب استراد علاوات الغلاء وهى مبلغ كبير. وعلم عبدالناصر بالموضوع، فما كان منه إلا أن اتصل بوزير الأوقاف، والعهدة على الأستاذ محمد دياب الذى كان حاضرا الموقف، يقول له:
- اعتبروا المبالغ التى صرفت للقراء كلها مكافآت، ولكن لا تخصموا شيئا منهم. إن أهل القرآن يجب أن يأخذوا ولا يؤخذ منهم.
وكان يصدر التعليمات بإيفاد عدد من القراء كل عام لإحياء شهر رمضان المبارك فى العالم. وهو الذى أدخل مادة الدين كمادة أساسية فى مناهج التربية والتعليم، وهو الذى أنشأ أول محطة تقام لإذاعة القرآن الكريم.