كيف تعيد التكنولوجيا صياغة مستقبل الموارد المائية فى مصر؟ هيكلة كاملة لمنظومة العمل ورقمنة قطاعات الوزارة.. قاعدة بيانات لحظية لا تتأثر بالعوامل البشرية.. والاعتماد على صور الأقمار الصناعية وطائرات الدرون

السبت، 17 يناير 2026 07:00 ص
كيف تعيد التكنولوجيا صياغة مستقبل الموارد المائية فى مصر؟ هيكلة كاملة لمنظومة العمل ورقمنة قطاعات الوزارة.. قاعدة بيانات لحظية لا تتأثر بالعوامل البشرية.. والاعتماد على صور الأقمار الصناعية وطائرات الدرون وزارة الري

كتبت أسماء نصار

تواجه الدولة المصرية تحدياً يتمثل في إدارة مواردها المائية المحدودة في ظل طفرة سكانية متسارعة وتغيرات مناخية تفرض واقعاً جديداً على كافة المستويات.

وفي هذا السياق، لم تعد وزارة الموارد المائية والري تعتمد على الحلول الهندسية التقليدية فحسب، بل انطلقت بقوة نحو "المحور الثاني" من استراتيجيتها القومية، وهو محور "الإدارة الذكية للمياه"، هذا التوجه لا يمثل مجرد تحديث تقني، بل هو إعادة هيكلة كاملة لمنظومة العمل تهدف إلى رقمنة قطاعات الوزارة، وسد الفجوة الناتجة عن تناقص الكوادر البشرية من مهندسين وفنيين، عبر إدماج أدوات القرن الحادي والعشرين في قلب العمل.

 

فلسفة التوزيع بالصرفات
 

تبدأ ملامح هذا التحول من القاعدة الأساسية لإدارة المياه، وهي عملية التوزيع، فقد أحدثت الوزارة ثورة إدارية بالتحول من التوزيع القائم على "المناسيب" – الذى قد يكون فى عدم دقة – إلى التوزيع باستخدام "التصرفات" الفعلية، هذا النظام يضمن توفير الاحتياجات المائية الحقيقية لكل ترعة فرعية بناءً على طلبات المنتفعين وزمامات الأراضي المخدومة، مما يقضي على ظاهرة نقص المياه في نهايات الترع ويمنع الهدر المائي في بداياتها.

ولتحقيق هذه الدقة، كان لزاماً توفير قاعدة بيانات لحظية لا تتأثر بالعوامل البشرية، وهو ما وفره الاعتماد على صور الأقمار الصناعية وطائرات "الدرون".

 

عيون ترصد التعديات وتحمي الشواطئ

تحت هذه المظلة الذكية، أصبحت الأقمار الصناعية هي "العين الساهرة" التي تعوض نقص أعداد أفراد الأمن والمهندسين الميدانيين، تتيح هذه الصور للمسؤولين اتخاذ قرارات فورية وحاسمة لحصر التعديات على المجاري المائية بمختلف أنواعها، سواء بالبناء أو الردم.

ولا يتوقف الأمر عند الرقابة، بل يمتد لمتابعة حركة خط الشواطئ ورصد التآكل الناتج عن ارتفاع منسوب مياه البحر، بالإضافة إلى مراقبة الحالة الإنشائية للمنشآت المائية الكبرى كالخزانات والقناطر، مما يضمن تدخلاً استباقياً للصيانة قبل وقوع أي خلل إنشائي قد يهدد الأمن المائي.

 

العقل المدبر للمنظومة المائية

وفي خطوة تعكس مواكبة الثورة الصناعية الرابعة، دمجت الوزارة تقنيات الذكاء الاصطناعي (AI) والتعلم الآلي (Machine Learning) لتحليل البيانات الضخمة المستقاة من الفضاء، هذا الاندماج التقني يتيح متابعة مساحات شاسعة من الأراضي والمجاري المائية بدقة فائقة لا يمكن للجهد البشري تغطيتها.

ويبرز هنا النموذج الرقمي RIBASIM كأداة استراتيجية لتقييم الوضع الحالي للموارد المائية من حيث الكمية والنوعية.

يقوم هذا النموذج باستنتاج مناطق العجز المائي وتوقع كمياته المستقبلية، مما يوفر للوزارة قدرة تنبؤية تمكنها من إيجاد حلول هندسية ومائية قبل وصول الأزمة إلى أرض الواقع.

 

الفلاح في قلب الرقمية

لا تقتصر الإدارة الذكية على أروقة الوزارة، بل تمتد لتصل إلى الحقل، فبالتعاون مع الوكالة الإسبانية للتعاون الدولي، يتواصل تنفيذ مشروع طموح لتعزيز تقنيات الري الذكي بمختلف درجاتها.

يهدف هذا المشروع إلى رصد فرص تطوير الزراعة الرقمية في مصر، وتحويل الممارسات التقليدية إلى ممارسات تعتمد على مستشعرات الرطوبة والتحكم الآلي، مما يضمن أعلى إنتاجية بأقل كمية مياه.

 

منصات دولية وتطبيقات بيئية مبتكرة

وعلى صعيد حماية البيئة المائية، استغلت الوزارة المنصات الرقمية العالمية مثل Digital Earth Africa لتوفير منتجات معتمدة لحصر المساحات المنزرعة بصفة دورية ورصد التغير العمراني وجودة المياه في البحيرات.

ولعل أكثر التطبيقات ابتكاراً هو نظام رصد "الحشائش المائية" والمخلفات عبر الأقمار الصناعية، وربطها مباشرة بمنظومة متابعة عمليات التطهير، هذا الربط الذكي أدى إلى توفير تمويلات مالية ضخمة كانت تهدر في عمليات تطهير غير ضرورية، كما خفف من المجهود البدني للعاملين عبر توجيههم بدقة إلى المناطق التي تحتاج للتدخل الفعلي.

جدير بالذكر أن استراتيجية "الإدارة الذكية" هي رسالة واضحة بأن مصر تعبر نحو مستقبل مائي مستدام، حيث تصبح التكنولوجيا هي المورد الإضافي الذي يعوض الندرة، والذكاء الاصطناعي هو الحارس الذي يضمن وصول كل قطرة مياه لمستحقيها، مما يضع الدولة المصرية في مصاف الدول الرائدة في إدارة الموارد الطبيعية رقمياً.
 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة