تعد رحلة الإسراء والمعراج من أعظم المعجزات في التاريخ الإنساني، لما تنطوي عليه من أبعاد تربوية وفكرية وروحية تجعلها معجزة قابلة للتأمل والقراءة المتجددة في ضوء متطلبات كل عصر، فهي مصدر مفتوح لتشكيل وعي الإنسان، وتهذيب سلوكه، وضبط علاقاته مع ربه ونفسه والآخرين، عبر ما تضيئه من معاني الصمود أمام الابتلاء، وقيمة الصلاة في بناء الروح، وضرورة الارتقاء الأخلاقي للفرد والمجتمع، ومن ثم فإن الإسراء والمعراج يظلان معجزة تربوية مستمرة، تعيد تعريف إنسانية الإنسان، وتفتح أمامه آفاقاً أوسع لفهم الدين والحياة والكون.
وجاءت رحلة الإسراء والمعراج في لحظة فارقة من السيرة النبوية، عقب عام الحزن، حين فقد النبي ﷺ زوجته السيدة خديجة رضي الله عنها وعمه أبا طالب، وتعرض لأقسى صنوف الإيذاء والتكذيب، ولاسيما في رحلة الطائف، وحمل هذا اختيار هذا التوقيت العسير دلالة تربوية وروحية عميقة مفادها أن أشد لحظات الانكسار الإنساني قد تكون تمهيدًا لأعظم لحظات الارتقاء الروحي، فهذه الرحلة كانت بمثابة اصطفاء وتكريم بعد ابتلاء وصبر، وتجديد للطاقة الداخلية بعد أن بلغت الضغوط ذروتها.
وتقدم الإسراء والمعراج درسًا بليغًا للأفراد والمجتمعات بأن الابتلاء ليس نهاية الطريق، وإنما قد يكون إعادة توجيه ربانية لمسار الإنسان، وأن العطاء الإلهي قد يأتي بعد طول صبر ليوقظ في النفس قدرة جديدة على النهوض والمواصلة، ومن ثم تتجلى التربية الإيمانية التي تعيد تعريف مفاهيم النجاح والفشل، وترتقي بالإنسان من أسر النظرة اللحظية الضيقة إلى أفق الغاية الكبرى، حيث تُقرأ الوقائع بمنطق الحكمة، وتفهم الأحداث في ضوء مقاصدها.
وكان الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وجاء الجمع بينهما في رحلة واحدة لترسيخ مبدأ وحدة الرسالة ووحدة العقيدة، ويؤكد الامتداد التاريخي للدعوة الإلهية، فالإسلام امتداد مصحح لمسار النبوات وخاتمتها، ومن ثم فإن الإسراء يربي الوعي الجمعي على مركزية المسجد الأقصى في العقيدة الإسلامية، كرمز حضاري وروحي، لا يجوز فصله عن وجدان الأمة ولا عن هندسة وعيها التاريخي، خاصة في زمن تتعرض فيه المقدسات لمحاولات الطمس، والتشويه، والتغييب.
ويعد المعراج ارتقاء من عالم الأرض إلى عوالم السماوات، حيث التقى النبي ﷺ بالأنبياء، وشهد من آيات ربه الكبرى، وفي هذا الحدث تتجلى التربية على السمو الروحي، وتجاوز المألوف، وعدم الارتهان للتفسير المادي الأحادي للوجود، فالمعراج يعلم الإنسان أن الارتقاء الحقيقي يكون بتكامل العقل والقلب والروح، ومن هذا المنطلق، يشكل المعراج درسًا استشرافيًا في زمن طغت فيه النزعة المادية وأضحى الإنسان فيه مجرد مستهلك، بينما يغيب عن كثير من الخطابات المعاصرة الاستجابة للحاجة الروحية التي تحفظ التوازن النفسي والأخلاقي للإنسان، ومن ثم يعيد المعراج الاعتبار للبعد الروحي كشرط لازم لسلامة الإنسان وفاعليته، ويؤكد أن الحضارة تبنى بالآلة كما تبنى بالإنسان.
وتعد فريضةُ الصلاة من أعظم ما ارتبط بحدث الإسراء والمعراج، حيث فرضت في السماء من غير واسطة، في إشارة بالغة الدلالة إلى مكانتها المحورية في البناء التربوي الإسلامي، فالصلاة نظام تربوي متكامل يعيد تنظيم الوقت، ويهذب السلوك، ويربط الإنسان بخالقه خمس مرات في اليوم، مجددًا حضور المعاني الإيمانية في الوعي والسلوك، كما تعد الصلاة أداة فعالة في مواجهة أزمات العصر المتفاقمة، من القلق الوجودي، والاغتراب النفسي، وتسارع الإيقاع الحياتي، فهي تغرس الانضباط الذاتي، والمداومة، واستحضار القيم في تفاصيل الحياة اليومية، وتمنح الإنسان مساحةً للتأمل والسكينة، وتعيد التوازن بين الجسد والروح والعقل، ومن ثم، تتجلى الصلاة في الوعي الإسلامي ركيزة أساسية لبناء إنسان متوازن، قادر على إدارة نفسه، وتحقيق سلامه الداخلي، والمساهمة في عمران الحياة، فتجتمع فيها العبادة والتربية والعمران الروحي في صيغة حضارية واحدة.
وقد أثارت حادثة الإسراء والمعراج جدلًا واسعًا بين المصدقين والمكذبين، وكان موقف أبي بكر الصديق رضي الله عنه مثالًا فريدًا للإيمان الواعي الذي يتجاوز حدود المألوف، وينفتح على ما وراء الحس، ويثق بصدق الرسالة وبصاحبها ﷺ، ومن ثم تعلمنا هذه المعجزة أن الإيمان بالغيب تحرير للعقل من وهم الإحاطة الكاملة، وفي عصر الثورة العلمية والتكنولوجية، تشتد الحاجة إلى التربية الإيمانية التي توازن بين المنهج العقلي والمنظور الغيبي، فلا تهدر إمكانات العقل، ولا تختزل الوجود في معادلات مادية أحادية، فالعقل من دون إيمان قد يقع في فخ الغرور المعرفي الذي يتصور القدرة على تفسير كل شيء، والإحاطة بجوهر الوجود، بينما لا تزال أعماق الكون والإنسان تحمل مساحات واسعة من المجهول.
وتقدم الإسراء والمعراج درسًا تربويًا وحضاريًا بالغ الدلالة، مفاده أن المعرفة الحقة تتأسس على توازن واعٍ بين أدوات العقل ومقتضيات الإيمان، فالإدراك العقلي يمنح الإنسان القدرة على البحث والتحليل والفهم، بينما يمنحه الإيمان البصيرة التي توسع أفق النظر والبصيرة، وتضع المعرفة في إطارها الأخلاقي والوجودي، ومن ثم فإن بناء الإنسان في التصور الإسلامي يتم بالتكامل بين العلم والإيمان؛ حفظًا لسلامته الفكرية، وصونًا لاستقراره النفسي، ووقايةً له من الاستعلاء المعرفي الذي يتوهم امتلاك الحقيقة المطلقة.
وتكشف معجزة الإسراء والمعراج أن الحضارة تبنى بالمعرفة المتجردة من الوهم، وبالإيمان المتحرر من التعصب، وأن الإنسان المتوازن هو القادر على الجمع بين المنهج العقلي الصارم والرؤية الإيمانية الخالصة، فيصبح قادرًا على إعمار الأرض دون أن يفقد بوصلته الروحية والأخلاقية، ومن زاوية استشرافية، تفرض علينا قراءة الإسراء والمعراج اعتبارها منطلقًا لإعادة بناء المنظومة التربوية والقيمية، حيث يواجه العالم اليوم أزمات مركبة؛ من التفكك الأسري، وضياع المعايير الأخلاقية، وتسليع الإنسان وتحويله إلى مجرد وحدة إنتاج واستهلاك.
وهي أزمات لا يكفي التعامل معها بالحل التقني أو الاقتصادي، وإنما تتطلب إعادة تأسيس الإنسان على منظومة متوازنة من القيم، ومن ثم يقدم الإسراء والمعراج نموذجًا لإنسان متصل بالسماء، فاعل في الأرض، قادر على الجمع بين الإيمان والعمل، والثبات على القيم والمرونة في الوسائل، وهو نموذج تحتاجه الأجيال القادمة في عالم سريع التحول يزخر بالمعرفة ويعاني في الوقت نفسه من فقر أخلاقي، واضطراب في المعايير، وغياب في البوصلة الوجودية، وبذلك تصبح الإسراء والمعراج رصيدًا حضاريًا وإنسانيًا يستعيد للإنسان كرامته ودوره في عمارة الكون.
اللهم يا من أسريت بعبدك ليلاً وعرجت به إلى السماوات العلا، افتح لنا أبواب فضلك، واملأ أرواحنا يقينًا وثباتًا، اللهم صل وسلم على سيدنا محمد، وارزقنا صلاة خاشعة وأعمالًا صالحة، ورضًا وخيرًا في حياتنا، واحفظ بلادنا وبلاد المسلمين والعالم أجمع اللهم آمين.