لم تعد حرارة الشمس في صعيد مصر مجرد تحدٍ مناخي يواجهه الأهالي يومياً، بل تحولت بفضل التكنولوجيا والإرادة السياسية إلى "ذهب أصفر" يتدفق في عروق الشبكة القومية للكهرباء، حيث شهدت محافظة قنا مؤخراً تحركات قوية في هذا الملف، أبرزها مشروع محطة الطاقة الشمسية في "فارس" و"بنبان" القريبة منها، بالإضافة إلى محطات الخلايا الفوتوفلطية التي يتم تركيبها فوق المباني الحكومية، وتحديداً ضمن مشروعات الطاقة المتجددة العملاقة، يبرز نموذج جديد للتنمية المستدامة يضع المحافظة على خارطة الاستثمار الأخضر عالمياً.
أرقام تتحدث وأثر يمتد
تتوزع استراتيجية الطاقة في قنا على مسارين، الأول هو المحطات الكبرى، التي تهدف لتغذية الشبكة القومية بقدرات تصل إلى ميجاوات ضخمة، لتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، ثم المحطات المحلية الخاصة بتركيب أنظمة الطاقة الشمسية فوق أسطح المباني الحكومية مثل ديوان عام المحافظة، وهو ما يمثل رسالة رمزية وعملية لترشيد الاستهلاك الحكومي والاعتماد على الذات طاقياً.
التنمية ليست طاقة فقط
"المشروع وفر مئات فرص العمل لأبناء المحافظة، سواء في مرحلة الإنشاء أو التشغيل والصيانة"، هكذا يقول أحد المهندسين العاملين بالموقع، فالأثر الاقتصادي لم يتوقف عند توليد الكهرباء، بل امتد لخلق جيل جديد من الفنيين المتخصصين في تكنولوجيا الطاقة الشمسية من أبناء الصعيد، مما يحد من الهجرة للبحث عن عمل.
التحديات والطموح
رغم النجاحات يظل التحدي الأكبر هو "التوسع" ونشر الثقافة لدى القطاع الخاص والمزارعين لاستخدام الطلمبات الشمسية في الري بدلاً من الديزل، وهو ما سيمثل ثورة حقيقية في الزراعة القنائية، فإن ما يحدث في قنا هو تجسيد لرؤية مصر 2030، حيث لا تصبح الطاقة عبئاً على الموازنة، بل محركاً للتنمية الخضراء".
الأثر البيئي للمشروع
كشف مصدر بـ وزارة البيئة تخصصه ملف الطاقة الجديدة والمتجددة فى تصريحات خاصة لليوم السابع، انه تخضع مشروعات الطاقة الشمسية في قنا لمعايير قياس دقيقة توضح حجم الفائدة البيئية المحققة. إذا افترضنا أن المحطة تعمل بقدرة متوسطة (كمثال 50 ميجاوات)، حيث إن الأثر البيئي يترجم الى عدد من المعلومات الأساسية.
1- خفض الانبعاثات الكربونية
واوضح المصدر ، انه تساهم المحطة في منع انبعاث حوالي 50,000 إلى 70,000 طن من غاز ثاني أكسيد الكربون سنوياً، وهذا الرقم يعادل زراعة أكثر من مليون ونصف شجرة أو إزالة 15,000 سيارة تعمل بالبنزين من الطرقات تماماً.
2- كفاءة الإنتاج والسطوع الشمسي
واشار المصدر قائلا :" تتمتع قنا بمعدل إشعاع شمسي مباشر يتجاوز 2800 كيلووات ساعة/م² سنوياً، و هذه القيمة العلمية تعني أن كفاءة الألواح هنا تزيد بنسبة 25% عن مثيلاتها في دول شمال أوروبا، مما يجعل "ساعة الشمس" في الصعيد أغلى وأكثر إنتاجية.
3- توفير المياه
واوضح المصدر انه على عكس محطات التوليد الحرارية التقليدية التي تستهلك كميات هائلة من المياه لتبريد التوربينات، فإن محطات الطاقة الشمسية الفوتوفلطية (PV) توفر ما يقرب من 0.5 إلى 1 جالون من المياه لكل كيلووات ساعة يتم إنتاجه، وهو أمر حيوي جداً في بيئة صحراوية مثل قنا.
4- الحماية من الاحتباس الحراري
واكمل المصدر قائلا:" ان كل ميجاوات ساعة يتم إنتاجه من شمس قنا يقلص الاعتماد على الغاز الطبيعي والمازوت بنسبة كبيرة، مما يقلل من ظاهرة "الجزر الحرارية" ويساهم في خفض درجات الحرارة المحلية على المدى البعيد من خلال تقليل حرق الوقود الأحفوري.
منظومة متكاملة لتقليل الانبعاثات الكربونية
جدير بالذكر انه تعتبر محافظة قنا من أعلى المناطق سطوعاً للشمس في العالم، وهو ما جعلها قبلة لشركات الطاقة المتجددة، حيث المشروع الذي نتحدث عنه ليس مجرد صفوف من الألواح الزجاجية، بل هو منظومة متكاملة لتقليل الانبعاثات الكربونية، وبحسب التقديرات الفنية، تساهم هذه المحطات في خفض آلاف الأطنان من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون CO_2 سنوياً، مما يدعم التزامات مصر الدولية في قمة المناخ.