عملية اختطاف سريعة للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، من قلب كاراكاس، ونقله إلى نيويورك للمحاكمة، وتهديدات أمريكية متلاحقة لدول الجوار، تنتقل منها لإثارة الجدل من جديد حول جزيرة "جرينلاند" بالدنمارك، ثم تعود مجددا إلى الشرق الأوسط، مع مخاوف حول هجمات على إيران.. أحداث سياسية متلاحقة، تثير الجدل حول الجديد في سياسات واشنطن في لحظة حرجة من عمر النظام الدولي، في إطار مسارات متوازية، أولهما هو تنويع جبهات الصراع، في إطار متزامن، بينما يقوم الثاني على الانتقال الجغرافي السريع فيما بينها، في حين يدور المسار الثالث في تغيير النهج العسكري، عبر التخلي عن سياسة الاحتلال، والذي سبق وأن تبنته واشنطن في العديد من المراحل السابقة، أبرزها في أفغانستان والعراق.
فعندما اندلعت أحداث 11 سبتمبر، والتي تمثل أخطر هجوم واجهته أمريكا على أرضها في التاريخ الحديث، لم تفتح أكثر من جبهة واحدة في نفس التوقيت، فانطلقت من أفغانستان في 2001، ثم العراق في 2003، وهو ما يعني وجود فجوة زمنية بينهما تسمح بقدر من التقاط الأنفاس، في حين أنها كانت تعتمد سياسيا على دعم حلفائها، فظهرت الحروب التي خاضتها وكأنها جاءت في إطار تحالف، وهو ما يضفي قدرا من الشرعية على الهجوم، حتى وإن افتقد الأدوات التقليدية، على غرار المباركة الأممية، كما في حالة العراق، في حين كان التركيز الأمريكي في تلك الحقبة مرتكزا على رقعة جغرافية محدودة، وهي الأبعاد التي ينبغي النظر إليها بقدر من الاهتمام عند رصد التغييرات الراهنة في سياسات التدخل الأمريكي المباشر.
التغيير الأمريكي في إدارة الصراع يحمل في طياته العديد من الأسباب، يرتبط بعضها بالداخل، في ضوء الغضب العارم الذي لاحق إدارة الرئيس الأسبق جورج بوش، وخليفته باراك أوباما، جراء التكاليف الباهظة التي تكبدتها الخزانة الأمريكية، ناهيك عن أرواح آلاف الجنود، بينما يحمل بعضها ارتباطا مباشرا بالتغيير الكبير في المساحة الجغرافية للصراع.
فلو نظرنا إلى مرحلة ما بعد الحرب الباردة، نجد أن ثمة استقرار كبيرا شهدته رقعة كبيرة من الكوكب، في الوقت الذي كان فيه الشرق الأوسط هو الأكثر اشتعالا، وبالتالي كان الهدف الأمريكي في تلك الحقبة لا أن يعم الاستقرار في المنطقة، وإنما السيطرة على وتيرته صعودا وهبوطا بالحد الذي يسمح لها الاحتفاظ بمكانتها الدولية باعتبارها القائد الشرعي الأوحد للعالم، وهو ما يختلف جذريا عن اللحظة الراهنة، مع صعود روسي – صيني ملموس، وانهيار الاستقرار في الغرب بصورة كبيرة مع اندلاع العملية العسكرية في أوكرانيا، وهو ما يدفع تلقائيا نحو اللجوء إلى الحليف، الذي لم يكن، على ما يبدو، مستعدا للمعركة، أو ربما أراد الاستفادة منها لأسباب اقتصادية بحته، في إطار ما أسميته في مقال سابق بـ"إعادة تسعير الحماية".
والحديث عن الحماية وتسعيرها، مقابل الخوف، يمثل جوهر الاختلاف الكبير في الرؤية الأمريكية، فواشنطن عندما أدارت معاركها في الشرق الأوسط، كانت القوى المهيمنة في زمن أحادي القطبية، ولم يكن لها منافسون دوليون قادرين على مزاحمتها على قمة النظام الدولي، فكانت رفاهية الحلفاء خاصة في أوروبا، واستقرار الآخرين في مختلف مناطق العالم، بمثابة تحفيز للمارقين نحو انتهاج التبعية، أو ربما محاولة لإضفاء صيغة أخلاقية للغزو العسكري، عبر الحديث المتواتر عن تحسين حياة الشعوب التي أنهكتها أنظمتها، حتى وإن كان ذلك على حساب الاقتصاد الأمريكي نفسه على النحو السالف الذكر، بينما مع اختلال الميزان التجاري مع الصين، في الوقت الذي تصاعد فيه الاقتصاد لدى الحلفاء، خاصة في أوروبا، على حساب واشنطن، ووصول الأزمات الاقتصادية إلى الوعي اليومي للمواطن الأمريكي باتت الحاجة ملحة إلى تعديل الاستراتيجية الأمريكية، من خلال مقايضة جميع أطراف المعادلة الدولية، وعلى رأسهم الحلفاء أنفسهم، باعتبارهم الأكثر استفادة من المزايا التي منحتها إياهم طيلة عقود من الزمن.
الواقع أن ما توصلت إليه أمريكا، بعد عقود الهيمنة المطلقة، يتجلى في جوهره أن التحالفات بالمعنى التقليدي (مزايا مقابل تبعية) ساهم بصورة كبيرة في تراجعها، وبالتالي بدأت في إعادة هيكلة علاقتها التجارية معهم عبر التحول نحو سياسات الرسوم الجمركية، بينما تحولت الآن إلى تغيير جذري في العقيدة، في الوقت الذي تسعى فيه إلى إثبات قدرتها على إدارة أكثر من معركة دون استنزاف للموارد، دون احتلال دائم، وهو ما يمنحها انتصارا عسكريا سريعا بأقل تكلفة ممكنة، مع مكاسب اقتصادية أخرى، على غرار ما شهدته فنزويلا من خلال إسقاط مادورو واقتياده للمحاكمة في أمريكا، مع الرهان الضمني على النفط كعامل حاضر في خلفية الحسابات.
العقيدة الأمريكية الجديدة لم تعد تقوم على احتلال الأرض، بقدر ما تقوم على امتلاك القرار، عبر مسارات متوازية، تدور حول الشرعية، وهو ما بدا في الحالة الفنزويلية باقتحام القصر والقبض على الرئيس، والأمن، عبر استخدام ميزة الحماية لإجبار الحلفاء على دفع المزيد من الأموال، والطاقة، وهو ما يبدو في حديث البيت الأبيض المتواتر حول المعادن النادرة في أوكرانيا، ثم الحديث الأخير عن النفط الفنزويلي مع اختلاف الظروف، فالأولى جاءت في صورة مقايضة، تتجلى في إنهاء الحرب، والثانية عبر السيطرة على مقاليد الأمور في كاراكاس، دون السقوط في مستنقع الحروب الطويلة.
وإذا كانت فنزويلا تمثل نموذج السيطرة الأمريكية على القرار دون احتلال، وأوروبا نموذج للسيطرة عبر ورقة الحماية والأمن، فإن جرينلاند نموذجا ثالثا للسيطرة على القرار الدولي ليس عبر احتلال تقليدي، وإنما خلق وجود أمريكي دائم، بصياغة "البيع والشراء"، في منطقة جغرافية تحقق التوازن مع روسيا والصين، وتسمح في التحكم بالمجال الحيوي لأوروبا نفسها.
وهنا يمكننا القول بأن التحركات الأمريكية الراهنة ليست مجرد ردود أفعال متفرقة على أزمات متزامنة، بقدر ما تعكس ولادة عقيدة جديدة تقوم على امتلاك القرار بدلًا من احتلال الأرض، وعلى تحقيق المكاسب بأقل تكلفة زمنية وبشرية ممكنة، عبر الجمع بين أدوات الشرعية والاقتصاد والحماية في سلة واحدة ليصبح العالم أمام نموذج أمريكي لا يبحث عن إدارة الأقاليم بقدر ما يسعى لإعادة هندسة سلوكها. غير أن المفارقة أن سياسة السيطرة على القرار قد تنجح في تحقيق انتصارات عاجلة، لكنها تفتح في الوقت نفسه الباب أمام عالم أكثر سيولة، تتآكل فيه قواعد الردع والتحالفات التقليدية، ليثور التساؤل حول المدى الذي يمكن لواشنطن إدارة عالم بهذه الصورة خلاله.