خلت اللجنة العلمية فى جامعة السوربون فى فرنسا إلى المداولة بعد أن ناقشت الطالب طه حسين، ثم عاد رئيسها وهو أستاذ التاريخ ليعلن أن الكلية منحت الطالب درجة الدكتوراه مع مرتبة الشرف الممتازة ومع تهنئة اللجنة، فى يوم 15 يناير، مثل هذا اليوم، 1918، حسبما يذكر طه حسين فى سيرته «الأيام».
خاض طه حسين امتحان الدكتوراه بعد شهور قليلة مرت على زواجه يوم 9 أغسطس 1917، وتذكر زوجته «سوزان» التى حضرت المناقشة، أنه «دافع عن رسالته بألمعية، ونال تهنئة اللجنة العملية»، وفقا لما تذكره فى سيرتها «معك» ترجمة «بدر الدين عردوكى»، مراجعة، محمود أمين العالم، ويصف نفسه أثناء مناقشته، بأنه لولا فضل من شجاعته واستحياء من الرفاق وزوجته التى كانت تشهد الامتحان لاصطكت أسنانه ذعرا، ويضيف أن أساتذته رأوا أن فرائضه كانت ترتعد، وكان شديد الاضطراب، لكن ثباته عاد إليه حين سكت عنه أستاذ التاريخ، وأخذ أستاذ الفلسفة فى مناقشته، وأنه لأول مرة سمع تصفيق الفرنسيين لشخصه «المتضائل الضعيف فعاد إلى أهله جذلان فرحان».
كانت رسالته للدكتوراه عن «فلسفة ابن خلدون الاجتماعية»، وكان إنجازها استمرارا لمسيرة التحدى والنجاح لهذا الفتى الكفيف منذ أن فقد بصره وهو فى طفولته المبكرة، ورغم هذا العجز كان يمضى بإصرار على طريق سيجعله أكبر مفكر مصرى وعربى فى القرن العشرين، وصاحب علامات التفرد فى أشياء كثيرة، منها أنه أول طالب يحصل على الدكتوراه بالجامعة المصرية عام 1914، وأرسلته الجامعة إلى فرنسا للحصول على الدكتوراه، ويكشف أنه أثناء بعثته إلى فرنسا لم تكن الجامعة قد فرضت عليه رسالة «فلسفة ابن خلدون الاجتماعية»، بل لم يكن بين هذه الرسالة وبرنامجه الدراسى سبب، فهو أُرسل ليدرس التاريخ، وكُلف بالحصول على درجة الليسانس، وتطوع هو بهذه الرسالة.
يكشف عن سبب تطوعه بهذه الرسالة، قائلا إنه سمع دروس الاجتماع التى كان يلقيها الأستاذ «دروكيم»، فشغف بهذا العلم، وأراد أن تكون له مشاركة فيه، وأن يشرف الأستاذ على هذه المشاركة فاتفق معه على موضوع الرسالة، وأن يكون هو مشرفا من الناحية الفلسفية، ويشاركه فى الإشراف مستشرق يحسن العلم بالشؤون العربية والإسلامية، فكان كل فصل من هذه الرسالة يقرأه أستاذان، الأستاذ المستشرق أولا، ثم يقرأه الأستاذ «دروكيم» بعد ذلك.
يضيف، أنه بعد أن استقام أمر هذه الرسالة أمامه، كتب إلى الجامعة المصرية ينبئها بما صمم عليه، وهو أنه بعد نجاحه فى الليسانس، سيلتحق بالإجازة التى تليه وهى «دبلوم الدراسات العليا»، واستأذن الجامعة فى أن يتهيأ لنيل دكتوراه الدولة فى التاريخ، على أن ذلك يستلزم أن تمتد إقامته فى أوروبا أربعة أعوام بعد حصوله على الليسانس والدبلوم، وردت الجامعة عليه بالإذن له بنيل الدبلوم إن استطاع بعد الليسانس، وتعفيه من دكتوراه الدولة فى التاريخ، لأنها تطيل إقامته فى أوروبا وتكلف الجامعة نفقات أكثر مما تطيق.
يذكر أن الجامعة أذنت له بتقديم رسالته عن «ابن خلدون» لنيل الدكتوراه، لكنه ذكرته بعهد قطعه على نفسه قبل سفره، بألا يقدم رسالة إلى جامعة أجنبية مهما يكن موضوعها إلا بعد أن تقرأها الجامعة المصرية، ثم تأذن له بتقديمها، ويذكر سبب هذا الإجراء، قائلا: «كان الصديق الكريم الدكتور منصور فهمى هو الذى اضطر الجامعة إلى أن تأخذ طلابها فى أوروبا بأن يقطعوا على أنفسهم هذا العهد».
كان منصور فهمى ممن سافروا إلى باريس فى بعثة علمية سنة 1908، وأنجز رسالته للدكتوراه بالفرنسية وكان موضوعها «أحوال المرأة فى الإسلام» تحت إشراف المستشرق الفرنسى «ليفى برول»، وأثارت هذه الرسالة ضجة هائلة، يذكرها طه حسين، قائلا: «الناس لم ينسوا ما أثارت رسالة الدكتور منصور فهمى من ضجيج وعجيج أثارا سخط الهيئات الرسمية أولا، وسخط الرأى العام بعد ذلك، واضطر الصديق الكريم أن ينأى عن مصر قريبا من عام، ولا يعود إليها إلا حين اضطرته الحرب إلى أن يعود وحيل بينه وبين التعليم فى الجامعة أعواما، حتى إذا كانت الحركة الوطنية سنة 1919، وما نشأ عنها من الأحداث ومن تحرر العقول، أذن له بما كان ينبغى أن يؤذن له فيه منذ أتم دراسته فى فرنسا، وكان «ثروت باشا» هو الذى أذن له فى ذلك».
يضيف: «منذ أثار الدكتور منصور ذلك الضجيج أقامت الجامعة نفسها رقيبا على رسائل طلابها، وأخذت عليهم العهد ألا يقدموا رسائلهم إلى الجامعات الأجنبية حتى تأذن لهم هى فى ذلك، بعد أن تقرأ الرسائل وتقرها»، ويؤكد أنه لما استأذنها فى تقديم رسالة عن ابن خلدون، أرسل نسخة منها، وأحالها مجلس الإدارة إلى الأستاذ أحمد لطفى السيد فقرأها، ورضى عنها، وأذنت الجامعة فى تقديمها إلى السوربون.