قبل ساعات، رحبت مصر بإعلان الولايات المتحدة إدراج بعض فروع جماعة الإخوان ضمن قوائم الإرهاب. واعتبرت القاهرة القرار تحولًا نوعيًا فى تعامل واشنطن مع تنظيم لطالما تحرك فى مناطق رمادية بين العمل السياسى والدعوى والنشاط السري.
القضية الحقيقية ليست فى تخلى الأمريكان عن الإخوان، بعد عقود طويلة من الدعم والتأييد "السرى والمعلن".
القضية أبعد من ذلك، تتمثل فى ثبات الدولة المصرية فى تعاملها مع هذه الجماعة الفاشية، التى أرهقت جسد مصر على مدى قرن كامل من الزمان.
وزارة الخارجية المصرية حددت فى بيانها الرسمى أن إدراج تنظيم الإخوان ككيان إرهابى عالمى مصنف بشكل خاص يمثل "خطوة فارقة"، تعكس خطورة هذه الجماعة وأيديولوجيتها المتطرفة، وما تمثله من تهديد مباشر للأمن والاستقرار الإقليمى والدولي.
وثمّنت القاهرة الجهود التى تبذلها الإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس دونالد ترامب فى مكافحة الإرهاب الدولي، فهذه الخطوة تتوافق بشكل كامل مع الموقف المصرى الثابت تجاه جماعة الإخوان، التى تصنفها مصر منذ عام 2013 منظمة إرهابية قائمة على العنف والتطرف والتحريض واستغلال الدين لتحقيق أهداف سياسية.
مصر ودول المنطقة عانت لعقود طويلة من ممارسات هذه الجماعة الفاشية، التى ارتكبت جرائم وأعمال عنف استهدفت رجال الشرطة والقوات المسلحة والمدنيين، فى محاولة ممنهجة للنيل من أمن الدولة المصرية واستقرارها.
الخارجية المصرية ذكرت أن التصنيف الأمريكى الأخير يعكس صواب ووجاهة الموقف المصرى الحازم الذى تبنته الدولة عقب ثورة 30 يونيو 2013، دفاعًا عن إرادة الشعب وصونًا لمؤسسات الدولة الوطنية.
تُعد التجربة المصرية فى مواجهة هذه الجماعة الفاشية، والمنظمات الإرهابية التى خرجت من عباءتها نموذجًا فريدًا، تتمثل فى أول مواجهة حقيقية من ممثل الدولة، محمود فهمى النقراشى باشا رئيس مجلس الوزراء، الذى حدد فى مذكرة تفصيلية ما تقوم به الجماعة وكوادرها من إعداد وتدريب تنظيمات عسكرية تستهدف النيل من الدولة وشعبها.
فى العصر الحديث – وخاصة بعد ثورة 30 يونيو المجيدة – انتقل تعامل الدولة المصرية مع الجماعة، من مفهوم المواجهة الأمنية المباشرة إلى تبنى وجهة نظر شاملة تعالج جذور التطرف، لا أعراضه فقط، عبر أبعاد رئيسية، فى مقدمتها البعد الأمنى والمعلوماتي، فلم تقتصر المواجهة على الملاحقات، بل اعتمدت على الضربات الاستباقية وإحباط العمليات قبل تنفيذها وتنفيذ عمليات عسكرية مهمة، ومنها العملية الشاملة فى سيناء عام 2018 لتفكيك البنية التحتية للتنظيمات الإرهابية، التى كادت أن تسيطر على الوضع هناك.
وسعت الدولة المصرية إلى تطوير تشريعات مكافحة الإرهاب وتجفيف مصادر تمويله، وهو ما شكل عائقاً كبيراً أمام التمويلات الخارجية، والتحرك على الأرض عموماً.
ولعل أهم هذه الأبعاد، هو البعد الاقتصادي. فقد انطلقت الدولة المصرية من قناعة أساسية بأن الفقر والتهميش بيئة خصبة للتطرف، فركزت على تنمية سيناء والمناطق الحدودية والصعيد، وإطلاق مبادرات اجتماعية كبرى مثل "حياة كريمة" لتحسين مستوى المعيشة وسد الفراغ الذى تستغله الجماعات المتطرفة.
وجاء البعد التعليمى والثقافى ضمن أولويات الدولة المصرية فى المواجه، والذى استهدف بناء وعى مجتمعى مضاد للتطرف عبر تطوير وتنقية المناهج التعليمية، إعادة إحياء الدور الثقافى والفنى والرياضى بالمحافظات بمشاركة شبابية واسعة.
وجاء البعد الدينى والفكرى فى قلب المواجهة، من خلال دور الأزهر الشريف ودار الإفتاء فى تفكيك الخطاب المتطرف، تصحيح المفاهيم المغلوطة مثل الحاكمية والجهاد والخلافة، ضبط المنابر ومنع استغلال المساجد سياسيًا.
النموذج المصرى فى مواجهة الإخوان يستحق الإشادة، لكنه – فى ذات الوقت – يتطلب مشاركة من كافة الكيانات الشعبية ..
مطاردة الإخوان بدأت .. وعلينا جميعا أن نعمل جاهدين نحو هذا الهدف..