مع انعقاد مجلس النواب الجديد وبدء فصل تشريعي يحمل على عاتقه تحديات ومسئوليات كبيرة، تتجه أنظار الشارع المصري إلى البرلمان باعتباره أحد الأعمدة الرئيسية في معادلة الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وأداة أساسية للتعبير عن هموم ومشكلات واحتياجات المواطنين وترجمتها إلى تشريعات وسياسات عامة ملموسة.
الجلسة الافتتاحية لمجلس النواب أمس الاثنين كانت جلسة تاريخية وحظيت بمتابعة كبيرة من المواطنين لمجرياتها بداية من إدارة ثلاث سيدات الجلسة باعتبار العضو الأكبر سنا والعضوين الأصغر سناً من النائبات، فكان مشهداً يعبر عن قيمة المرأة المصرية وأهمية مشاركتها السياسية وتمكينها، مرورا بأداء اليمين الدستورية وانتخاب رئيس ووكيلي المجلس واختيار شخصيات مرموقة ولديها خبرات ما بين قانونية وسياسية واقتصادية.
ويأتي الزخم الكبير حول مجلس النواب الجديد كون بعد انتخابات نيابية شهدت حالة جدل كبيرة في المجتمع والشارع المصري لدرجة تدخل السيد رئيس الجمهورية حرصاً على النزاهة والشفافية ووجود برلمان يعبر عن إرادة المصريين تعبيراً حقيقياً، وأضفى مصداقية على ذلك الشخصيات التي حظيت باختيار رئيس الجمهورية في القرار الجمهوري الخاص بتعيين 28 عضواً في مجلس النواب، وجاءت متنوعة في الخبرات والتخصصات، وهو ما يثري العمل البرلماني.
اليوم ومع انطلاق الفصل التشريعي الثالث لمجلس النواب واكتمال تشكيل المجلس الجديد ليبدأ العمل البرلماني التشريعي والرقابي، فالشعب المصري ينتظر الكثير من البرلمان على جميع المستويات، وأن يكون المواطن المصري على رأس الأولويات دائما وتغليب المصلحة العامة للوطن والمواطن، ودعم وتلبية تطلعات الشعب المصري العظيم، وممارسة العمل الرقابي على أداء الحكومة بما ينعكس إيجابياً على المواطن في تحسين جودة الخدمات وتطوير وتحسين السياسات العامة لاستكمال جهود التنمية والبناء، فالمواطن اليوم لا ينتظر خطابات رنانة أو مناقشات نظرية بقدر ما ينتظر نتائج حقيقية تنعكس على حياته اليومية.
إن أول ما ينتظره الشارع من البرلمان الجديد هو الانحياز الواضح لقضايا المواطن المعيشية، وفي مقدمتها ضبط الأسعار، ومواجهة التضخم، وحماية الفئات الأكثر احتياجا، لتخفيف الأعباء عن المواطنين خاصة الفئات الأولى بالرعاية، وتعزيز جهود الدولة في توسيع مظلة شبكة الحماية الاجتماعية وتعزيز الأمن الاجتماعي، فالمواطن يريد أن يرى دوراً تشريعيا ورقابيا فاعلاً يساند جهود الدولة، ويضمن في الوقت ذاته عدم تحميل المواطن أعباء إضافية دون مبرر، مع تعزيز شبكات الحماية الاجتماعية وتحقيق قدر أكبر من العدالة في توزيع الأعباء، تنفيذاً لتوجيهات القيادة السياسية وسياسة الدولة في هذا الصدد.
كما يعلق الشارع آمالا كبيرة على البرلمان في تفعيل الدور الرقابي الحقيقي على الحكومة، ليس بهدف الصدام، وإنما بهدف التقويم والتصحيح بما ينعكس إيجابياً على إصدار قرارات إيجابية مدروسة تحقق الصالح العام وننحاز للمواطن وتساهم في تحسين جودة الخدمات، فالمواطن بات أكثر وعيا ويتابع بدقة ما يُطرح تحت القبة، وينتظر مساءلة جادة، وشفافية في مناقشة التشريعات والأدوات الرقابية ومتابعة المشروعات القومية، ومتابعة دقيقة لجودة الخدمات المقدمة في مجالات الصحة والتعليم والنقل والإسكان.
ومن بين الملفات التي تحظى بأولوية لدى الرأي العام، يأتي ملف التشريعات الاقتصادية والاستثمارية، وأن يكون البرلمان دورا بارزا في الرقابة على أي قرارات وسياسات اقتصادية، حيث ينتظر الشارع قوانين واضحة ومستقرة تشجع وتحفز الاستثمار وتساعد على إزالة التعقيدات والعقبات التي تواجه المستثمرين، وتدعم القطاع الخاص، وتفتح المجال أمام فرص عمل حقيقية للشباب، فالتشريع الجيد يعد أداة مباشرة لتحريك ودعم الاقتصاد وخلق فرص النمو، وهو ما يضع مسؤولية كبيرة على عاتق البرلمان في مراجعة القوانين القائمة وسد الثغرات التشريعية وقياس الأثر التشريعي للقوانين النافذة والإسراع في إعداد أجندة تشريعية لأهم القوانين الملحة التي تحتاج إلى تعديل تشريعي.
كذلك ينتظر المواطن من البرلمان الجديد الاقتراب الحقيقي من الشارع، من خلال نواب يمتلكون القدرة على التواصل مع المواطنين والاشتباك الإيجابي مع مشكلاتهم وقضاياهم، والاستماع لصوت المواطنين ومطالبهم واحتياجاتهم، ونقلها بصدق إلى دوائر صنع القرار، ليكون النائب صوتاً حقيقياً معبرا عن إرادة الناخبين وحاملا لهمومهم تحت القبة، فالنائب في نظر المواطن ليس مجرد مشرّع، بل حلقة وصل حقيقية بين الدولة والناس.
ولا يمكن إغفال تطلعات الشارع إلى تطوير التشريعات المرتبطة بحماية استقرار وتماسك المجتمع والحفاظ على القيم والمبادئ الأخلاقية، المرتبطة بالإعلام، والتحول الرقمي، وتنظيم الفضاء الإلكتروني، والذكاء الاصطناعي، والتصدي لمخاطر السوشيال ميديا، بما يحقق التوازن بين حماية المجتمع والحفاظ على القيم، وبين صون الحقوق الدستورية ومواكبة التطورات المتسارعة في عالم التكنولوجيا، فضلاً عن تشريعات مهمة مثل قانون الأحوال الشخصية وقانون الطفل وغيرها بما يعزز الاستقرار الأسري والتماسك المجتمعي.
وفي ظل المتغيرات الإقليمية والدولية، ينتظر الشارع من البرلمان أن يكون حاضراً بقوة في دعم السياسة الخارجية للدولة، وحماية الأمن القومي، والتعامل مع القضايا الإقليمية بوعي ومسؤولية، بما يعكس ثقل الدولة المصرية ودورها التاريخي في محيطها العربي والإفريقي، وبما يعزز دور وجهود الدبلوماسية البرلمانية ودورها في التفاعل مع سياسات الدولة الخارجية وتعزيز ودعم جهود الدولة في القضايا والملفات الدولية.
ختاماً.. الشارع المصري ينتظر من البرلمان دوراً كبيراً وفاعلا في الحياة السياسية والنيابية وأن يكون مؤثراً في الاستجابة لتطلعات المواطنين ومعبرا عن صوت المواطن وحماية حقوقه الدستورية، وأن تكون هناك رقابة قوية على أداء الحكومة بما يساعد على اتخاذ القرارات الصحيحة ويقوم أي انحراف عن المسار الصحيح.