في زمنٍ صار فيه الضجيج معيارًا للنجاح، وعلوّ الصوت بديلًا عن عمق المعنى، يبدو بعض المشاهد الإعلامية وليس كلها كعدّاءٍ فقد بوصلته، يسرع كثيرًا دون أن يعرف إلى أين يمضي.
وهنا يصبح مِنَ المشروع إعادة النظر في النموذج الإذاعي الذي جمع بين الترفيه والتهذيب، ونجح في تحقيق التوازن بين المتعة والمعنى.
نحن لا نطلب معجزة، ولا نخترع فكرة من فراغ. التجربة موجودة، والنجاح مُتحقِّق.
وكما أعادت قناة «ماسبيرو زمان» الاعتبار للصورة، فإننا نحتاج اليوم، وبإلحاح، إلى «راديو زمان»؛ محطة إذاعية تعيد بث تراثنا السمعي كما هو، بنفس روحه ونَفَسه، وبنفس احترامه للعقل واللغة.
يا سادة:
الراديو القديم لم يكن وسيلة تكميلية، بل كان مدرسة وعي يومية.
كان يدخل البيوت بلا اقتحام، ويجلس في القلب بلا استئذان.
لم يكن يلهث وراء الإثارة، بل كان يبني الذوق، ويُشكّل الحس، ويصنع علاقة صحية بين الإنسان والكلمة.
نحتاج أن تعود برامج مثل «غوّاص في بحر النغم»، لا لأن الموسيقى كانت أجمل فقط، بل لأن الاستماع نفسه كان فعلًا راقيًا.
كان البرنامج يعلّم المستمع كيف يسمع، كيف يفهم المقام، وكيف يحترم الصمت بين نغمتين.
نحتاج «أغرب القضايا»، حين كان الخيال يُحفَّز، والعقل يُستفَز، دون تهريج أو افتعال.
ونحتاج «اعترافات ليلية»، حيث عُرضت النفس البشرية بصدق، بلا فضيحة، وبلا متاجرة بالخطأ.
ونحتاج البرامج الموجّهة إلى ربات البيوت، حين كان الإعلام يعترف بدورهن الحقيقي في بناء الأسرة والوعي، لا بوصفهن جمهورًا استهلاكيًا عابرًا.
ونحتاج، قبل كل شيء، إلى البرامج التي صنعت أخلاقًا لا شعارات.
برنامج «قال الفيلسوف» لم يكن مجرد حكم تُقال، بل تجربة إنسانية كاملة، قُدّمت بأسلوب قصصي تمثيلي بسيط، بصوت الفنانة سميرة عبد العزيز والفنان سعد الغزالي.
ناقش الحب، والوحدة، والصمت، والاختيار، فكان يُهذّب دون وعظ، ويُربّي دون وصاية، ويترك أثره طويلًا في الذاكرة والسلوك.
ثم يأتي صوت لا يُنسى، الإذاعي الكبير : فاروق شوشة، في «لغتنا الجميلة»، فإنه لم يكن يدافع عن العربية، بل كان يُعيد تقديمها باعتبارها لغة حياة، لا لغة كتب فقط.
علّم أجيالًا أن الجمال اللغوي ليس ترفًا، وأن الكلمة مسؤولية.
وفي «صدفاتي»، كان الأدب يأتيك بهدوء، كأنه زيارة عابرة، لكنه يترك أثرًا عميقًا.
هذه البرامج لم تكن «محتوى» بالمعنى السائد اليوم، بل كانت مشروعًا ثقافيًا وأخلاقيًا.
لم تخاطب النخبة، ولم تُسطّح العامة، بل خاطبت الإنسان… كما هو، وكما ينبغي أن يكون.
وعلى إذاعة القرآن الكريم، ما زال برنامج «قطوف من خادمة الإيمان» يُذاع حتى اليوم، شاهدًا حيًا على أن الكلمة الصادقة لا تشيخ، وأن الخطاب الإذاعي الراقي قادر على البقاء مهما تغيّرت الأزمنة.
برنامج لا يصرخ، ولا يلهث، ولا يتاجر بالمشاعر، بل يقدّم المعنى في سكينة، ويُذكّر المستمع أن الإيمان ليس خطابة، بل حياة تُعاش.
وجود هذا البرنامج واستمراره حتى الآن رسالة واضحة:
أن الجمهور ما زال موجودًا، وأن الذوق لم ينقرض.
فإذا كان برنامج واحد، يُبث بهدوء وعلى وتيرة ثابتة، قادرًا على الصمود لعقود، فكيف بمحطة كاملة تُبنى على هذا المنهج؟
وكيف إذا اجتمعت فيها الحكمة، واللغة، والفن الذي يبني، والتجربة الإنسانية كما كانت؟
هنا تتأكد الفكرة من جديد:
بعض الأصوات كانت وطنًا… لأن الوطن هو ما يمنحك المعنى، لا الضجيج.
إن إنشاء «راديو زمان» اليوم ليس عودة إلى الوراء، بل تصحيح مسار.
ليس مشروع حنين، بل استثمار ذكي في الذاكرة السمعية والوعي العام، أثره ممتد، لا ينافس الحاضر، بل يُنقذه من التفاهة.
لسنا ضد الجديد، لكننا ضد الرديء.
لسنا أسرى الماضي، لكننا نرفض إعلامًا بلا جذور.
فالإعلام الذي ينسى تاريخه، يفقد صوته، ثم يفقد احترامه.
نريد إذاعة تحترم اللغة، وتُقدّر الصمت، وتثق أن الذوق الرفيع لا يموت.
إذاعة تُذكّرنا أن بعض الأصوات لا تشيخ، وأن بعض البرامج لا تنتهي صلاحيتها، وأن بعض الزمن، حين يعود، لا يكرر نفسه، بل يُصلح الحاضر.
نحتاج «راديو زمان»؛ حين كان للصوت رسالة، لا مجرد مساحة هواء تُملأ.