ليست المواصلات العامة مجرد وسيلة نصل بها إلى أعمالنا، بل تجربة يومية تُشكل حالتنا النفسية قبل أن نبدأ العمل. فالإنسان لا يصل إلى مقر عمله كصفحة بيضاء، بل يحمل معه أثر الرحلة بكل ما فيها من توتر أو هدوء، وحين يصل الموظف مُرهقًا كل صباح، فإن المشكلة لا تكمن فى ضعف أدائه أو قلة التزامه، بل فى ضغط مستمر تتجاهله المؤسسات.
هذه المعاناة ليست تجربة فردية؛ فهى تجربة يمر بها ملايين الركاب يوميًا فى وسائل المواصلات العامة المختلفة، حيث يجمعهم مكان واحد رغم اختلاف ثقافاتهم وسلوكياتهم. فالمواصلات لا تنقلنا من مكان إلى آخر فقط، بل تحمل معها أيضًا سلوكيات بعض الركاب، التى قد تتجاوز حدود "الحرية الشخصية" لتصل إلى مستوى الإزعاج الجماعى.
بينما يسعى كل راكب إلى راحته، تبرز بعض السلوكيات المألوفة حتى صارت جزءًا من الروتين اليومى، مكالمات هاتفية طويلة بصوت مرتفع تكشف تفاصيل الحياة الخاصة، قراءة بصوت مرتفع، أو حديث مستمر أحيانًا مع الغرباء، كلها تضيف عبئًا نفسيًا على من حولهم.
هذا بالإضافة إلى بعض الركاب الذين لا يتوقفون عن الحديث طوال الرحلة بل أحيانًا مع الغرباء، دون مراعاة للآخرين، فضلًا عن غياب التعاطف مع كبار السن أو المرضى، وقد نجد العنف اللفظى والانفعال السريع بين الركاب، كلها تجعل الرحلة أكثر إرهاقًا من الزحام نفسه.
وفى ظل انتشار هذه السلوكيات المزعجة، يصبح من الضرورى إعادة إحياء آداب استخدام المساحات المشتركة؛ فوسائل المواصلات العامة تفرض علينا مجاورة الآخرين، وهو ما يستدعى وعيًا جماعيًا، يقوم على احترام الهدوء والخصوصية، ويؤكد على أن المواصلات ليست مساحة للأحاديث أو كشف التفاصيل الشخصية، بل بيئة مؤقتة يتقاسم فيها الجميع حقهم فى الراحة.
ومن هذا المنطلق، تصبح الحرية الشخصية مرهونة بعدم إيذاء الآخرين أو التعدى على راحتهم؛ فالإيذاء لا يقتصر على الأذى المادى فقط، بل يمتد إلى الإزعاج الصوتى أو البصرى، الذى يترك أثرًا نفسيًا لا يقل أهمية.
ومع تكرار هذه المشاهد يومًا بعد يوم، لا يقتصر أثرها على لحظة التنقل فقط، بل يمتد إلى حياة الموظف المهنية، فبينما يستطيع بعض الركاب تحمّل هذه الضغوط بشكل عابر، يتضاعف تأثيرها على الموظفين الذين يقطعون مسافات طويلة يوميًا للوصول إلى أعمالهم. وهنا تتحول رحلة المواصلات من مجرد انتقال إلى عبء يومى، يُنهك الجسد، ويستنزف الوقت، ويضع الموظف أمام متطلبات أداء مهنى مرتفع، رغم ما يواجهه من إرهاق متكرر قبل أن يبدأ عمله.
إذ يصل الموظف إلى عمله بعد رحلة شاقة وهو أقل تركيزًا، يحمل شعورًا خفيًا بالإنهاك واللامُبالاة، وصبرًا أقل على تفاصيل العمل، مع استعداد أعلى للصدام أو الانسحاب، وشعور عام بالضيق وانعدام الأمان النفسى، هذه المظاهر لا تظهر فجأة، ولا تنشأ فى فراغ، بل هى نتيجة ضغط تراكمى يتكرر يومًا بعد يوم؛ ليصبح أحد الأسباب غير المرئية لتراجع أداء الموظف، وازدياد نسب الغياب، فضلًا عن انخفاض الدافعية نحو العمل.
إن تجاهل أثر الطريق يُمثل فجوة شائعة فى الفهم الإدارى ليوم العمل؛ إذ يُختزل الأداء فى ساعات المكتب، بينما تُغفل المراحل التى تسبق الوصول إليه، بما تحمله من ضغوط نفسية واستنزاف ذهني؛ فالإنتاجية لا تبدأ عند المكتب، ولا يمكن ترسيخ الانضباط أو الالتزام فى بيئة يصل إليها الموظف مُنهكًا منذ البداية.
ورغم ذلك، لا تزال كثير من السياسات الإدارية تتعامل مع الموظف وكأنه منفصل عن ظروفه، فتُحمل طريقه إلى العمل باعتباره "مسؤولية شخصية"، وتُصنف حالته النفسية على أنها "شأن خاص"، وتتعامل مع ضغوطه اليومية بوصفها "أعذاراً غير مهنية"، بينما الواقع العملى يؤكد أن بيئة العمل لا تبدأ عند باب المؤسسة، بل تمتد لتشمل كل ما يسبق العمل ويؤثر فيه بشكل مباشر.
وتوضح أبحاث علم النفس التنظيمى والصحة المهنية أن الضغوط التى يتعرض لها الإنسان قبل بدء يوم العمل تترك أثرًا مباشرًا على حالته النفسية وسلوكه داخل بيئة العمل؛ فالرحلات اليومية الطويلة والمجهدة، خاصة فى أجواء مزدحمة ومتوترة، ترفع مستويات التوتر والإجهاد الذهنى، وهو ما يُعرف بالإنهاك المبكر، هذا النوع من الإرهاق يتسلل تدريجيًا، فيُضعف القدرة على التركيز، ويقلل التحكم فى الانفعالات، ويجعل الفرد أكثر قابلية للتوتر أو الانسحاب.
كما تشير دراسات متعددة إلى أن الموظف الذى يبدأ يومه تحت ضغط مرتفع يكون أقل استعدادًا للتعاون، وأبطأ فى اتخاذ القرار، وأكثر عرضة للشعور بعدم الرضا الوظيفى، حتى فى بيئات عمل داعمة، لذلك، لم تعد رحلة العمل مسألة شخصية بحتة، بل عاملًا مؤثرًا فى جودة حياة العمل والأداء المهنى.
هذه النتائج العلمية تؤكد ضرورة أن تتبنى المؤسسات سياسات أكثر إنسانية، تعترف بأن الطريق جزء من يوم العمل، وذلك من خلال تبنى سياسات مرنة لمواعيد الحضور حيثما أمكن، إعادة النظر فى أنماط العمل (الهجين)، إدماج جودة التنقل ضمن مفهوم جودة حياة العمل، بالإضافة إلى دعم الصحة النفسية للموظف بوصفها استثمارًا لا رفاهية.
فى النهاية، يبقى الإرهاق الذى لا تراه المؤسسات أخطر من الإرهاق الذى تُشاهده؛ لأنه يتسلل بصمت، ويتراكم دون أن يُسجل فى تقارير أو يُناقش فى اجتماعات؛ فالطريق اليومى ليس تفصيلًا هامشيًا فى حياة الموظف، بل جزء خفى من يوم العمل، يُشكل حالته النفسية قبل أن يبدأ أداءه، وحين تُدرك المؤسسات هذا البُعد غير المرئى، فإنها لا تُظهر تعاطفًا فقط، بل تُمارس إدارة أكثر وعيًا، تُدرك أن الإنسان يصل إلى العمل محملًا بما سبقه، وأن رؤية هذا الإرهاق هى الخُطوة الأولى لمعالجته.
الدكتورة هويدا عزت
كاتبة وباحثة فى العلوم الإدارية وفلسفة الإدارة