أتمنى أن تتحسن الممارسات، وتصبح على قدر المسؤولية، المتمخضة عن تكليف تجاه خدمة هذا الوطن، الذي يحتاج لجهود متواصلة؛ من أجل استكمال مراحل النهضة والإعمار في شتى ربوعه؛ لذا لا أود أن تترجم كلماتي المختصرة على أنها تستهدف وأدَ الفرحةِ أو إخمادَ جذوتِها؛ لكنني أرغب في إلقاء الضوء على مشهد انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي؛ حيث تَمَّ تداولُ الصورة المراد منها التباهي بالانتساب لمؤسسات يقع على عاتقها مهام جسام؛ لذا أرغب في أن نستعرض سويًا ماهية الولاية العامة؛ كي نفقه الأدوار المنوطة بها، ونعمل على الإعداد المسبق لها، بما يساعدنا في تحقيق أهداف مرتقبة على المدى القصير والبعيد.
أعتقد أن ماهية الولاية العامة بمجالسنا النيابية تدور حول ميثاق غليظ، بين من يتولى المسؤولية والمجتمع؛ إذ يحرص على تنفيذ بنوده خلال فترة البقاء أو الاستمرارية المحددة بالدستور، وهذا يعني أن يتماهى المسؤول مع هموم وقضايا مجتمعه، ويعمل على إيجاد حلول لها، ويتابع عن كثب مجريات الأحداث؛ ليصبح في قلبها محيطًا بالتفاصيل الدقيقة، التي تمكنه من أن يقدم طلبات الاستجواب، ويلبي طلبات أقرها المشرع، ويسهم في سن تشريعات تزيد التعاملات الحياتية يسرًا، وتضبط إيقاع العمل المؤسسي، وتغلق أبواب المحسوبية، وتدحر سبل الفساد والإفساد، وتُقضى على إثرها مصالح العباد.
أرى أن الولاية العامة تحول خصوصية الحياة للفرد، إلى نمط من التجاوب والحراك المستمر بين أطياف المجتمع؛ كي يبرهن المسؤول عن وعيه بقضايا هذا الشعب؛ ومن ثم لا يتوقف العطاء، ولا تنضب رؤى التحسين والتطوير والإعمار، ولا يحد من تقديم الخدمات؛ فمؤسسات الدولة قاطبة مسؤولة عن تلبية الاحتياجات المجتمعية بصورة مستدامة؛ ومن ثم يأتي الدور الرقابي الذي يقع على عاتق من تولى المهمة؛ إذ يرصد مواطن الضعف، وأوجه القصور، وأنماط التحديات؛ ليضع تصورات بناءة وإجرائية كمقترحات تناقش تحت القبة، ويتخذ حيالها الإجراءات الناجزة.
فقه الولاية العامة من وجهة نظري، يعني تعزيز أطر الثقة بين الشعب ومؤسساته الوطنية، من خلال تعامل يتسم بالنزاهة والشفافية، ولا يقوم على تحقيق مصالح خاصة تضير بمقدرات الدولة والمجتمع على السواء، وهذا يتناغم مع فكرة أن تدبير المصالح يقوم على وكالة شرعية، تقتضي الإقرار الصريح ببذل جهود مضنية متواصلة؛ من أجل منح النائب الثقة، وتفوضه في حمل أمانة ثقيلة، تدل دون مواربة على سُدة المسؤولية، وبالتالي مجال التباهي والتفاخر، يكمن في تحقيق الأهداف المتضمنة بالبرنامج الانتخابي، الذي أعلن سلفًا عبر المنابر المختلفة.
تربينا على مسلمة تورث في النفوس الرضا، وتزيد الوجدان رقيًا، وتزرع في الأفئدة محبة خالصة؛ ألا وهي سيد القوم خادمهم؛ ومن ثم يستشعر المسؤول بالحمل الثقيل، والهموم الملقاة على كاهله؛ فلا مجال للرفاهية، ولا مكان للراحة، ولا باب يطرق للاستغلال؛ فقد منحت له الحصانة؛ كي يجرؤ على قول الحق، ويقدم على محاربة ومجابهة صور الفساد، وليس من قبيل الإعفاء من المساءلة، أو تجنب النقد، أو النفوذ الذي يميزه عن سائر البشر من أبناء الشعب.
لدينا ما يستحق الاهتمام، ولا نمتلك رفاهية الوقت، في تنفيذ أجندتنا الوطنية؛ ومن ثم ينبغي على من تحمل الولاية العامة وتبعاتها، أن يستعرض ما لديه من رؤى ثاقبة تساعد في استكمال مراحل مشروعاتنا القومية، وتخفف من الضغوط المعيشية الواقعة على كاهل المواطن البسيط، وتفتح مسارات جديدة للتنمية في إطارها المستدام، وبالطبع يتوجب أن يكون الإبداع حليف صاحب التصور؛ كي يصبح أداة بناء في فترة حرجة، تحتاج من الجميع الاصطفاف خلف الوطن، والقيادة السياسية الرشيدة، والمؤسسات الوطنية.
نتطلع من ذوي الولاية العامة، أن يجافي النوم جفونهم، ويبذلوا أقصى ما في الجهد؛ كي يعبروا عن إخلاص ووطنية وانتماء للوطن، ولشعب أصيل له، آمال وتطلعات تستهدف بلوغ الحياة الكريمة، وأن تكون لهم بصمة تخلدها الذاكرة الوطنية؛ حينئذ يصبح التباهي والفخر مستدامًا، تعبر عن ألسنة القلوب الصادقة.. ودي ومحبتي لوطني وللجميع.