التحولات المتسارعة التى تجرى فى العالم ليست منفصلة عن تطورات وتغييرات كمية سبقت واستمرت وتفاعلت طوال سنوات وربما عقود، وهى تحولات ربما لا تمنح فرصة للتحليل أو الالتفات، لأن كل نقطة تسلم لما بعدها بسرعة وعمق، يجعل من الضرورى للدول الواعية أن تعيد النظر فيما يحدث، وتحاول تفهم حجم التغيير الواقع، بعيدا عن التفسيرات الأحادية التى قد تكون مريحة، لكنها لا تفسر ما يحدث، وربما يكون ما يحدث فى فنزويلا أو إيران، وما تشهده دول إقليمية هو نتاج تفاعلات مستمرة وعلاقات وحروب بالوكالة، بل إن ما هو معلن يختلف فى العلاقات عما هو خفى.
ما يجرى فى العاصمة الإيرانية طهران ومدن الجمهورية الإسلامية هو تغيير كيفى بعد تراكمات كمية وانتفاضات متنوعة فى 2009، ثم 2018، اكتفى النظام وقتها باتهام جهات خارجية، وطبعا بالفعل، فإن الولايات المتحدة تتدخل وتدعم أو تتواصل، وفى هذه المرة، إسرائيل وجدتها فرصة لإعلان تدخلاتها، وهو ما يمنح النظام فى طهران حجة مدعومة إعلاميا بأن هناك جهات خارجية، ومع هذا فإن الاكتفاء بالتفسير الخارجى وحده لا يكفى لتفسير وفهم هذه التحركات، ولا يمكن اعتبار كل هذه الملايين خونة وعملاء، وإذا كانوا كذلك، فإن تجنيد كل هذا العدد يمثل ثغرة تحتاج إلى الفهم.
هناك هتافات تتحدث بشكل واضح عن إهدار ثروات الشعب الإيرانى على منظمات ووكلاء خارج إيران، بينما يواجه المواطن الأسعار والتضخم ونقص السلع، ثم إن هذا النفوذ الذى كان انهار تقريبا بعد ما تكرمن قصف واغتيالات لحزب الله، وإخراج إيران من سوريا فى أعقاب إطاحة الأسد، والحوثيين ما زالوا يواجهون بالفعل ضربات متوقع أن تؤثر فى بنيتهم وأيضا تفتح مجالات للتدخل فى التشابكات الإقليمية.
من هنا يصعب أم لم يكن مستحيلا، الاكتفاء باتهام عملاء أمريكا بأنهم وراء الانتفاضة الضخمة التى تبدو أكبر وأكثر اتساعا عما كان فى المرات السابقة، بجانب أنها تتعلق ليس فقط بمطالب سياسية ومواجهة الاحتكار والفساد، ولا تتعلق بالحريات، لكنها تتعلق بالاقتصاد والتضخم والغلاء والتردى والجفاف، بما يشير إلى أن الفشل هو ما كشف عن هذا كله مع بعضه، فانهيار النفوذ بالخارج فى لبنان وسوريا والعراق نسبيا، وحتى فنزويلا، فقد أعلن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب مصادرة أنشطة ومصانع واستثمارات إيرانية بمئات المليارات، مما يضاعف من الأزمة الاقتصادية بإيران، ويجعل من الصعب تلافى التأثيرات الاقتصادية الضخمة.
الشاهد أن ما كان ينفع فى الخمسينيات والستينيات من القران العشرين، من مراجعة بين الدول المستقلة وعدم الانحياز وبين الولايات المتحدة، كان ضمن حرب باردة محسوبة، ووجود معسكرين كبار يستقطبان القوى الناشئة، بمعنى أن نحارب دولا مثل مصر وأفريقيا وكوبا وشرق أوروبا كانت ضمن توازنات القوة بين الكتلتين السوفيتية والأمريكية، وكان من ضمن التوازن قيام أقطاب وقدرات على التنمية أو الاقتصاد، لكن الواقع أن الجمهورية الإيرانية، منذ بداية الثمانينيات من القرن العشرين، تلعب ضمن معسكرات تتراجع هى نفسها، ولم تكن ضمن المعسكر السوفيتى، ومع انتهاء الحرب الباردة، تواجه حضارات نجحت فى مقاومته، لكنها اتجهت لشراء النفوذ، واتفقت على هذا كثيرا من دون عوائد أو نتائج، واكتفى النظام بالصمود الإقليمى، بينما كان الداخل يواجه إفراغا وثغرات وصلت ذروتها مع الحرب فى غزة، حيث تم تنفيذ اغتيالات داخل إيران لعلماء نوريين وسياسيين ضيوف مثل إسماعيل هنية، ثم توالت الضربات لحزب الله وطرد طهران من سوريا، الأمر الذى كشف عن ضعف واضح فى البنية الداخلية اجتماعيا واقتصاديا، وفراغ صبر المواطنين من نظام حكم لا يحل بالداخل أو الخارج، وينفق على شراء نفوذ فارغ، وبالتالى فإن الدولة لو كانت قوية من الداخل، وقادرة على موازنة النفوذ الإقليمى بالتوازن الداخلى، وتلبية حاجات ومطالب المواطنين، ربما لاستطاعت التقاط نقاط الضعف والثغرات التى اتسعت وتكشفت بسرعة، ولم تكن هذه هى صورة إيران قبل سنوات، ومع الاختلاف، هناك تشابه بين ما تكشف فى إيران، وما جرى للاتحاد السوفيتى السابق، الذى كان يبدو قويا بينما يتم إفراغه من الداخل بشكل متواصل، وعندما وقع التفكك جرى بسرعة، وبشكل كان من الصعب إنقاذه، وفى حالة إيران كان محمد خاتمى هو الفرصة الأفضل، لكن تمت واجهته بعنف وإغلاق فرصة كان من الممكن أن تعيد إحياء النظام، الذى كان قيامه بمثابة زلزال، وله توابع، قد يتكرر الأمر فى حال العجز عن تفهم اللوغاريتمات، التى تمثل تحولا فى العالم كله، لإيران ولغيرها، حيث لا يمكن الاكتفاء بإجابات مريحة عن أسئلة صعبة.