لا تزال قضية الذهب الفنزويلي في بنك إنجلترا تشغل الصحف الدولية والدوائر السياسية منذ أكثر من خمس سنوات، إذ تتعلق بـ 31 طنًا من الذهب تمثل جزءًا مهمًا من احتياطيات البنك المركزي الفنزويلي، والمحتفظ بها في العاصمة البريطانية منذ عقود، هذه الأطنان الذهبية، التي كانت تقدر قيمتها في عام 2020 بحوالي 1.95 مليار دولار، تجاوزت قيمتها اليوم 4.4 مليار دولار بسبب ارتفاع أسعار المعدن النفيس عالميًا، وتبقى محورًا لمعركة قانونية مستمرة بين حكومة نيكولاس مادورو والمعارضة الفنزويلية في المحاكم البريطانية.
اعتقال مادورو
بعد العملية العسكرية الأخيرة في 3 يناير، والتي أسفرت عن القبض على مادورو وزوجته، شدد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب على أن اهتمامه الأساسي هو الوصول إلى الاحتياطيات النفطية الضخمة لفنزويلا، لكنه أشار أيضًا إلى الموارد الأخرى مثل الحديد و الفحم والبوكسيت، و النحاس، و الكولتان، و الألماس، والذهب.
بداية المعركة ..
بدأت الأزمة في عام 2018، عندما حاولت حكومة مادورو سحب الذهب من بنك إنجلترا لتمويل مواجهة أزمة السيولة التي ضربت الاقتصاد الفنزويلي نتيجة انخفاض إنتاج النفط والعقوبات الدولية المفروضة من الولايات المتحدة وأوروبا، لكن البنك رفض تسليم الذهب، مشيرًا إلى شبهات حول شرعية السلطات الفنزويلية بعد إعادة انتخاب مادورو في مايو 2018، التي لم تعترف بها أكثر من 50 دولة، بما في ذلك المملكة المتحدة.
في يناير 2019، أعلنت المعارضة الفنزويلية، التي كانت تسيطر على البرلمان، أن الرئاسة "شاغرة"، وتولى رئيس البرلمان خوان جوايدو منصب الرئيس المؤقت، معترفًا به من عدة حكومات دولية، بما فيها لندن. وبناء على ذلك، شكلت المعارضة لجنة إدارة للبنك المركزي الفنزويلي (BCV)، ومنعت تسليم الذهب لموظفي إدارة مادورو، لتبدأ حينها معركة قانونية معقدة في المحاكم البريطانية.
حتى اليوم، لم يصدر أي حكم نهائي من المحكمة البريطانية، ويظل الذهب محفوظًا في بنك إنجلترا، في انتظار تحديد من هي السلطة الشرعية المخولة بالتحكم بالاحتياطيات. وفقًا لمحامي BCV، سروش زاوالا، فإن القضاة البريطانيين مستقلون تمامًا ولا يتأثرون بالسياسة أو تصريحات الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، الذي أبدى اهتمامًا بالموارد الفنزويلية، لا سيما النفط والمعادن النفيسة.
الذهب 20% من ميزانية فنزويلا 2026
الذهب الفنزويلي في بنك إنجلترا يمثل حوالي 20% من ميزانية فنزويلا لعام 2026، والتي تُقدر بـ19.9 مليار دولار. استمرار احتجازه يشكل ضغطًا كبيرًا على الحكومة الفنزويلية الجديدة، حيث أن أي قرار لتحرير الذهب يحتاج إلى تحديد السلطة القانونية الشرعية أولًا، وهو أمر معقد بسبب عدم اعتراف لندن رسميًا بالحكومة الحالية بقيادة ديلسي رودريجيز.
هذا الوضع جعل الذهب المحجوز في لندن من أكثر الأصول الأجنبية أمانًا للفنزويليين، على الرغم من أنه كان مصدر قلق منذ أيام الرئيس الراحل هوجو تشافيز، الذي أمر في 2011 بإعادة جزء كبير من الذهب إلى فنزويلا كإجراء سيادي لحماية الاحتياطي الاقتصادي الوطني. لكن 31 طنًا بقيت في لندن، ما أثبت فاعلية الاحتفاظ بها في مؤسسات مالية مستقرة بعيدًا عن الأزمات السياسية المحلية.
الذهب أداة سياسية
المعارضة، بقيادة خوان جوايدو سابقًا، استخدمت هذا الذهب كأداة سياسية، معتبرة أن حكومة مادورو لا تملك الشرعية للتحكم في الاحتياطيات. ومنذ عام 2023، يتابع القضاء البريطاني القضية في المحكمة التجارية في لندن، المسؤولة عن النزاعات التجارية الدولية المعقدة، إلا أن أي نشاط فعلي من الأطراف توقف بسبب عدم دفع مادورو للتكاليف القانونية المفروضة سابقًا.
في ظل هذه المعطيات، تشير جميع المصادر القانونية والخبراء الاقتصاديين إلى أن فرص فنزويلا في استعادة الذهب على المدى القريب منخفضة جدًا، لأن أي خطوة نحو الاستلام تتطلب اعترافًا رسميًا من الحكومة البريطانية بالسلطة التنفيذية في كاراكاس، وهو أمر بعيد المنال في الوقت الحالي.
يبقى الذهب الفنزويلي في لندن رمزًا للصراع الطويل بين الشرعية السياسية والاستثمارات الاستراتيجية للبلاد، ويشكل أيضًا درسًا عن أهمية التخطيط للمحافظة على الاحتياطيات الوطنية في مواجهة الأزمات الدولية والسياسات الخارجية المعقدة.