شحاتة زكريا

الجمهورية الجديدة.. مشروع دولة أم تحدي مجتمع؟

الأحد، 11 يناير 2026 04:35 ص


لم يعد مصطلح الجمهورية الجديدة  مجرد شعارٍ سياسي يتردد في الخطب أو عنوان لمرحلة انتقالية بل أصبح سؤالا مفتوحا يفرض نفسه على الوعي العام: هل نحن أمام مشروع دولة يعاد بناؤه على أسس مختلفة أم أمام تحد مجتمعي قاس يختبر قدرة الناس على التكيف والصبر والمشاركة؟ هذا السؤال لا يطرح بدافع التشكيك بل بدافع الفهم لأن اللحظات الفاصلة في تاريخ الأمم لا تقرأ بالشعارات وإنما بميزان الواقع وتأثيره في حياة البشر.


منذ أن أعلنت الدولة المصرية الدخول في مرحلة الجمهورية الجديدة بدا واضحا أن هناك إرادة سياسية لإعادة صياغة بنية الدولة الحديثة بنية تقوم على تحديث البنية التحتية وتطوير مؤسسات الدولة وإعادة الاعتبار لمفهوم التخطيط طويل الأمد بعد عقود من الإدارة بالأزمات. طرق جديدة مدن ذكية مشروعات قومية عملاقة وإعادة تموضع اقتصادي وسياسي في محيط إقليمي ودولي شديد الاضطراب. على مستوى الدولة تبدو الصورة واضحة المعالم: بناء تحديث واستعداد لمستقبل لا يعترف بالدول المترددة.


غير أن الدولة مهما بلغت قوتها لا تبنى بالخرسانة وحدها ولا تقاس فقط بعدد المشروعات أو حجم الإنفاق. فالتحدي الحقيقي لأي مشروع وطني كبير يكمن في الإنسان في قدرته على الفهم والمشاركة والتحمل وفي شعوره بأن ما يجري ليس مفروضا عليه بل يصنع من أجله وبمشاركته. وهنا تحديدا يتحول مشروع الدولة إلى اختبار للمجتمع.


الواقع الاقتصادي الراهن يضع هذا الاختبار في قلب المشهد. ضغوط عالمية غير مسبوقة تضخم أزمات سلاسل الإمداد وتداعيات صراعات إقليمية ودولية انعكست مباشرة على حياة المواطن. المواطن البسيط لا يرى المؤشرات الكلية بقدر ما يشعر بتفاصيل يومه: أسعار، دخول، أعباء معيشية متزايدة. وبينما تتحدث الدولة بلغة الأرقام والخطط يتحدث المواطن بلغة الاحتياج والقلق المشروع. هذا التباين في اللغة لا يعني بالضرورة تعارضا في الهدف لكنه يكشف فجوة تحتاج إلى إدارة واعية.

الجمهورية الجديدة بهذا المعنى ليست فقط مشروع بنية تحتية أو إصلاح اقتصادي بل مشروع وعي في المقام الأول. وعيٌ يدرك أن الإصلاح المؤلم قد يكون ضرورة لكنه لا يتحول إلى عبءٍ نفسي واجتماعي إلا إذا غابت عنه الشفافية والمصارحة. فالناس لا ترفض الصعوبات حين تفهم أسبابها لكنها ترفض الغموض حين يطول وتخشى الصمت حين لا يصاحبه أمل واضح وفي هذا السياق تبرز أهمية الدور الاجتماعي للدولة لا كمنة بل كجزء أصيل من فلسفة البناء. شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الفئات الأكثر تضررا ليست إجراءات هامشية بل صمامات أمان تحفظ تماسك المجتمع خلال فترات التحول الصعبة. فالجمهورية الجديدة لا يمكن أن تنجح إذا شعر جزء من المجتمع أنه يترك وحيدا في مواجهة العاصفة.


كما أن الرهان على وعي المواطن يفرض بدوره مسؤولية متبادلة. فكما يُطالب المواطن الدولة بتحسين شروط الحياة تُطالب الدولة المواطن بالالتزام والعمل والمشاركة الإيجابية. التحدي هنا ليس في المطالب بل في إدارة العلاقة بين الطرفين على أساس الثقة لا الوصاية وعلى أساس الشراكة لا الإملاء. فالدول القوية لا تدار بالخوف بل بالاقتناع ولا تستقر بالقوة وحدها بل بالرضا العام.


وفي توقيت عالمي مرتبك حيث تتهاوى نماذج اقتصادية وتعيد دول كبرى حساباتها تصبح قدرة مصر على الصمود وإعادة التموضع إنجازا لا يمكن إنكاره. غير أن هذا الصمود يحتاج إلى ترجمة ملموسة في حياة الناس وإلى خطاب سياسي وإعلامي يحسن شرح التحديات دون تهوين أو تهويل. فالإعلام هنا شريك في المعركة معركة الوعي التي لا تقل أهمية عن معارك الاقتصاد والسياسة.

 

الجمهورية الجديدة في جوهرها ليست سؤالا من نوع إما هذا أو ذاك. فهي مشروع دولة بالفعل لكنها في الوقت نفسه تحدي مجتمع بامتياز. نجاحها مرهون بقدرة الدولة على الاستمرار في الإصلاح مع مراعاة البعد الإنساني وبقدرة المجتمع على التفاعل الواعي مع مرحلة استثنائية تتطلب صبرا وفهما ومشاركة في النهاية لا تقاس لحظات التحول الكبرى بنتائجها السريعة، بل بقدرتها على تأسيس مستقبل أكثر توازنا وعدالة. والجمهورية الجديدة لن تكتب لها الاستمرارية إلا إذا تحولت من فكرة تُدار من أعلى إلى قناعة يعيشها الناس في تفاصيل حياتهم. حينها فقط، لن يكون السؤال: مشروع دولة أم تحدي مجتمع؟ بل سيكون الجواب: مشروع دولة نجح لأنه كسب رهانه على المجتمع.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة