هناك أماكن لا تُقاس بالمسافة، بل بما تتركه في القلب، وباب 79 في الحرم المكي واحد من تلك الأماكن التي لا تمر عابرة في الذاكرة، بل تستقر فيها كيقين.
لحظة أن ترفع رأسك، وتقرأ الرقم، تدرك أنك على بُعد خطوات من الكعبة المشرفة، وأن الطريق، مهما طال، قد اختصر نفسه فجأة في أمتار قليلة.
عند هذا الباب، تتغير الإيقاعات، الخطوات تهدأ، والأنفاس تصبح أكثر وعيًا، والروح تسبق الجسد.
نسيم بارد يلامس الوجه، كأنه رسالة طمأنينة، ورائحة عطر الكعبة تتسلل دون استئذان، فتوقظ في القلب شوقًا نائمًا منذ زمن.
يصدح الأذان، فلا يبدو مجرد نداء للصلاة، بل نداء للرجوع إلى الذات، إلى الصفاء الأول، إلى المعنى الذي أرهقته الحياة.
باب 79 ليس مجرد رقم محفور على مدخل، بل ذاكرة جمعية لكل من مروا من هنا محملين بالدعاء، مثقلين بالهم، أو خفافًا بفرح لا يعرفون سببه.
عنده، تتساقط أثقال الأيام دون جهد، وكأن الحياة، بكل ما أفسدته من الداخل، تجد إصلاحها الكامل في هذه الوقفة الصامتة أمام بيت الله.
كم من قلب جاء مكسورًا، وخرج مطمئنًا، وكم من دعاء خافت وُلد عند هذا الباب، ثم شق طريقه إلى السماء.
هنا، لا تحتاج إلى صياغة معقدة للكلام، فالنوايا تتكفل بالباقي، والدموع تفهم طريقها جيدًا، كل شيء يبدو أقرب، أبسط، وأكثر صدقًا.
باب 79 يعلّمك أن بعض الأماكن لا تُزار، بل تُشتاق، وأن الحنين قد يكون عبادة صامتة، وأن الروح، مهما تاهت، تعرف طريقها جيدًا حين تناديها مكة.
تشتاق القدم قبل أن تتحرك، ويحن القلب قبل أن يرى، ويبقى الدعاء معلقًا بين السماء والأرض، ينتظر وعد العودة.
اللهم إن الروح تشتاق، والقدم تحن، فاكتب لنا عودة، واجعل لنا من هذا الباب نصيبًا، وتيسيرًا، وطمأنينة لا تزول.