د. خالد عزب

المكتبات بين المماليك والعثمانيين

الأحد، 11 يناير 2026 10:23 ص


صدر في القاهرة الترجمة العربية لكتاب "المكتبات في الدولة العثمانية" عن أركان للدراسات والأبحاث والنشر، وقد قام بالترجمة العالم الجليل الدكتور أحمد نجم، وهو مترجم ومؤلف قدير. الكتاب من تأليف إسماعيل أونصال، الذي قضى ثلاثين عامًا من البحث والدرس ليقدّم لنا هذا العمل، والذي صدر في عدة طبعات باللغتين التركية والإنجليزية. ويُعدّ الكتاب مراجعة شاملة وإعادة بناء لتاريخ المكتبات في الحضارة الإسلامية، مركزًا على المكتبات في الدولة العثمانية، لكنه يثير لدينا عدة تساؤلات متعلقة بتاريخ المكتبات ومشاركة الباحثين العرب على الصعيد الدولي في هذا المضمار.

فالدكتور السيد النشار، أستاذ المكتبات في جامعة الإسكندرية، قدّم لنا كتابًا رائعًا عن المكتبات في العصر المملوكي، وهو كتاب قيّم صدر عن الدار المصرية اللبنانية. كما أن رائد المكتبات والوثائق الدكتور عبد اللطيف إبراهيم، رحمه الله، قدّم لنا عددًا من الدراسات القيمة عن مكتبات العصر المملوكي. لكن تظل عزلة المدرسة المصرية عن تيارات الدراسات الإنسانية الدولية سببًا في أن الدراسات المصرية لا تلقى نصيبها من الرواج.

نعود إلى كتاب "المكتبات في الدولة العثمانية"؛ إن أهم ما نستنتجه من مادة الكتاب أن الإدارة الصارمة لهذه المكتبات حفظت لها كنوزها من المخطوطات، فلم يُسرَّب منها إلا النزر اليسير إلى الخارج، عكس ما حدث في معظم دول العالم الإسلامي. ولعل أهم وظيفة تعرض لها الكتاب هي وظيفة حافظ الكتب، وكان يُطلق عليه أمين المكتبة، وخازن الكتب، والكتابجي. ومن المدهش أن التوصيف الوظيفي له كان دقيقًا في الوقفيات، وكان لا بد أن يكون من العلماء حتى تكون له دراية بالكتب وقيمتها. فمن شروطه أن يكون «متدينًا ومؤمنًا وأمينًا»، ويجب عليه أن يكون «العارف بأسماء الكتب المعتبرة، الواقف على تفصيل الكتب التي يحتاجها المدرس والمعيد والمستفيدون». واعتبارًا من القرن الثامن عشر الميلادي، كان مؤسسو المكتبات قد وفّروا منزلًا لحفّاظ بعض المكتبات بجوارها لسكنهم، وذلك بقصد تسهيل وتأكيد فتح المكتبة بشكل منتظم. وكان للحافظ معاون يساعده، كما كان بكل مكتبة كاتب يُقيّد الكتب، وهو ما يُعرف اليوم بوظيفة مفهرس الكتب. ومن الوظائف المهمة في بعض المكتبات العثمانية «المجلِّد»، الذي كان يتولى صيانة الكتب، أي ترميمها، وبمصطلح الوقف «يعمرها».

ولكي نلقي الضوء بصورة واضحة على مكتبات العصر العثماني، فلا بد من مراجعة هذه المكتبات، لكننا على عكس المؤلف سنذهب إلى ما قام به الباحث السوري الدكتور محمود دغيم، الذي أفنى حياته في إصدار فهارس لمخطوطات مكتبات إسطنبول، وأبرزها مكتبة السليمانية ومكتبة راغب باشا. والمثير أنه قدّم لنا عبر فهارسه مئات المخطوطات المصرية المحفوظة بها، وهو ما يُعد إضافة لمعارفنا عن الإنتاج العلمي المصري في العصرين المملوكي والعثماني.

وعلى الرغم من روعة الكتاب، فإننا لم نجد به ما يشير إلى المكتبات في القاهرة في العصر العثماني، وهو مجال عمل عليه عدد من الباحثين مثل الدكتورة نللي حنا. لكن أيضًا فإن الإنتاج المعرفي في الأزهر الشريف في هذا العصر يستحق الكثير، ويبرز منه «قاموس تاج العروس»، الذي يُعد تاج المعرفة في مصر في هذا العصر. وعلى كونه مرجعًا أساسيًا، إلا أن مؤلفه سرعان ما أكمله بذيل من عدة مجلدات، حرص مجمع اللغة العربية في القاهرة على نشره.

وتميّز كتاب "المكتبات في الدولة العثمانية" بعدم تركيزه على عاصمة الدولة العثمانية ومكتباتها، بل نراه يتطرق إلى المكتبات خارجها وانتشارها، وهو ما يرى فيه المؤلف تعبيرًا عن زيادة نسبة القراءة والكتابة، وهو ما أوافقه عليه. ففي مصر، على سبيل المثال، شهدت مدنها مكتبات في مدن متوسطة كانت تقرأ، على غرار المخطوطات التي وُجدت في جامع طايل بمدينة فُوّة. لكنه ذكر لنا أنه في رشيد بمصر يوجد عدد من الكتب في مكتبة جامع المحلي، كان عددها يقترب من ألفي مخطوط. وكان إبراهيم المناديلّي من حفّاظ هذه المكتبة قد أرسل كتابًا إلى شيخه إبراهيم الدمنهوري، أحد شيوخ الجامع الأزهر، المتوفى سنة 1788 ميلادية، يسأله فيه عن كيفية إدارة المكتبة، فأرسل شيخه خطابًا يخبره فيه بنصائحه في هذا الموضوع. لكن ما يُبهر في الكتاب هو ذكره تبرّع السلطان مراد الثالث لمدرسة الوزير حسن باشا في بغداد سنة 1008هـ / 1600م.

إن الطفرة التي تُحسب للدولة العثمانية هي أنها أول حضارة بنت مكتبات في بنايات مستقلة، ولها كادر وظيفي لا يشغل مناصب أخرى، أي متفرغ لها، وبراتب أعلى. وتُعد مكتبة كوبريللي أولى النماذج للمكتبات المستقلة، وأول نماذجها مكتبة كوبرولو، التي أسسها فاضل أحمد باشا بن كوبرولو، وكان شغوفًا بالكتب، فأنشأ مكتبة بجوار ضريح والده. واحتوت المكتبة على الكثير من المؤلفات النادرة والقيمة، وجمع لها كتبًا من القاهرة وحلب ودمشق والحجاز، ليوقف عليها أخوه فاضل مصطفى باشا وقفية، ظهر بها الكادر الذي سيدير المكتبة واختصاصاته، فضلًا عن أن المكتبة فتحت أبوابها لراغبي المعرفة والعلم. وكانت هذه المكتبة نقلة نوعية في تاريخ المكتبات في العالم، لذا أفرد لها المؤلف صفحات.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة