يعد كتاب "القرآن محاولة لفهم عصرى" الذى صدر سنة 1969 من الكتب المهمة للدكتور مصطفى محمود، ولهذا الكتاب ذكرى على نفسى، لأنه أول كتاب تقريبا أقرأه فى حياتى، ولأننى فهمته دون مشقة أو بذل جهد كبير فقد علق فى ذهنى، وأكاد أستظهره رغم كر السنين وتواليها.
ومن ضمن ما عرضه الدكتور مصطفى فى هذا الكتاب، قضية الحرية، وهى القضية التى ناقشها وخاض فيها المسلمون الأوائل تحت مسمى "الجبر والاختيار" بمعنى: هل الإنسان مخير أم مسير؟
انقسمت الآراء حول هذه القضية، فهناك فرقة "الجبرية"، التى تنفى الفعل حقيقة عن العبد، وإضافته إلى الله عز وجل، وليس له مما ينسب إليه من الأفعال شىء؛ إذ العبد لا يوصف بالاستطاعة، وإنما هو مجبور فى أفعاله لا قدرة ولا إرادة ولا اختيار، إنما يخلق الله سبحانه وتعالى الأفعال فيه على حسب ما يخلق فى سائر الجمادات.
إذن الجبرية ترى أننا مثل الجمادات فى الأفعال، وإذا كانت الجمادات لا تحاسب على أفعالها لأنها ليست مسئولة، فنحن كذلك لا نحاسب على أفعالنا، لأننا لسنا المسئولين عنها، وإنما الله عز وجل هو خالق تلك الأفعال فينا، والإنسان لا يسير بإرادته فهو ليس حرا وإنما مسير من قبل الله سبحانه.
وقالوا إن أول من دعا إلى مسألة الجبر هذه "الجعد بن درهم"، وتلقاها عنه "الجهم بن صفوان" وإليه تنسب فرقة "الجهمية" ومن مذهبهم أيضا: أن الجنة والنار تفنيان، وأنه لا شىء من الأشياء يكون خالدا.
على النقيض تماما من هذه الفرقة تأتى فرقة "القدرية" فقالوا: إن كل فعل للإنسان هو إرادته المستقلة عن إرادة الله سبحانه وتعالى، وقد وافقهم المعتزلة فى هذا الرأى، ولا غرو فى ذلك فالأصل الثانى عندهم (المعتزلة) هو العدل، وهو يعنى أن الله سبحانه وتعالى عادل، وأن عدله اقتضى أن يجعل الناس يخلقون أفعالهم، أما هو فلا يخلق تلك الأفعال، ومادام الإنسان يخلق أفعاله فهو مسئول عنها من خير وشر، يثاب لفعله الخير ويعاقب لاقترافه الشر، وبذلك فالمعتزلة يخالفون الجبرية تماما. وما قالوا هذا إلا لأنهم أرادوا أن يقيموا الحجة على عدل الله، فالإنسان تصدر عنه المعاصى والشرور فهل الله خالق تلك المعاصى والآثام، من أجل هذا يطلقون على أنفسهم لقب "أهل العدل".
ومن دعاة القدرية يأتى "معبد الجهنى" على رأسهم الذى تولى الدعوة فى العراق، ويليه "غيلان الدمشقى" الذى دعا إليها فى دمشق.
كان هذا تناول المذهبين فى مسألة الحرية، فماذا كان تناول الدكتور مصطفى محمود فى كتابه هذا؟ وماذا تعنى الحرية عنده؟ وهل الإنسان مخير أم مسير؟
تعد الحرية فى العصر الحاضر بابا من أبواب الإلحاد إذا لم نفهمها على حقيقتها، فإنسان هذا العصر إذا آمن أنه مسلوب الإرادة والفعل وأن كل أفعاله من عند الله عز وجل، فلماذا يدخله النار إن فعل الشر، فكل شىء يجرى فى حياته بمشيئته هو سبحانه، فما ذنب هذا الإنسان؟ بل لماذا تتم المحاسبة من الأساس؟
يرى الدكتور مصطفى محمود أن الإنسان يختلف عن نظام الكون (أرض، وسماء، ونجوم...) الذى يسير بنظام محكم من قبل الله، لكن الإنسان هو وحده الحر المتمرد الثائر على طبيعته وظروفه ولهذا يصطدم بالعالم ويصارعه.
الإنسان يمتلك قدرة داخلية على التملص من الـ "لابد" واللازم والضرورى والمحتوم، فإرادة الإنسان لها الحرية فى أن تخلَّ بأى تعاقد لأنها منطقة حرة بالفعل.
لكن حرية الإنسان تلك ليست مطلقة أو منطلقة فى طريقها إلى آخر الشوط، بل لابد من أن تصطدم ببعض القيود، هناك "فرامل" تكبح من جماحها، أول هذه "الفرامل" التى تصطدم بها هو جسد الإنسان نفسه الذى له مطالب من أكل وشرب ليعيش ويستمر، ولا مفر من تلبية هذه المطالب، فيجرى الإنسان ويسعى وراء الوظيفة ويضيع فى صراع التكسب والرزق، ويضطر الإنسان إلى أن يقدم بعض التنازلات ليوائم بين حياته وحياة الآخرين، فانظر مثلا إلى حالك أنت، ستجد نفسك مضطرا لو لم يكن معك الكثير من الأموال أن تركب وسيلة نقل جماعية رغم أنك تود أن تكون لك سيارة خاصة بك تقلك وقتما تريد، وتقوم مضطرا فى الصباح الباكر لتلحق بعملك لئلا تتعرض للخصم من جراء التأخير ولو كان قليلا، رغم أنك تود أن تقوم من نومك فى الوقت الذى تريده أنت... وقس على هذا أمور حياتك. فأنت مضطر إلى التنازل عن بعض حريتك لتعيش فى هذه الحياة. وأحيانا قد تدفع حياتك ثمنا لإهمال من الآخرين، كأن تسعى إلى فض مشاجرة، أو تحاول أن تصلح بين المتخاصمين، فتزهق روحك ثمنا لهذه الشهامة، أو تسير بجوارها وتتعرض للضرب والطعن، وليس لك دخل بما يحدث.
إذن فرغبة الإنسان تظل حرة مادامت كامنة فى الضمير والنية، فإذا بدأ الإنسان التنفيذ اصطدم بالقيود (قيود المجتمع من: افعل هذا، ولا تفعل ذاك)، فماذا يفعل الإنسان تجاه هذه القيود؟ هل يرضخ ويستسلم لها أم يقاوم وتكون نهايته لأنها الأقوى؟ يرى الدكتور مصطفى محمود أن حل هذا الإشكال يتأتى بالوفاق، فبالوفاق مع العالم يستطيع أن يمتطيه كما يمتطى الجواد، وضرب أمثلة على ذلك، بأن الإنسان حينما يفطن إلى اتجاه الريح ويضع شراعه فى مواجهتها يمتطى الريح ويسخرها لخدمته، وحينما يفطن إلى أن الخشب أخف من الماء، ويصنع مركبا من الخشب يمتطى الماء، وبالمثل حينما يفطن إلى نفع الناس ويسير فى اتجاههم يكسب الناس ويكسب معونتهم. والضوابط الخلقية والقوانين الاجتماعية لا تنفى الحرية وإنما هى أشبه بعلامات المرور، وضعت لتنظم المرور وتفسح أكبر حرية للكل.
إذن فعلى الإنسان أن يتوافق مع ما حوله سواء بشر أو جماد أو حتى مع الطبيعة، هذا التوافق يضمن له أن يسخر هؤلاء أو على الأقل يتفادى شرهم وأذاهم، وكل شىء فى الحياة لا يحل إلا بالاتفاق، رغم أن هذا قد يحد من حريتنا، فمثلا إذا نظرنا إلى أبسط شىء يفعله الإنسان فهذا قد يلفت انتباه الناس وربما يثير حنقهم، فإذا حلقت مثلا شعرك بطريقة لم يألفها الناس أو إذا أطلته وأصبح مثل شعر الفتاة، فإنهم سينظرون إليك باستهزاء واستنكار فى آن واحد، وقد تصل إلى مسامعك سخريتهم من نوعية (ياواد يا بت)، رغم أنك لم تضايقهم ولم تهاجمهم وحتى لم تتعد على حريتهم. إذن، العرف السائد فى المجتمع إذا تعرفت عليه وتوافقت معه لسلمت ولنلت حرية أكثر مما تتوقع.
والإنسان يعيش مضطربا بين عالمين، عالم إرادته الحرة بداخله، وعالم المادة حوله الراسف المغلول فى القوانين، وسبيله الوحيد إلى فعل حر هو معرفة هذه القوانين والفطنة إلى استغلالها بالوفاق معها، كما يقول الدكتور مصطفى محمود.
وعن القوانين الاجتماعية والضوابط الخلقية يقول: وأنت حينما تقيم الضوابط على شهاتك تكسب حريتك لأنك أصبحت سيد نفسك لا عبدا لغريزتك.
أما حرية القمار والسكر والعربدة والمخدرات والتبذل الجنسى فهى ليست حريات وإنما درجات من الانتحار وإهدار الحياة ومن ثم إهدار الحرية، وكل اختيار ضد الحياة لا يكون اختيارا.
لهذا فإن الذين ينساقون وراء شهواتهم بحيث تكون هى قائدهم ومحركهم، ما هم ببشر، فقد ارتضوا الهبوط بإنسانيتهم والنزول بها إلى الحضيض، وهم قد فرطوا فى حريتهم وأصبحوا عبيدا لشهواتهم، رغم أنهم يعتقدون أنهم يمارسون حريتهم أو اكتسبوا منها المزيد، لا، ليس الأمر كما يقولون، لو كان لك عقل لما ارتكبت الفواحش، لو كان لك عقل لأدركت أنك اعتديت على حرية الآخرين التى هى ملك لهم كما أنت تملك حريتك، وإنما ينطبق عليهم قول الله عزل وجل "أفلم يسيروا فى الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بِها أَو آذان يسمعون بِها فإنها لا تَعْمَى الأبصارُ ولكن تَعْمَى القلوب التى فى الصدور".