داليا مجدي عبد الغني

بعضًا من الخوف

السبت، 10 يناير 2026 01:09 ص


لا أحد يُحب شعور الخوف أو يستسيغه، فهو قاتل في كل أحواله، لأنه أسرع وسيلة لقمع النفس، وتشتيت الذهن، واضطراب العقل، وقتل الروح، فالخوف هو بداية النهاية في أغلب الأحيان، وبالقطع سيندهش البعض من عبارة "في أغلب الأحيان"، لأنها عبارة غير قاطعة أو جازمة، ففيها شيء من التأرجح بين الاحتمال والحسم، في حين أننا نتحدث عن الخوف الذي لابد أن نشجبه بشكل قاطع، إلا أنني لازلت أصر على أنه لابد منه في بعض الأحيان، بل ربما يكون هو وسيلة النجاة المؤكدة والتي لا مراء فيها، فهل نُنكر أن الخوف من الألم والموت هو الذي يُجبرنا على الذهاب للطبيب للعلاج، وتناول الدواء رغم مراراته في كثير من الأحيان، وهل نُنكر أن الخوف من المجهول هو الذي يُجبرنا على التفكير في تامين المستقبل، والخوف من فقدان أقرب المُقربين، هو الذي يُجبرنا على التغيير للأفضل ومحاولة كسبه وتقديم التنازلات من أجل إرضائه.

والخوف من الفشل هو الذي يُجبرنا على الكد والكفاح والإصرار والتحدي، والخوف من الهزيمة هو الذي يدفعنا إلى تحري أسباب النصر، والخوف من الحرب، وهو الذي يدفعنا إلى البحث عن السلام، وغيرها الكثير من الأمور السلبية التي تتغير بسبب الخوف، لأنه هو الدافع الأكبر للإصرار على النجاح، واحترام النفس والآخرين، وتحقيق الأهداف.
قديمًا كنا نقول: "من خاف سلم"، ورغم أن هذا المثل قد يبدو أن فيه شيء من السلبية، إلا أن مَنْ يتعمق فيه يكتشف أن به شيء من المنطق، فالإنسان عندما يخاف يبدأ في البحث عن وسائل الأمان حتى يُؤمن نفسه من أسباب الخوف، فالأخير رغم أنه شعور سيء وسلبي إلا أنه  أحيانًا  يكون مطلوبا حتى  تستقيم بعض الأمور، وتتزن النفس في سلوكياتها، لاسيما وأن هناك بعض الأشخاص الذين لا يتصرفون بإيجابية إلا عند شعورهم بالخوف، فهو الذي يُحركهم لكي يُفكروا و يُديروا أمورهم بمنطق عقلاني، فالخوف أحيانًا يكون أكبر دليل على الحب  فمن يخاف غضب الله، يمتثل لطاعته وإرضائه، ومَنْ يخشى فقدان الحبيب،  يسعى لمحبته والتودد إليه، ومَنْ يخاف ضياع الأبناء يجتهد في تربيتهم والحفاظ عليهم، ومَنْ يخاف على عمله يُطور من نفسه وأدائه ويلتزم بواجبات وتعليمات العمل.


وهكذا، فالخوف ليس دائمًا دليل على الجًبن والسلبية والهروب، ولكنه في بعض الأحيان يكون أكبر دليل على البحث عن الأمان والسلام والتصرف بمنطق مقبول يستسيغه العقل ويتقبله القلب.


وأخيرًا، إذا أتاك شعور الخوف لابد أن تُحاربه ولا تنساق إليه أو تستسلم له، ولكن بانتهاج السلوك العقلاني الذي يدفع عنا ما نخاف منه ونخشاه، حتى نتحرر من مخاوفنا ونطرق سبل السلام الذي يبحث عنه كل إنسان، حتى يُحقق الأمن والأمان في شتى مناحي حياته.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة