أحمد إبراهيم الشريف

القصة القصيرة فى مصر.. فن قلق

السبت، 10 يناير 2026 11:26 ص


لا يتوقف الجدل المتعلق بفن القصة القصيرة، وها قد عاد مؤخرا بسبب ما حدث في جائزة ساويرس في دورتها الأخيرة، مما يطرح سؤلا مهما: ما الذي نريده من القصة القصيرة؟ وهل ما زال هذا الفن قادرًا على إنتاج نماذج مقنعة وفق معايير جمالية واضحة، أم أن الأزمة كامنة في طريقة القراءة والتقييم أكثر مما هي كامنة في النصوص نفسها؟

هذا الجدل ليس جديدًا، ولا يخص جائزة ساويرس وحدها، لكنه يعيد إلى السطح تاريخًا طويلًا من التوتر بين القصة القصيرة والمؤسسة الثقافية، وبين هذا الفن والميل الدائم إلى محاكمته بمعايير كمية أو مقارنة مباشرة بالرواية، ومن هنا، فإن العودة إلى تاريخ القصة القصيرة في مصر ليست ترفًا معرفيًا، بل ضرورة لفهم لماذا تتكرر هذه الأزمات، ولماذا تظل القصة القصيرة فنًا "قلقًا" بطبيعته.
لم تظهر القصة القصيرة في مصر بوصفها جنسًا أدبيًا مكتمل الوعي منذ اللحظة الأولى، بل جاءت نتيجة مسار طويل من التحول من الحكاية التراثية، ومن المقال السردي، ومن تأثير الترجمة الغربية في مطلع القرن العشرين، وكانت الصحافة، والمجلات الأدبية تحديدًا، هي الحاضنة الأولى لهذا التحول.

 
الكاتب الكبير محمد تيمور من أوائل من تنبهوا إلى هذا الشكل الجديد، وكتب محاولات قصصية قصيرة تتجاوز السرد الحكائي التقليدي، وتسعى إلى بناء موقف وشخصية ونهاية ذات دلالة، غير أن التأسيس الحقيقي، من حيث الوعي بالشكل والاشتغال الفني، ارتبط باسم محمود تيمور، الذي أصدر عام 1925 مجموعته القصصية "الشيخ جمعة.
في "الشيخ جمعة"، لم يكن الرهان على الحدث الكبير، بل على الشخصية، وعلى التوتر الداخلي، وعلى التقاط لحظة إنسانية مكثفة، وقدم محمود تيمور نموذجًا للقصة القصيرة بوصفها جنسًا مستقلًا، لا مجرد نص قصير، ومن هنا بدأت القصة القصيرة تفرض نفسها بوصفها فنًا قادرًا على التعبير عن المجتمع المصري في تحولاته الأولى.

 
مع الثلاثينيات والأربعينيات، تطورت القصة القصيرة من حيث الوعي الفني واللغوي، وبرز اسم يحيى حقي بوصفه حلقة أساسية في هذا التطور، لم يكن حقي مجرد كاتب قصة، بل صاحب مشروع سردي ولغوي، يسعى إلى الموازنة بين الفصحى والروح المصرية، وبين العمق الإنساني والبساطة الظاهرة.
ورغم أن "قنديل أم هاشم" تُقرأ غالبًا بوصفها نصًا روائيًا قصيرًا أو قصة طويلة، فإن تجربة يحيى حقي القصصية عمومًا أسست لحساسية جديدة في السرد، تقوم على التأمل، وعلى بناء الشخصية من الداخل، وعلى احترام القارئ بوصفه شريكًا في إنتاج المعنى، في هذه المرحلة، أصبحت القصة القصيرة أقل مباشرة، وأكثر وعيًا بالبناء، وباللغة، وبالإيحاء.
 
من أكثر المفارقات شيوعًا في تلقي القصة القصيرة في مصر، اختزال تجربة نجيب محفوظ في كونه روائيًا فقط، رغم أن محفوظ قدم عبر القصة القصيرة واحدًا من أكثر مشاريعه السردية كثافة وعمقًا، فمنذ مجموعته الأولى "همس الجنون" (1938)، مرورًا بـ"دنيا الله" (1962)، و"تحت المظلة" (1969)، وصولًا إلى "رأيت فيما يرى النائم" لاحقًا، تعامل محفوظ مع القصة القصيرة بوصفها مساحة للتجريب الفكري والفلسفي.
في قصص محفوظ، لا نجد القصة بوصفها حكاية مكتملة بقدر ما نجدها سؤالًا مفتوحًا، شخصياته ليست نماذج اجتماعية فحسب، بل كائنات مأزومة، تواجه السلطة، والقدر، والعبث، والمعنى، وقد استخدم محفوظ القصة القصيرة لاختبار أفكار كبرى: العدالة، الحرية، السلطة، الوجود، في بناء سردي مقتصد، لكنه بالغ الكثافة.
هذا الدور يجعل من محفوظ حلقة مركزية في تاريخ القصة القصيرة، لا تقل أهمية عن دوره الروائي، ويكشف أن القصة القصيرة في مصر لم تكن يومًا فنًا هامشيًا، بل مختبرًا أساسيًا للأسئلة الكبرى.
 
يأتي يوسف إدريس بوصفه لحظة تحول حاسمة في تاريخ القصة القصيرة المصرية، لا لأنه قطع مع ما سبقه تمامًا، بل لأنه أعاد تعريف العلاقة بين القصة والواقع. في مجموعات مثل "أرخص ليالي" (1954) و"جمهورية فرحات" (1956)، نقل إدريس القصة القصيرة إلى الشارع والشخصيات المهمشة.
ما فعله يوسف إدريس لم يكن مجرد تغيير في الموضوعات، بل تغيير في نفسها، لم تعد القصة عنده تأملًا هادئًا فقط، بل صدامًا مباشرًا مع الواقع، ومع ذلك، فإن تحويل إدريس إلى معيار مطلق أضر أحيانًا بتلقي القصة القصيرة، إذ أصبحت كثير من التجارب تقاس عليه وحده، وتتهم بالضعف إذا لم تشبهه.
 
بعد هزيمة 1967، دخلت القصة القصيرة مرحلة جديدة اتسمت بالقلق والتجريب، لم يعد الواقع قابلًا للتصوير المباشر، وبدأت القصة تميل إلى الرمزية، وإلى تفكيك الزمن، وإلى مساءلة الذات، وظهرت تجارب متنوعة، لم تجمعها مدرسة واحدة، بل حساسية مشتركة تقوم على الشك، وعلى تفكيك السرد الخطي.
في السبعينيات والثمانينيات، اتسعت خريطة القصة القصيرة، وظهر جيل جديد من الكتاب الذين تعاملوا مع القصة بوصفها مساحة حرة للتجريب، بعيدًا عن القوالب الجاهزة. ومع تراجع المجلات الثقافية، تقلصت منصات النشر، لكن القصة لم تختف، بل أعادت إنتاج نفسها بأشكال مختلفة، وصولًا إلى القصة القصيرة جدًا.
 
مع الألفية الجديدة، أصبحت الجوائز الأدبية لاعبًا أساسيًا في المشهد الثقافي، ومن بينها جائزة ساويرس، التي أعادت تسليط الضوء على القصة القصيرة، ومنحتها حضورًا إعلاميًا واسعًا، غير أن هذا الحضور جاء مصحوبًا بتوتر دائم:،كيف يمكن تقييم فن شديد الحساسية والاختلاف بمعايير تنافسية؟
الجدل الأخير حول جائزة ساويرس للقصة القصيرة كشف عن هذا التوتر بوضوح، فبين من رأى أن المستوى المقدم لا يرقى إلى تاريخ الجائزة، ومن طالب بشرح المعايير، ظهر سؤال أعمق: هل المشكلة في النصوص، أم في التوقعات المسبقة، أم في تصورنا ذاته لماهية القصة القصيرة اليوم؟




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة