لطالما أثار تصميم "قرص النحل" دهشة المتخصصين، فهذه البيوت المتراصة بدقة متناهية ليست مجرد مخازن للعسل، بل هي أعجوبة هندسية تجمع بين أقصى درجات القوة وأقل قدر من استهلاك المواد الخام.
لغز الشكل السداسي
قد يتساءل البعض لماذا لم يبنِ النحل بيوته على شكل دوائر أو مربعات؟ الإجابة تكمن في "كفاءة المساحة"، فلو اختار النحل الدوائر، لتركت فراغات مهدرة بينها، ولو اختار المثلثات أو المربعات، لما حصل على نفس المتانة.
اكتشف النحل بفطرته أن الشكل السداسي هو الوحيد الذي يتيح تغطية المساحة بالكامل دون ترك أي فراغ (مثل المربعات)، مع توفير "محيط" أقل للعين الواحدة، مما يعني استخدام كمية أقل من الشمع لبناء أكبر عدد من الغرف.
الشمع.. مادة البناء "الباهظة"
لا يبني النحل بيوته من الطين أو الورق، بل من "شمع النحل"، وهو مادة ينتجها جسم النحلة العاملة من غدد خاصة في بطنها، فإنتاج الشمع عملية مكلفة جداً للطاقة، فحتى تنتج النحلة كيلوغراماً واحداً من الشمع، تحتاج لاستهلاك حوالي 8 كيلوغرامات من العسل، لذلك، كان لزاماً على النحل أن يكون "مهندساً اقتصادياً" لا يهدر ذرة شمع واحدة، وهو ما حققه التصميم السداسي.
دقة متناهية وزوايا ثابتة
لا يقتصر الإعجاز على الشكل فقط، بل في طريقة التنفيذ، حيث تبني النحلات العيون السداسية بسمك جدار يبلغ حوالي 0.1 ملم (بدقة تضاهي الآلات الحديثة)، وبميل طفيف إلى الأعلى (حوالي 13 درجة) لضمان عدم خروج العسل السائل من العين قبل ختمها.
والأعجب من ذلك، أن النحلات تبدأ البناء من عدة نقاط مختلفة في الخلية، وعندما تلتقي هذه المجموعات في المنتصف، تترابط العيون السداسية مع بعضها البعض دون أي خلل في النمط.
دروس من عالم النحل
لقد تعلمنا من خلال هذه السلسلة أن خلية النحل ليست مجرد مصدر للغذاء، بل هي مدرسة في:
1- الإدارة من خلال نظام الطبقات (الملكة، الذكور، العاملات).
2- الكيمياء، في تحويل الرحيق الصامت إلى عسل حي.
3- الطب، عبر إنتاج المعقمات والمنشطات الحيوية.
4- الهندسة، في بناء تلك الصروح السداسية المذهلة.