وافق الخديو عباس حلمى الثانى، على نصيحة الشيخ الإمام محمد عبده بإصلاح الأزهر، وفوضه بالسير فى حركة الإصلاح، لكن العلاقة توترت بينهما فاضطر الشيخ إلى تقديم استقالته فى 10 يناير، مثل هذا اليوم، 1904، ورفضها الخديو، حسبما يؤكد أحمد شفيق باشا، رئيس ديوان الخديو عباس فى الجزء الثانى من مذكراته «مذكراتى فى نصف قرن».
أصدر الخديو عباس أمره العالى بتشكيل مجلس إدارة الأزهر ومن بين أعضائه الشيخ محمد عبده عام 1894، ووفقا للدكتور عثمان أمين فى كتابه «رائد الفكر المصرى الإمام محمد عبده، فإنه دأب على السعى إلى رفع مستوى جامعة الأزهر من النواحى الثقافية والمادية والأخلاقية، ووضع لذلك مشروعه الإصلاحى المشهور الذى لم يستطع تنفيذه لكثرة ما وضع فى سبيله من عقبات، ويضيف: «فى سنة 1899 عين مفتيا للديار المصرية، فأضفى على ذلك المنصب سناء ومهابة لا عهد للناس بهما من قبل، ولم يجعل المنصب مقصورا على الإفتاء فيما يحال إليه من مسائل على غرار من سبقوه، بل وسع اختصاصه وزاد من نفوذه».
يذكر «عثمان» أبواب الإصلاح التى وجه الشيخ عنايته إليها وهى، تحديد مدة الدراسة فى الأزهر، وكان العرف منذ زمان طويل أن ينفق المجاورون من أعمارهم الأعوام الطوال فى الأزهر دون أن أى رقابة من أولى الأمر على أعمالهم، وحدد القانون بدء السنة الدراسية ونهايتها، وحدد أيام العطلة والمسامحات، وكانت الحال قبل ذلك بلا ضابط، فكان المشايخ والطلاب يمكنهم التغيب متى شاءوا فضلا عن تغيبهم أيام المسامحات الرسمية.
يضيف عثمان: «وجه الشيخ بعد ذلك عنايته إلى نظام التدريس والامتحان، فاقترح عقد للطلبة امتحانات سنوية، ولم يكن ذلك النظام معروفا فى الأزهر، بل لم يكن عدد من يمتحنون كل عام يزيد على ستة كانوا يتقدمون إلى الامتحان، لا بحسب دورهم أو ذكائهم أوعلمهم، بل بشفاعة الشفعاء وإلحاح الملحين، واقترح المشروع كذلك مكافأة الطلبة المتفوقين من بين الممتحنين، وكان ثالث الإصلاحات لا يقل عن سابقيه أهمية وأثرا ويقضى بإلغاء دراسة بعض الكتب العقيمة كالشروح والحواشى والتقارير التى اعتاد المشايخ تلقينها للطلبة من غير فهم، وكان من شأنها أن تشوش عليهم موضوعات العلوم التى يدرسونها، واستعيض عن ذلك كله بكتب أنفع وأقرب إلى مدارك الطلاب».
يذكر «عثمان»، أن رابع الإصلاحات يرمى إلى تقسيم العلوم فى الأزهر إلى علوم مقاصد وعلوم وسائل، فأطيلت مدة الدراسة فى «علوم المقاصد»، كالتوحيد والتفسير والحديث والفقه وأصول الفقه والأخلاق، أما «علوم الوسائل» كالمنطق والنحو والبلاغة ومصطلح الحديث، وضم إليها الحساب والجبر، وهذه العلوم بقسميها هى التى يُلزم طلاب شهادة العالمية بأداء الامتحان فيها، والإصلاح الخامس يقرر إدخال دروس ومحاضرات جديدة فى علوم التاريخ والتاريخ الطبيعى والرياضيات والجغرافيا والفلسفة والاجتماع، وما إلى ذلك من العلوم التى أهمل تدريسها بالأزهر، ويضيف عثمان، أن مشروع الإصلاح شمل أيضا، توفير الشروط الصحية فى الأزهر بتعيين طبيب له، وبناء مستشفى لطلبة العلم الفقراء.
يؤكد «عثمان»، أن «الأستاذ الإمام» كان يظن أن من ورائه سلطة الخديو «عباس الثاني» تؤيده فى مشروعه، إلى جانب أن الشيخ حسونة النواوى كان يشاركه كثيرا من آرائه، ولكن سرعان ما تبدل موقف الشيخ حسونة عندما ظهر له أن الشيخ عبده لم يكن من أهل الحظوة لدى الخديو عباس، وفى 6 يوليو 1899 تولى مشيخة الأزهر الشيخ سليم البشرى، وكان رجلا محافظا مناوئا للتجديد، مما جعله مقربا من الخديو، فعطل أعمال المجلس، وقرر إلغاء الإعانات للطلبة المتفوقين، وكان معنى هذا العدول عن عقد الامتحانات السنوية.
وفى أول مارس 1903، صدر قرار بتعيين الشيخ على الببلاوى شيخا للأزهر، ويؤكد عثمان، أن الوفاق كان تاما بينه وبين الشيخ محمد عبده، فعاد الهدوء إلى الأزهر، وأقبل الطلاب على دروسهم وامتحاناتهم، وانصرف مجلس الإدارة إلى إنجاز الأعمال التى تعطلت فى عهد الشيخ سليم البشرى، فقرر المجلس عقد امتحان لشهادة «العالمية» التى تمنح الحاصلين عليه حق التدريس فى الأزهر أو القضاء أو الإفتاء.
يضيف «عثمان»: «راجت فى تلك الفترة إشاعة مؤداها أن حديثا دار بين الخديو عباس وبين الشيخ الببلاوى على موضوع الإصلاحات الأزهرية التى أنجزها محمد عبده، وذكروا أن الخديو قال ضمن حديثه للشيخ الببلاوى: «سمعت أنك تعمل فى الأزهر كما يريد المفتى «محمد عبده» مع أنك حر فى أن تعمل برأيك»، وذكروا أيضا أن الشيخ الببلاوى أجاب الخديو: «إنى أوافق المفتى كلما رأيت أن الحق معه، ولو أخطأ لقلت له، ولكن لم تعرض بعد فرصة لذلك، فالحمد لله».