في زحام الحياة اليومية، نصطدم كثيرًا بأشخاص يبدون وكأن آراءهم جدران صماء، لا نوافذ لها ولا أبواب، يتحدثون بثقة مطلقة، يسمعون أصواتهم فقط، ويظنون أن ما يرونه هو الحقيقة الكاملة، وما عدا ذلك مجرد ضجيج لا يستحق الإصغاء، هؤلاء لا يدركون أن الرأي ليس عقيدة، وأن الفكرة لا تصبح مقدسة لمجرد أننا نؤمن بها.
الاختلاف في وجهات النظر ليس عيبًا ولا خللًا في التفاهم الإنساني، بل هو جوهر الحياة نفسها، فكما تتعدد الوجوه وتختلف الملامح، تتنوع الأفكار والرؤى والتجارب.
لا يوجد إنسان يرى العالم بالعين نفسها التي يراه بها غيره، لأن لكل منا زاويته الخاصة، وخلفيته، وما مر به من خبرات صنعت وعيه وشكلت قناعاته.
المشكلة لا تكمن في الاختلاف، بل في الخوف منه، هناك من يظن أن الاستماع لرأي مغاير هو تهديد لذاته، أو انتقاص من قناعته، فيتشبث بموقفه كمن يتمسك بطوق نجاة وهمي، بينما الحقيقة أن الإنصات للآخرين لا يعني التخلي عن الرأي، بل يعني توسيعه، وإخضاعه للنقاش، وربما تطويره أو تصحيحه.
الحياة تتسع للجميع، وتتسع لكل الأصوات مهما تباينت، وعندما نُقصي الرأي المختلف، فإننا لا نغلق باب الحوار فقط، بل نغلق نافذة التعلم والنمو.
المجتمعات التي تقدمت لم تفعل ذلك لأن أفرادها متشابهون في التفكير، بل لأنهم اختلفوا باحترام، وتجادلوا بوعي، وتعلموا كيف يحولون التنوع إلى قوة لا إلى صراع.
ثقافة الاختلاف في المجتمع تبدأ من الاعتراف بأننا لسنا مركز الكون، وأن ما نراه صوابًا قد يراه غيرنا من زاوية أخرى، تبدأ من الإصغاء الحقيقي، لا انتظار الدور للرد، ومن قبول الآخر كما هو، لا كما نريد له أن يكون، وعندما نتعلم ألا نتشبث بآرائنا، نكتشف أن السلام الداخلي لا يأتي من الانتصار في الجدل، بل من القدرة على التعايش، والفهم، والاحترام المتبادل.
الاختلاف ليس مشكلة تحتاج إلى حل، بل قيمة تحتاج إلى ترسيخ.