ما يجرى فى إيران من مظاهرات، ليس جديدا، لكنه هذه المرة يبدو أكثر شدة، وربما لا تكون مفاجأة أن نعرف دائما أن الولايات المتحدة تتدخل دوما وتدعم المظاهرات بشكل كبير، وقد اجتاحت المظاهرات مدن إيران فى نوفمبر 2018، لكن السلطات يومها أعلنت أنه تمت السيطرة على أغلب الاحتجاجات، وأن الأوضاع ستعود إلى سابق عهدها، لكن الواقع أن النار ظلت تحت الرماد، هناك بالطبع تدخل وتحريض أمريكيان، وتصريحات مستمرة من الرئيس الأمريكى دونالد ترامب الذى يبدى اهتماما ويحذر من ضرب المتظاهرين، وترامب لا يخاف طبعا على الديموقراطية، لأنه متهم فى أمريكا بضرب الديموقراطية.
فقد قال «ترامب» فى تصريحات نقلتها قناة «فوكس نيوز»، فجر الجمعة، إنه يتابع وضع المظاهرات فى إيران عن كثب، منذرا النظام فى طهران بالرد، حال العنف مع المتظاهرين فى الجمهورية الإسلامية، ووصف المتظاهرين فى إيران بالحشود الهائلة التى تسعى لإسقاط النظام فى طهران، لكن ترامب كشف عن عدم تطلعه إلى لقاء ابن الشاه الإيرانى، رضا بهلوى، خلال الفترة المقبلة، مشيرا إلى أنه ينتظر نتيجة المظاهرات فى إيران، وكيف سوف ينتهى بها الحال. وقال الرئيس إنه من الصعب حاليا إلقاء المسؤولية على النظام الإيرانى فى وقوع ضحايا للتظاهرات، مردفا أنه قد يكون التزاحم والتدافع سببا لسقوط الضحايا فى تظاهرات الجمهورية الإسلامية.
وكان الخبراء يرون اختلاف مظاهرات 2018 عن مظاهرات 2009، والتى اجتاحت إيران وتتكرر الآن لأسباب اقتصادية.
السلطة فى إيران تتحدث عن أياد خارجية تؤيدها تصريحات ترامب، وأيضا ما فعلته الولايات المتحدة فى فنزويلا، والتدخل واختطاف الرئيس مادورو، وإن كانت الدولة فى إيران لا تنكر أنها بصدد إجراءات اقتصادية ضاعفت حجم الغضب، خاصة انهيار العملة ونقص السلع وانخفاض وارتفاع الأسعار، وهناك توجيهات وتصريحات للرئيس الإيرانى بتسهيلات لدخول البضائع والسلع بسرعة ومراقبة الأسواق، بما يشير إلى إحساس بالأزمة، مع الأخذ فى الاعتبار أن إيران تواحه أعنف مظاهرات اعتراضا على انهيارات العملة، وارتفاعات الأسعار، وإغلاق البازار، والبدء بإضراب التجار اعتراضا على الانهيار الاقتصادى.
الحكومة الإيرانية، تصف المظاهرات بأنها «أحداث شغب»، وتوجه اتهامات إلى جهات خارجية بالوقوف خلفها، وترى أن أمريكا فشلت قبل ذلك، ولم تنجح مطلقا فى زعزعة أمن إيران، وواجهت هزيمة جديدة»، مع الأخذ فى الاعتبار أنه بجانب تأثير العقوبات الاقتصادية، لكن الأزمة طوال سنوات وفى كل مظاهرات يرجعها بعض المتظاهرين إلى مضاعفة الإنفاق على مناطق النفوذ الإيرانى فى العراق واليمن ولبنان وسوريا، ثم إن المواجهات الأخيرة مع إسرائيل كشفت عن أن إيران مخترقة بشكل كبير، وأن ما كانت تطلقه من تهديدات طوال سنوات كان يغطى فراغا وضعفا لا يمكن إنكارهما.
المفارقة أن إيران تتهم جهات خارجية وعلى رأسها أمريكا، بينما نشرت الصحف الأمريكية فى عام 2018 وما بعدها وثائق عن «نيويورك تايمز» بخصوص أنشطة الاستخبارات الإيرانية فى دول المنطقة العراق ولبنان واليمن مع أحاديث دائمة عن تصدير الثورات إلى العالم، بينما تعجز عن صد التحركات الداخلية، ويطرح المتظاهرون أسئلة عما إذا كانت الدولة فى إيران تنتبه لأزمة إهدار المال لشراء نفوذ خارجى، وتعجز عن تنمية واستغلال حقيقة للتدفقات النفطية وغيرها؟
وفى السياسة لا تظهر التأثيرات مباشرة، ولكن تتصاعد وتتفاعل التأثيرات الكمية، لتنتج على مستوى الكيف، واضح أن السياسات التداخلية الخارجية سحبت من الرصيد الاقتصادى وأنتجت أزمات اقتصادية واجتماعية انتهت إلى المظاهرات التى تعبر عن صدام وتعكسها أرقام القتلى والاغتيالات لقوات الأمن المتعددة، سواء الحرس الثورى أو قوات الأمن، ضمن صيغة معقدة، بجانب دعم وتمويل لقنوات وصحف فى دول إقليمية تبدو هى الأخرى عاجزة عن الدعاية أو مواجهة التظاهرات، بل إن مسؤولا إيرانيا فى روسيا يقول إن ايران ستواصل برنامجها النووى، وهو تصريح يأتى فى وقت تعجز إيران عن توظيف العلم لحل أزمة الجفاف من خلال الاستمطار، ليطرح السؤال عما إذا كانت التدخلات الخارجية فقط عامل إشعال المظاهرات، بينما الداخل دائما أهم وأخطر، ولا يمكن اختراقه من دون ثغرات وضعف؟!