عفاف عبد المعطي.. غَزل الأضداد

الأحد، 07 سبتمبر 2025 03:00 م
عفاف عبد المعطي.. غَزل الأضداد الدكتورة عفاف عبد المعطي

للعقد الثالث على التوالي يستمرّ الكاتب محمد الفخراني مخلصًا للكتابة الإبداعية بأنواعها، ولعلّ هذا الدأب هو ما أسّس له مقعدًا راسخًا في مصافّ مُبدعي الكتابة العربية. عرفتُ الفخراني عبر نصوصه الأولى منذ تسعينيات القرن الماضي، ما بين الرواية والقصة التي أخلص لكتابتها حتى صدر له مؤخرًا مجموعة "حفلة الإنس والشياطين" (دار العين، 2025). للوهلة الأولى يظنّ القارئ أن النصوص تقع ما بين علاقة الصراع الأزلي بين الإنسان والشيطان، أو بين كفاح الإنسان لردّ وسوسة الشيطان منذ أن أبى السجودَ له بعد ما أمره ربّه: "وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا" (سورة الإسراء: 61).

لكن نصوص المجموعة مخالفة لذلك تمامًا، حيث اعتمد الفخراني على مجموعةٍ من تقنيات الكتابة القصصية، منها أوّلًا: ابتكار فكرةٍ قوية وجذّابة في قصة "أغنية التسكّع" – ودلالة العنوان واضحة، حيث الفَرَح بالحرية لعدم السير على هُدىً محدّد –، التسكّع واحدةٌ من كلماتٍ يدّعي الإنس أنهم أوّل من قالها، ويدّعي الشياطين أنهم أوّل من قالوها، وهناك آخرون يدّعون، ولا أحد يريد التنازل: مَن يتنازل عن "التسكّع"؟

بعينٍ سينمائيةٍ راصدةٍ للبشر والكائنات الأخرى يصف الحاكي المُتسكّع بغير هُدى أنه "من الممكن أن أقع في الحب ثلاث أو خمس مرات في اليوم، أحيانًا أكثر. أتسكّع من شارعٍ إلى ممرٍّ إلى رصيفٍ إلى زقاقٍ إلى شارع… لا أريد الخروج من هذا العالم، لا أريد الخروج من اللحظة… لستُ مهتمًّا مَن قالها أوّلًا: الإنس أم الشياطين أم غيرهم… التسكّع".

في رؤًى مشهديةٍ سينمائيةٍ دالّةٍ على شخصية الحاكي الذي يحبّ وينتقد ويلاحظ ويرصد أفعال البشر بتفاوت أعمارهم في الشوارع التي يمارس فيها التسكّع بحرية، والنساءُ وهنّ بأشكالٍ عدّةٍ يراقبهنّ ويرصد سلوكهنّ لكنه لا ينتقدهنّ، وكأنهنّ جزءٌ منه وهو جزءٌ منهنّ، وكأنه معهم يجسّدون العالم المتشظّي بأسره. السردُ المشهدي لقصة "أغنية التسكّع" اتخذ منحًى سينمائيًّا، كأن القارئ يشاهد فيلمًا أبطاله هم المارّة في الشارع بجميع طوائفهم واختلاف أعمارهم؛ يجمعهم الشارعُ وتسكّعُ الراوي وعينه المراقِبة بتفحّص وقبوله لهم، وكأنهم واقعه الذي يحياه يوميًّا.

ثانيًا: من تقنيات السرد في مجموعة "حفلة الإنس والشياطين" إعطاءُ مساحةٍ كافيةٍ للبطل؛ في قصة "ستاند أب حب"… (النُّكْتة). بدايةُ الحبّ ضحكةٌ حلوة. يدخل بطلُ القصة مسرحًا للفنون الارتجالية يقدّم فيه شاب في العشرينات فنَّه، فيضحك الجمهور. يسمع بطل القصة ضحكة في الصفوف الخلفية لفتاة ثلاثينية، يقع بعدها في الحب. يخرج من القصة إلى استدعاءات عن الدهشة ومَن يضحك ملءَ فاه، مما يفسح المجال كلَّه للسرد عن البطل الرومانسي العاشق أولًا. وهنا يُباغتنا الراوي: إذ لم تظهر النكتة قبل الإنس، كان الشياطين يصنعونها من مواقف مضحكة. ثم يعود إلى الحكي عن الثلاثينية ذات الضحكة المكوّنة من ثلاث طبقات، فاستشفّ من ضحكتها أنها تحبّ البرتقال والليمون والنعناع والطيران حتى ملامسة الأرض بقدمها حافية. ومن دلالات الرومانسية أنها تعطف على الحيوانات وتعتني بالتفاصيل ولديها فائضٌ من مشاعر. فالبطل (الذي يشكّ القارئ إن كان إنسيًّا أم جنيًّا) داخل القصة رأى إنسية تعزف على بيانو دون أن تلمسه، لكنه العزفُ الذي نجح السردُ في تصوير كيف لمس العزفُ قلبَ البطل.

وبعدما انتهت الثلاثينية من ضحكتها قال لها: "أنا أحبك". وفي مرةٍ من مراتٍ نادرة تأكّد أنها تحبّه. في تلك الأثناء يؤدي شابّ "الستاند أب" دوره في الارتجال لإضحاك الحضور، وبطلُ القصة تسيطر عليه الضحكةُ الحلوة الرنّانة.

يستخدم الكاتبُ محمد الفخراني طريقة تجميعٍ لعدّة عناصر في مشهدٍ واحد؛ فالقارئ يظنّ أنه سيحكي عن ممثل "ستاند أب" كوميدي، بينما الواقع – أو القصة داخل القصة – عن شابٍّ يبحث عن وَلِيفٍ يحقّق له قدرًا من المتعة والسعادة، وقد وجد ضالّتَه في الفتاة صاحبة الضحك الرنّان، محقّقةً له الشعورَ بالسعادة ولو لوهلةِ انتهاء عرض "الستاند أب" كوميدي.

ثالثًا: التخطيطُ الجيّد للقصة؛ ففي قصة "شَغَف"، وهي من أجمل النصوص في المجموعة، يجلس الراوي بجانب النافذة في الأوتوبيس، وكأنه طفلٌ يتابع بشغف الطريق ويرصد الطبيعة، وعبر اللحظة المشهدية يشعر كأنه محطّ اهتمام وتجسيد لصور الشغف البسيطة التلقائية، ومن ثمّ المقارنةُ بين الإنس والجنّ أو الشيطان في تعاطي كلّ المشاعر والأفعال. ومن أكثر الكلمات التي يكرّرها الإنس "القتل والحب" بالعطف بالواو بين متناقضين، لكنهما مستخدمان إنسيًّا أكثرَ منهما لدى الشياطين.

رابعًا: اختيارُ المشهد الافتتاحي بدقة: "اللعب مستمر"… (غريزة اللعب). تتحدّث القصة عن مقالب الرعب بين زوجين حديثي الزواج؛ إذ تخرج الزوجةُ العشرينية من الحمّام وتلفّ حول وسطها منشفةً، يظهر لها الزوجُ الذي كان متخفيًّا بقناعِ مَسْخ، فتتحوّل الزوجةُ إلى امرأةٍ في السبعين من أثر الخضّة، ويبدأ اللعبُ بين الزوجين على قاعدة أن اللعب غريزة، وكيف بدأ في الدنيا؛ إذ يرى الإنسُ أنهم أوّلُ مَن لعبوا، والشياطينُ أيضًا يدّعون ذلك. فالإنس اخترعوا بيتَ الرعب في الملاهي؛ إذن فالرعب شيءٌ من اللعب، واللعبُ شيءٌ من الرعب، وبينهما يقع الإنسُ فريسة. يبتدع الزوجان طريقةَ الالتحاف ببعضهما كما يتماشى مع عمريهما، فتقول له الزوجةُ التي باتت عجوزًا: "اطلبْ مني ما يُسعدك لأني سأطلب منك"، وتأخذه إلى أماكنَ سرّيةٍ في جسمها بحجّة عدم لمسها من قبل.

بحساسية الأنثى تعرف أنه يحبّ الأكبرَ منه سنًّا، لكن يحدث ما لا يتوقعه القارئ: |حين استيقظتِ السبعينيةُ وجدتْ جمجمةً على وسادتها وكأنها مَسٌّ شيطاني"، فتحوّلتْ إلى فتاةٍ في الثامنة عشرة. ورغم ذلك يمارس الزوجان الحبَّ على طريقة المراهقين؛ يتخاصمان ويتصالحان، ثم تُدبّر له مفاجأةً، فيتحوّل إلى رجلٍ ستينيّ، ثم عبر لعبةٍ تحاكيها له ومقلبٍ سريعٍ خيالي يتحوّل إلى كنغارو… وهكذا تستمرّ الألعاب.

خامسًا: عدم البحث عن الكمال في القصة؛ فـ"بقدونس"… أو (الطبّاخ) التي تُذكّر قارئها بكتاب الكاتب الكبير محمود السعدني "وداعًا للطواجن"، فهي أيضًا قصةٌ عن الطبخ؛ حيث يحكي شيطانٌ – الذي يأكل من صناديق الزبالة – أنه يتبع إنسيًّا "شيف" إلى مطبخه، فيصير طبّاخًا، "مع تقريرٍ أن مهنة الطبّاخ ابتدعها الإنس"، فهم أفضلُ طبّاخي العالم، ومطبخُهم ألذُّ مطبخ. دخل الشيطان خلف "الشيف" إلى طاولةٍ صغيرةٍ فوقها لحمٌ وأرزٌّ وعنب، وقال له: "كُلْ واشبَع"، ليتطوّر الأمر بأن يعمل مقابل أكله، ويقدّم ذاتَ مرةٍ للشيف البقدونسَ فيصير اسمُه "بقدونس" إسقاطًا على أهمية العشبة الصحية.

يبدأ الراوي في الاسترجاع مؤكّدًا أن الإنس اخترعوا عادةَ تبادل دعوات الإفطار والغداء والعشاء، وأروعُ طبّاخةٍ هي الجدّة "حَبيبة"، تمتهن الطبخَ في منزلها في حيّ شعبي؛ الكلّ ينادونها "جدّة حبيبة". يتصل بها الزبائن لتطبخ لهم في المناسبات أو غيرها، ومعها شابٌّ يقوم بتوصيل الطلبات، والإنس يلتقطون لأنفسهم صورًا مع أكلها، وكتبُ الإنس محشوةٌ بحكاياتٍ لذيذةٍ عن الطمّاعين في الأكل، وقد اخترع الإنس "سرَّ الطبخة". وفي كلّ مناسبةٍ يقوم الأكلُ مقامَ الأساس في الحياة والموت والجنس والولادة والفرح والحزن. ثم يَرِدُ اسمُ رواية الكاتب محمد الفخراني "غداء في بيت الطباخة"، وكيف أنّ "شيف" قابلته في مناسبة، وسألتْه عن شيءٍ في الرواية.

ثم في صورةٍ رمزيةٍ تأتي الحيواناتُ (نمرٌ وثلاثةُ كلابٍ وذئبٌ ومعزةٌ وقطتان) إلى بيت الجدّة "حبيبة" لتضعَ لهم طعامًا، ويعرّج الكاتبُ لنوع الطعام المجاني والطعام الجنسيّ وطبخ "الغُمّيضة" (الطبّاخ معصوب العينين). وفي نهاية القصة يقول "بقدونس": "أنا أنظر إلى كوكب الأرض على أنه مطبخٌ كبير… العالمُ كلّه مطبخٌ كبير".

سادسًا: النهايةُ المُرضية. في قصة "بالمناسبة… ما الذي تتكلفه حفلة؟" نجد الراويةَ تتبع نفس نهج الراوي في "أغنية التسكّع"؛ فالراويةُ "متورّطة" بالكامل (وهو تعبيرٌ غيرُ ملائمٍ لجمال الورد والقهوة والشيكولاتة، إلا إذا كان تورّطًا إيجابيًّا) في حبّ الورد والقهوة والشيكولاتة، كالعبير في الورد، والبُنّ في القهوة، والكاكاو في الشيكولاتة. العلاقةُ مع الزهور عبر مشاهدَ التقطتها بعينٍ راصدةٍ دقيقةٍ لإنسيٍّ في بداية الخمسينيات؛ ظلّت الراوية تراقبه بدقةٍ عبر حبّه لبائعة الهوى وإخلاصه لهذا الحبّ لمدة عشرين عامًا؛ يحمل لها الأزهارَ نفسها: "خمس ورداتٍ صفراء، وبرتقالي، وحمراء، وبنفسجيّ فاتح"، يمشي الطريقَ نفسه منذ عشرين عامًا ليقدّمها لبائعة الهوى والمتعة واللذة.

تذكر الراويةُ صديقتَها الأخرى المحبّةَ للورد وللرجل الخمسينيّ المخلصِ لحبّ بائعة الهوى، وكأننا في معرض حديثٍ من الراوية/الشيطان أو الجنّ وهي تصف علاقتها بالإنسيّين المحبّين للورد. بعد الوصف الذي تجيده الراويةُ عن الفروق النوعية بين الإنس والجنّ في التعاطي مع الورد والشيكولاتة والقهوة، وكذلك الإسهابِ في الفضول الذي يسيطر عليها لمعرفة مدى العلاقة بين الرجل الخمسينيّ المحبّ المخلصِ لبائعة الهوى – في علاقةٍ استثنائية – وأيضًا بائعةِ الهوى التي تحبّه وتمارس معه اللذة دون كللٍ لعقدين من الزمان تحت ستار الحبّ والاعتياد. نرى الراويةَ تردّد السؤال المُعنون به القصة: "بالمناسبة… ما الذي تتكلفه حفلة؟" وكأنه سؤالٌ استنكاريٌّ ليس له إجابة، وكأنها تطوقُ إلى حفلةٍ "مبهِرة" في العلن، وهو الأملُ الذي لا ولن يتحقق؛ لا لشيءٍ إلا لأنها لا تجيد سوى التلصّص على الآخرين والفضول إلى المزيد من تتبّع تفاصيل علاقاتهم.

"في بيتِ سلوى لطيف". تعرّف الراوي الإنسيّ إلى "فرحان" أمام مكتبةٍ في وسط البلد. بعد انتهائهم ذهبا إلى السوق واشتريا بقدونسَ وطماطمَ، وحين جلسا ليشربا العصير أراه "فرحان" صورةَ طفلته التي عمرها أسبوعٌ في قماطٍ ورديّ، واقترح البطلُ الراوي أن يكون اسمُها "بنفسج" لأن عيونها بنفسجية. فاتصل "فرحان" بزوجته "سلوى لطيف" التي دعتِ الراوي/البطل للغداء في منزلهما. ثم يتعرّف هناك على "نسمة" أختِ "سلوى لطيف"، ثم تكون البداياتُ بينهما "مولّعة" كما يقولون. لكن تحذّرهم "سلوى لطيف": "تعرفون ما تتحوّل إليه البداياتُ المولّعة؟ قصةُ حبّ". ثم يشربون القهوةَ في المكتبة التي يجد فيها روايةَ الفخراني "لا تمت قبل أن تحبّ". ثم يأتي التداعي بأن الإنس أوّل من اخترعوا الاستعبادَ والأقفاص. وتُلقي "سلوى لطيف" قصيدةَ "رقصة مرتجلة في شارعٍ مستهتر" من ديوانها الشعري. وينتهي اللقاءُ على أملٍ بلقاء. ومن الواضح أن الكاتب يستشرف بدايةَ قصةِ حبٍّ بين بطل القصة و"نسمة" عازفةِ الكمان أختِ "سلوى لطيف".

في قصة "أوضاعٌ للحبّ والطيران" تظهر المشاهدُ التي يحبّها الراوي: "طيورٌ تأكل من حبوبٍ وضعها أحدٌ ما على رصيفٍ أو في ميدانٍ أو بجوار شجرة". والراوي له صديقٌ له حبيبةٌ يصفها بـ"مخترعة القبلات"؛ تخترع قبلةً جديدةً على فتراتٍ متقاربة وتُعطيها اسمًا؛ فقد اخترعتْ قبلةَ "نهاية العالم"، ورأى صديقُه نهايةَ العالم في عينيها؛ رسمتها بنظرةِ الإنسيّة العبقرية. أنهتِ العالمَ لأجل قبلة. فالإنس اخترعوا قبلةَ الفم التي تبدأ بالشفةِ السفلى، والشيطاناتُ يفضّلن الشفةَ العليا، كما اخترعوا الحضنَ مثل "حضن نهاية العالم". ثم: ألا يُعتَبر وضعُ الحبوب للطيور نوعًا من الحبّ؟

على الرغم من أن عالمَ الإنس وعالمَ الجنّ مختلفان – عالمُ الإنس بالنسبة للجنّ مرئيّ، بينما عالمُ الجنّ بالنسبة للإنس غيبيّ – فإن القصة تطرح أن التواصلَ بين العالمين ممكنٌ حتى لو في صورته السلبية.

في قصة "ماشيه على حلّ مشاعرها"، وهي أجملُ قصص المجموعة، يجد القارئُ شخصيةً مراهقةً (بَرْكةُ تُجيد التنبؤ) عمرُها 17 عامًا، كلّ أصدقائها أولادٌ من الإنس. والإنسُ مغرمون بالحصول على الألقاب، وأصدقاؤها يطلقون عليها ألقابًا مثل "أمّ الحلول" لأنها ماهرةٌ في الحلّ؛ حلّ أيّ شيء، حلّ أيّ عقدة. والأمّ تُطلق عليها صفة "فاسقة"، وتزجرها بجملة "أنا أقرف منك". على جانبٍ آخر، كلماتُ البنت معظمُها جنسيةٌ تقولها باعتياديةٍ بصوتٍ عالٍ، ويقولون في الحيّ إن لها أكثرَ من عشر مقاطعَ جنسيةٍ مع أصدقائها ومع مسنّين من إنسٍ وشياطين. بذاءاتُ الإنس رائعةٌ؛ إذ يقولون لأولادهم: "أنتم أبناءُ شياطين" – إشارةً إلى التمرّد. وحين تَكيل لها أمُّها الشتائمَ تُذكّرها البنتُ أن الأمّ لا تذكر اسمَها. وعندما تموت البنتُ، تتنبّأ بموتها قبل حدوثه؛ إذ قالت لأبيها: "أموت بكرة الصبح".

بالنظر إلى العلاقة بين الإنس والشياطين أو الجنّ التي تطرحها نصوصُ المجموعة – سواءٌ بالوصف أو بالتحليل – فالعلاقةُ مبناها على تبادلِ ما يعتقد أصحابُه منافعَ ومصالحَ، لكنها في حقيقتها أضرارٌ محضة، بما عُرف عن إبليس من غايةٍ بالغةٍ في إضلال وإفساد العباد، على الرغم من تلاقي بعض الأفعال وتساويها بين الإنس والشياطين.

فور أن يفرغ القارئُ من نصوص مجموعة "حفلة الإنس والشياطين" – التي يجب أن يقرأها، حسب الإهداء: الإنسُ والشياطينُ والجنُّ والعفاريتُ والنجومُ والطير… وظِلٌّ منفردٌ ليس معروفًا لمَن؟ – سيشعر أنه بالإمكان إقامةُ حدثٍ يجمع الإنسَ والشياطين، إسقاطًا على الدنيا التي تضمهما منذ الأزل، وما الحفلةُ سوى الحياةِ التي يعيشونها معًا؛ كطرفي مقصٍّ يتجاوران لكن لا يمكن لأحدهما – في أغلب الأحيان – قصفُ الآخر.

فور أن يفرغ القارئ من نصوص الكاتب محمد الفخراني "حفلة الإنس والشياطين" سيتذكّر رواية "تلك الرائحة" للكاتب صنع الله إبراهيم، حيث سياحةُ الراوي في داخله وسياحته في واقعه، ومن ثمّ تقديمُ مشاهدَ وصفيةٍ دقيقة. أو نصوصَ "الحساسية الجديدة" التي قدّمها بإسهاب الكاتبُ إدوار الخراط. وكأنّ التجريبَ في كتاباتِ ما بعد الحداثة لا ولن ينتهي؛ فالسياحةُ الداخليةُ للرواة، واللغةُ الوصفيةُ المتقشّفة، وبناءُ الجملةِ المُلْغِز سيظلّ يَسِمُ الكتابةَ نتيجةً لرؤيةِ هذا العالم المتشظّي.


 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة