• صحفى من مدينة غزة: النزوح ينقذ الجسد مؤقتا ويقتل الروح ووجودى هنا ليس بطولة بل واجب
• يافا أبو عكر: خروج الروح 1000 مرة أهون من ذل النزوح وأفضل خياراتنا الموت
• المتحدث باسم الدفاع المدني في غزة: القطاع يحترق والإنسانية تباد
• عماد زقوت: النزوح الكلمة الأثقل على قلوب أهل غزة.. والجميع يؤكدون سنبقى مهما كان الثمن
• سارة بهار: مش طالعة و فكرة النزوح لحالها صارت تمزقنا من جوه
في مدينة اعتادت أن تتزين بأبراجها العالية التي شكلت رمزا للتمدن والاستقرار وسط حصار طويل، تحولت تلك الأبراج اليوم إلى أطلال خوف وذاكرة مهددة، لم تعد نوافذها المطلة على البحر أو الأزقة الضيقة تحمل دفء الحياة اليومية، بل صارت مرصودة تحت أعين طائرات الاحتلال الإسرائيلي، التي ما إن تصدر أوامر الإخلاء حتى تتبعها دقائق قليلة بهجوم جوي يحول البنيان إلى ركام.
داخل هذه الأبراج، آلاف العائلات كانت تحيا تفاصيلها الصغيرة، طالب يذاكر، أم تعِد طعاما، أب يعود من عمله، فجأة، يتحول كل شيء إلى سباق مع الزمن؛ دقائق معدودة لجمع الأوراق الرسمية أو بعض الثياب، وترك منزل هو خلاصة العمر، وفي لحظة، ينهار المبنى الذي حمل أحلامهم ليتركهم مشردين، بلا عنوان، وبلا أفق سوى النجاة.
تحقيقنا هذا يرصد رحلة سكان أبراج غزة مع أوامر الإخلاء القسرية: كيف يعيشون الصدمة، بأي منطق يتعامل الاحتلال معهم، وكيف تحوّلت العمارة المدنية إلى ساحة مواجهة، يدفع ثمنها المدنيون وحدهم.

تفجير أحد الأبراج مدينة غزة
في 8 سبتمبر طالب رئيس الوزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، سكان غزة بمغادرتها، زاعما أن ما قام به الجيش الإسرائيلي حتى الآن في مدينة غزة ليس سوى مقدمة للعملية الرئيسية المكثفة، حيث قال: "أنا الآن في غرفة عمليات سلاح الجو، لقد وعدتكم قبل أيام قليلة بأننا سنسقط أبراج الإرهاب في غزة، هذا هو بالضبط ما نفعله، في اليومين الأخيرين، سقط 50 برجا من هذا القبيل، سلاح الجو أسقطها، والآن، كل هذا، ليس سوى مقدمة، مجرد بداية، للعملية الرئيسية المكثفة، وهي مناورة برية لقواتنا التي تستعد الآن وتتجمع للدخول إلى مدينة غزة".

تفجير برج في غزة
وفي 10 سبتمبر دمرت الطائرات الحربية برج طيبة 2 السكني مقابل ميناء غزة، وذلك بعدما أصدر جيش الاحتلال الإسرائيلي في وقت سابق اليوم إنذارا بإخلاء ميناء غزة وحي الرمال الجنوبي، خاصة برج طيبة والخيام المجاورة.
قبلها بيوم شن الاحتلال غارة جوية على برج السلام الواقع وسط مدينة غزة، سبقها بـ24 ساعة تدمير برج مجمع الرؤيا التجاري الواقع في منطقة الجامعات غرب مدينة غزة، وذلك عقب استهدافه بعدة صواريخ، حيث وعد البرج واحداً من أبرز المباني التجارية في المنطقة، ويتكون من 16 طابقا ويضم مكاتب لمؤسسات صحفية وحقوقية، إلى جانب مقار لشركات تجارية ومطاعم وصالة رياضية.

تفجير أبراج في غزة
وفي 15 سبتمبر واصل الاحتلال سياساته في تدمير الأبراج، بعدما استهدف برج الغفري غرب مدينة غزة المكون من 19 طابقا ويدمره الكامل، وتأتى تلك الاستهدافات ضمن خطة واضحة من قبل إسرائيل لتدمير كافة الأبراج السكنية في مدينة غزة شمال القطاع، فخلال الأيام الماضية عمد الاحتلال على تدمير برج مشتهى وبرج السوسي وعمارة الرؤيا.

تفجير برج الرؤيا التجاري بمدينة غزة
منشورات إسرائيلية للإخلاء
يتحدث عصام النبيه المتحدث باسم بلدية غزة، عن المنشورات التي تسقطها طائرات الاحتلال على سكان المدينة تطالبهم بالنزوح تمهيدا لاقتحامها، حيث يقول :"مع شروق الشمس تلقي إسرائيل مناشيرها علينا وتطلب منا مغادرة غزة، أتأمل المنشور ولغته الركيكة، أتأمل تفاصيل وجوه زملائي من العمال والمهندسين الذين لا يزالون يجهزون معداتهم لبدء العمل، أخرج على بوابة كراج الآليات الثقيلة وأتأمل في خطوات الناس الثقيلة وأجسادهم الهزيلة".
تدوينة عصام النبيه
ويضيف خلال شهادته التي كتبها عبر صفحته الرسمية على "فيسبوك" :"أعود إلى مكتبي مثقلا بالحزن والأسى على غزة وناسها ونفسي، أجلس على الكرسي المهترئ من الحرب والغبار والهموم، أتصفح الأخبار وصور حبيبتي البعيدة آلاف الأميال، وكل ما يدور في بالي أن الموت بات قريبا جدا، أقرب من أي وقت مضى، والله المستعان".
برج الغفرى خلال استهدافه
وخلال بيان صادر عن المكتب الإعلامي الحكومي في 23 أغسطس، أدان تهديدات الاحتلال باجتياح مدينة غزة، التي تضم أكثر من 1.3 ملايين إنسان، بينهم 500 ألف طفل، ومخططاته لطرد المنظومة الصحية منها، في جريمة حرب تستهدف ما تبقى من مقومات الحياة.

منشورات إسرائيلية
وأضاف المكتب الإعلامي الحكومي، أن الاحتلال دمر المنظومة الصحية في غزة والشمال، مما أدى لتعطل المستشفيات عن العمل بكامل طاقتها، معلنا رفضه قطعياً أي خطوة لنقل المستشفيات أو إفراغ المدينة من خدماتها الصحية، ومطالبا المجتمع الدولي بالتحرك العاجل لتعزيز المنظومة الصحية وتجهيز مستشفيات غزة لتقديم الرعاية لكل المرضى والمصابين.
برج الغفرى قبل استهدافه
وأوضح أن المستشفى الأوروبي، لا يمكن أن يكون بديلاً عن مستشفيات الشمال، إذ يحتاج لأكثر من 6 أشهر من العمل المتواصل لإعادة تأهيله بعد تدميره، بما يشمل البنية التحتية والمعدات والكادر الطبي، مؤكدا أن استهداف المنظومة الصحية يمثل انتهاكا صارخاً للقانون الدولي ويتطلب تحركاً فورياً لحماية المدنيين.

أسر فلسطينية تنزح من مدينة غزة
في 30 أغسطس أكد بلدية مدينة غزة، أن مئات الآلاف من المواطنين يتكدسون وسط وغرب المدينة، والظروف الإنسانية صعبة وعاجزون عن تقديم الحد الأدنى من الخدمات، لافتة إلى أن حصة الفرد في القطاع باتت أقل من 5 لترات من المياه يوميا للشرب والنظافة.
وتوقعت في بيان لها، ارتفاعا كبيرا في أعداد الضحايا إذا وسع الاحتلال عمليته العسكرية، خاصة أنهم يواجهون انهيارا كليا للخدمات في ظل استمرار إسرائيل في منع دخول الوقود والآليات التي نحتاجها، وأنه يحسب التقديرات يوجد أكثر من مليون مواطن وسط وغرب مدينة غزة معظمهم نازحون.
تكدس كبير للنفايات
بعدها بأسبوعين، وفي خضم العملية العسكرية الإسرائيلية، حذرت بلدية غزة من خطورة تفاقم الكارثة الإنسانية في المدينة جراء تصعيد إسرائيل لحرب الإبادة المستمرة منذ نحو عامين، وما نتج عنها من دمار واسع في البنية التحتية وتكدس كبير للنفايات في الشوارع والمكبات، إضافة إلى نقص حاد في الخدمات الأساسية، لافتة إلى أن الأزمة تتفاقم يوميا بفعل تراكم النفايات، وانعدام المياه الكافية، وتسرب المياه العادمة نتيجة تدمير شبكات الصرف الصحي، كما أن الجهود المبذولة لجمع النفايات تواجه عوائق كبيرة بسبب نقص الوقود والآليات ومنع الوصول إلى المكب الرئيس شرق المدينة.

تفجيرات في غزة
وناشدت البلدية، المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية بالتحرك الفوري لوقف حرب الإبادة، ودعم جهود البلدية في التخفيف من الكارثة عبر توفير الاحتياجات الطارئة والحد من انتشار الأوبئة والأمراض.
تكلفة النزوح
ووفقا لرسائل لعدد من النازحين من مدينة غزة لمناطق وسط القطاع، ، وحصل اليوم السابع على نص تلك الرسالة، فإن تكلفة النزوح تتمثل في 1000 دولار تكلفة نقل عفش (فراش، حرامات، ملابس، برميل مياه، جالون مياه، جرادل مياه فارغة، ممتلكات خاصة)، و100 دولار أدوات حفر وتجهيز وترتيب للمكان المراد النزوح إليه، و1000 دولار خيمة أو خشب مع شوادر، و500 دولار بناء وتجهيز حمام بشكل بدائي.

الخيام بمدينة غزة
كما تتضمن تكلفة النزوح 50 دولار متفرقات اضطرارية (تحدث دون توقع لها)، و50-100 دولار تكلفة إيجار بالتشارك مع بقية جيرانك (استغلال للحاجة) للأرض التي ستقيم فيها خيمتك، و50-100 دولار يومية للعامل أو مجموعة العمال ممن لديهم خبرة في تركيب وتأسيس المكان، أي أن إجمالي التكلفة 2700 دولار -3000 دولار أو ما يزيد حسب المكان المراد الذهاب إليه وظروفه.

تكاليف النزوح الباهظة داخل غزة
وعلقت الإعلامية الفلسطينية فاطمة أبو نادي على أوامر الاحتلال لسكان مدينة غزة النزوح قائلة : "راح ننزح إجباري بس مفيش فلوس لنزوح ، مرهقين جدا".
وأضافت "أبو نادي" :"قصف برج باب البحر بالقرب من مينا الصيادين، علما أنها كانت منطقة مكتظة بالنازحين، والنزوح من أسوأ المراحل التي يمر بها المواطن الغزي حيث تبدأ المشكلة بعدم قدرة النازحين على توفير مبلغ مالي قد يتجاوز الـ 1000 دولار لبضعة كيلو مترات لنقل العفش، ونقل أسرهم من أجل حمايتهم من الموت، ثم بعدها تأتي مشكلة البحث عن مكان آمن للبقاء في مأمن من مكر العدو الذي يخبرهم عن أن منطقة المواصى خان يونس على أنها آمنة ، رغم القصف والدمار والقتل المستمر".
الإعلامية فاطمة أبو نادي
وأعلنت فاطمة أبو نادي نزوحها للجنوب بعد وصول قرارات الإخلاء من قبل الاحتلال، حيث جمعت أغراضها وملابسها تمهيدا للنزوح، قائلة :"تعبنا من النزوح المتكرر والمستمر ، والمٌكلف ، لم يعد لنا طاقة وأمل؛ إن نسف الأبراج أمام أعيننا طوال اليوم رسالة خطيرة وواضحة بأن الجيش يقول لك أنت وأسرتك تحت الموت عليك المغادرة للحفاظ على حياتك".
الأبراج والبنايات السكنية المدمرة في مدينة غزة
جريمة حرب كبرى
وأكد المكتب الإعلامي الحكومي بغزة في 24 أغسطس أن أي اجتياح لمدينة غزة سيشكل جريمة حرب كبرى، خاصة في ظل تدمير الاحتلال الممنهج للمنظومة الصحية في محافظتي غزة والشمال، وتوقف المستشفيات عن العمل بكامل طاقتها، ما يفاقم المعاناة الإنسانية ويعرض آلاف الأرواح للخطر، محذرا في بيان له من أن هذه التهديدات تكشف نية مبيتة لارتكاب عمليات قتل جماعي وتهجير قسري.
وطالب، المجتمع الدولي، والأمم المتحدة، وكافة المؤسسات الحقوقية بالوقوف أمام مسؤولياتهم القانونية والدولية والتحرك العاجل والفوري لردع الاحتلال ووقف جرائمه، وحماية المدنيين، وضمان بقاء المنظومة الصحية فاعلة داخل المدينة، موضحا أن الشعب الفلسطينى العظيم سيبقى صامداً على أرضه، وأن هذه السياسات الإجرامية لن تنال من إرادته.

تفجيرات في مدينة غزة
وبعدها بـ24 ساعة، حذر الدفاع المدني بمدينة رفح الفلسطينية، من مد بحري مرتقب في ظل تكدس خيام النازحين قرب الشواطئ من مدينة غزة حتى شمال رفح، حيث إن النازحين مجبرون على الإقامة قرب الشواطئ والقدرات شبه معدومة للتعامل مع حالات الغرق أو الانهيارات، داعيا المواطنين إلى الابتعاد قدر الإمكان عن شاطئ البحر وسط توقعات بمد بحري وشيك.
عاجزون عن النزوح بقدر عجزنا على البقاء
ويقول يوسف فارس أحد سكان مدينة غزة في شهادته عن أوامر الاحتلال بإخلاء المدينة :" تجلس رفقة الناس الذين تلاحقهم القنابل من خيمة لأخرى، وتطالبهم بالنزوح جنوبا، فيما هم عاجزين عن النزوح بقدر عجزهم على البقاء، يعني أن تعود محملاً بخيبة العالم وعجزه، تنتظر هذه العائلة المكونة من 40 شخصا الموت في شمال غرب غزة، يخترق الرصاص كل ليلة خيامهم، لا أحد يقوى على تكاليف النزوح الباهظة سوى أغنى الأغنياء".

حريق الخيام في مدينة غزة
ويضيف "فارس" :"مَن يمتلك خيمة وفراش، لا يمتلك 700 دولار أجرة نقلها، ومن يمتلك القليل من المال الذي يكفيه للمواصلات، لا يمتلك خيمة ومالاً لتجهيز حمام ومكان للمبيت أو أجار قطعة أرض، أما أجارات الشقق في الوسطى والجنوب، فقفزت إلى مستويات قياسية، ألف دولار وأكثر".
تدوينة يوسف فارس
تعذيب المدنيين
كما يؤكد أن جيش الاحتلال يختار أهدافه بدقة، كل الأبراج والأبنية المستهدفة تتوسط مخيمات نازحين تضم مئات الخيام، وتُقصف البنايات بقنابل يتجاوز تأثيرها تدمير المبنى المستهدف لتمتد لتدمير وتخريب الخيام ومتعلقات وملابس وأغطية النازحين الموجودة فيها، ما جرى قبل قليل في نادي الجزيرة نموذجاً، مئات العائلات أضحت بلا فراش ولا خيمة، مضى على تهديد الاحتلال لعمارة الرؤيا بالقصف أكثر من 9 ساعات.
ويشير إلى أن سكان هذه البناية السكنية وكذلك البنايات المجاورة كلهم يفترشون الطرقات حتى هذه اللحظة، ويواجهون مصيراً مجهولا، لم يحدد الاحتلال وقتا معينا للقصف وإنما ترك الأمر مفتوحا ليزيد من عذابات وألام المواطنين، هذا الاحتلال يتفنن في تعذيب المدنيين وفي إيلامهم وحرق أرواحهم.

العملية العسكرية الإسرائيلية داخل مدينة غزة
ضحايا اليوم الواحد
وفى 3 سبتمبر أصدر المكتب الإعلامي الحكومي بيانا أكد أن الاحتلال منذ 13 أغسطس الماضى، في عملية عسكرية برية إجرامية جديدة داخل مدينة غزة، ارتكب خلالها سلسلة من جرائم الإبادة الجماعية بحق العائلات الفلسطينية والأحياء السكنية المكتظة.
وأضاف أنه في إطار جريمة تهجير قسري ممنهجة، أجبر الاحتلال سكان مدينة غزة والشمال على الإخلاء القسري، تزامنا مع تفجير أكثر من 100 روبوت متفجر بين الشوارع والأزقة المأهولة بالسكان المدنيين، وتنفيذ أكثر من 70 عملية قصف مباشر بالطائرات الحربية المقاتلة، وأسفرت هذه الجرائم خلال الفترة المذكورة عن استشهاد 1100 فلسطينيا وإصابة 6008 آخرين، في مشاهد وحشية مروعة، بمتوسط أكثر من 52 شهيداً وأكثر من 285 مصاباً في اليوم الواحد، وبالتزامن مع الانهيار الشامل للمنظومة الصحية بسبب اعتداءات الاحتلال الممنهجة بحقها.
ضحايا العملية العسكرية الإسرائيلية على مدينة غزة
الموت في المواصي لا يختلف عن الموت في قلب مدينة غزة
أما أحمد تناني عضو لدى منتدى الشباب الفلسطيني للسياسات والتفكير الاستراتيجي، وهو من سكان مدينة غزة، فيوضح أن الاحتلال يريد من مليون فلسطيني في المدينة أن يبحثوا عن ملجأ جديد للنزوح القسري بين مئات آلاف الخيام المتكدسة في منطقة المواصي جنوب غرب القطاع، ويدعي أن هذه المنطقة إنسانية وآمنة، بينما لم يتوقف فيها القصف والقتل يومًا، حتى طالت الخيام ذاتها ومُزّقت أجساد النازحين بصواريخه، لتتفتت بعض جثامين الشـهـداء وتتبخر حتى لم يُعثر لها على أثر.
تدوينة أحمد التناني
ويضيف :"لم يكلف الاحتلال نفسه عناء الانسحاب من أي من المناطق التي يحتلها ويطرد سكانها، لعلها تتيح بعض المساحة للنازحين، والحقيقة أنه لا يكترث أين يذهب الهاربون من الموت أو الباحثون عن النجاة، بل يسعى فقط إلى إقناع المجتمع الدولي بأنه قد وجّه تحذيرا وهيأ منطقة إنسانية وطريقًا للخروج، لكن الواقع يكشف أن الموت في المواصي لا يختلف عن الموت في المخيمات الوسطى أو في قلب مدينة غزة؛ هو موت واحد، وتيرته واحدة، ومعاناة الفلسطينيين فيه واحدة".
عمليات التفجير الإسرائيلية على مدينة غزة
جريمة ترحيل قسرى مكتملة الأركان
أكد المكتب الإعلامي الحكومي بغزة أن جيش الاحتلال يواصل ارتكاب جرائم ممنهجة وخطيرة بحق الشعب الفلسطيني ، حيث أقدم على تفجير أكثر من 80 روبوتا مفخخا بين أحياء سكنية مدنية خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، في سلوك إجرامي يجسد استخدام سياسة الأرض المحروقة خلال عملياته البرية الإجرامية ضد السكان والأحياء المدنية، ما أدى إلى تدمير واسع النطاق للمنازل والممتلكات، وتعريض أرواح المدنيين لأخطار جسيمة.
️وأضاف في بيان له فى 31 أغسطس، أن الاحتلال يستمر في ارتكاب جريمة التجويع ضد أكثر من 2.4 مليون إنسان في غزة، بينهم ما يزيد على مليون إنسان في المدينة والشمال، من خلال المنع المتعمد لدخول الغذاء والماء، في مخالفة واضحة للمادة (54) من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف، حيث أدت سياسة التجويع إلى استشهاد أكثر من 332 حالة وفاة، من ضمنهم 124 طفلا، ويترافق ذلك مع عمليات ممنهجة لتدمير ما تبقى من المنظومة الصحية، واستهداف متعمد لمقومات الحياة المدنية بهدف القضاء على إمكانية استمرار الحياة الطبيعية، ورغم ذلك، فإن أكثر من مليون فلسطيني ما زالوا في مدينة غزة، يرفضون الرضوخ لسياسة التهجير القسري والتطهير العرقي، مؤكدين صمودهم الأسطوري في وجه آلة الحرب "الإسرائيلية" المجرمة.

دبابات الاحتلال تقتحم مدينة غزة
غزة ليست مريضا ينتظر إعلان وفاته
أما أحمد نبيل صحفي فلسطيني، والذي يعيش أيضا في مدينة غزة فيقول:"ها نحن نعد أنفاسنا الأخيرة في غزة كما لو أن طبيبا سلط علينا حكما باردا يحدد أيامنا المعدودة على هذه الأرض لكن الموت الذي يقترب منا ليس قدرا طبيعيا ولا عارض علة بل مشرط جراح متوحش اسمه إسرائيل يتوهم أنه يطهر الأرض من ورم اسمه نحن فيجتهد أن يقتلعنا من الجذور كما لو أن التاريخ قابل للاستئصال وكأن الذاكرة يمكن أن تلقى في سلة مهملات بيضاء".
تدوينة أحمد نبيل
ويتابع :"نعيش تحت هذا الإحساس الفادح أننا تحولنا إلى ملف طبي موضوع على طاولة جراح لا يرى فينا وجوها ولا أسماء بل مجرد كتلة ينبغي محوها وهذا هو الوجع الأعمق أن يختصر وجودنا كله إلى تشخيص بارد أن نصبح مرضا في نظر من يملك القوة وأن يقرروا أن نهاية حياتنا هي مجرد إجراء ضروري للحفاظ على جسد يتوهمون أنهم أصحاب القرار فيه".
ويواصل شهادته قائلا :" ها نحن نساق إلى نهايتنا كما يساق المريض إلى غرفة العمليات بلا خيار ولا اعتراض لا نرى كبشر ولا كحكايات بل ككتلة زائدة على جسد الأرض يريد الجراح أن يشطبها بضربة مشرط واحدة كأن تاريخنا مجرد ورم عابر وكأن دمنا مجرد نزيف يجب وقفه بأي ثمن وكأن اقتلاعنا سيكون شفاء لهذا العالم المريض، أي عبث هذا؟! من يستطيع أن يقتلع بحرا من شواطئه من يملك أن يسلخ الشجرة عن جذورها الممتدة في قلب التربة نحن لسنا عارضا عابرا في جسد الأرض نحن لبها نحن جرحها وروحها نحن تاريخها وذاكرتها نحن سؤالها الذي لا يموت".

سيارات الفلسطينيين تتكدس للنزوح إلى جنوب غزة
ويضيف :"قد ينجحون في أن يدفنوا أجسادنا تحت الركام لكنهم يعجزون أن يدفنوا أصواتنا قد يطفئون أنوار بيوتنا لكنهم لا يقدرون أن يطفئوا لهيب الحنين في صدورنا إنهم يتوهمون أن الغزاة يصنعون النهاية بينما الحقيقة أن كل رصاصة تطلق علينا تنبت ألف قادم جديد من رحم الرماد، غزة ليست مريضا في غرفة الإنعاش ينتظر إعلان وفاته غزة هي امتحان الوجود ذاته هل يمكن أن يلغى شعب كامل هل يمكن أن يمحى وطن بحجم قلب كل ما يفعلونه ليس أكثر من جراحة مشوهة تبقي الندبة شاهدة على قبحهم وخلودنا".
تداعيات كارثية
وفي 6 سبتمبر ، أكدت منظمة العفو الدولية، أن العملية العسكرية في بلدية غزة ستكون لها تداعيات كارثية، وعلى إسرائيل تجميد عمليتها العسكرية على الفور، مشيرة إلى أن العملية العسكرية الإسرائيلية في المدينة ستهجر مئات آلاف الفلسطينيين وتعمق المعاناة في القطاع الذي يعاني من حملة تجويع وإبادة.

مئات الآلاف من الفلسطينين ينزوحون من غزة
مش طالعة
بينما تصر سارة بهار على عدم الاستجابة لأوامر الاحتلال بالخروج من المدينة، وتتحدى آلته العسكرية، حيث تقول في شهادتها عن جرائم إسرائيل بمدينة غزة :"إحنا مش بخير، ومش عارفين نكون بخير، إحساس العجز اللي جواتنا بياكلنا شوي شوي، ويمكن يكون الشعور الوحيد الصادق اللي ما قدرنا نتهرب منه، إحنا فعلًا عاجزين مش عارفين شو نعمل ولا وين نروح ولا شو نقرر، كل شي حوالينا بيتدمر والتهديد بيزيد والمناشير بتنزل علينا كأننا مش بشر كأننا أغراض لازم تُنقل من مكان لمكان".
تدوينة سارة بهار
وتضيف خلال شهادتها :"قالوا "غادروا غزة فورًا إلى المواصي في خانيونس"، كيف؟ المكان مش أمان، ولا يوجد في مساحة نحط فيها رجلنا، ولا حتى نحط أرواحنا، وبيهددونا والمصيبة إنهم ما بيهددوا عبث بينفذوا!، نسفوا أبراج، محوا عمارات، هجرونا، نزحونا، شردونا، وفوق كل هاد، بيموت منا أحبابنا، وضلينا نحزن ونصمت ونحاول نكمل، عنجد تعبنا، عنجد ما ضل فينا نفس للنزوح، فكرة النزوح لحالها صارت تمزقنا من جوه، تشل تفكيرنا، تكسر ظهرنا، تهين إنسانيتنا، صرنا نحس حالنا قطع بلعبة شطرنا، بيلعبوا فينا زي ما بدهم، يقرروا مين ينهزم، مين يُمحى، ومين يغادر، والمصيبة؟ محدش سائل، كأنه أرواحنا أرقام و صوتنا ما له معنى".
اختصرت حياتي كلها بشنطة
وتتساءل بهار :" كيف ممكن يطلبوا من الناس تنزح لمنطقة، ثم يقصفوها؟..كيف بيطلبوا من أم تمشي هيا وأولادها مسافات طويلة وهي ما معها حتى نقطة ميا، ما عندها لا أمان ولا دواء ولا مأوى؟، وإذا وصلوا، تكون النتيجة هي الموت.. مش الحماية، أطفال المواصي، وغيرهم كتير، كانوا فقط بدهم يشربوا ميا نضيفة واقفين عالدور ، مش حاملين سلاح، ولا بيهددوا أمن حدا، كانوا بدهم يعيشوا، بس لكن يبدو إن الحياة صارت تهمة والموت هو القاعدة، أي إنسانية هاي اللي بتبرر قصف الأطفال؟، أي أمان الي بتوعدونا فيه، وأنتم بتسرقوا أرواح الأبرياء بدون رحمة؟، ما في كلمات تكفي تعبر عن الغضب أو الحزن، لكن في جملة لازم تنعاد دايمًا: هذا مش طبيعي، وهذا مش لازم يصير، وحق كل طفل مات، وكل أم بكت، إنو العالم يصحى، ويوقف هالدم، ويقول "بكفي"، "اختصرت حياتي كلها بشنطة، ولا حدا بيعرف شو يعني نزوح إلا اللي عاشه واضطر يطلع من بيته".

نزوح الفلسطينيين من مدينة غزة
وتواصل توجيه تساؤلاتها لعلها تجد آذانا صاغية من المجتمع الدولي :"أنا وحدة من الناس اللي اضطرت تسيب بيتها وكل اشي وراها، طلعت بغيارين شتوي وغيار صيفي، على أمل نرجع بعد كم يوم، بس الأيام صارت شهور، والشهور راحت، ومعاها راح كل اشي، راح البيت، راحت الحارة، والذكريات، والناس، والمنطقة كلها صارت رماد، اليوم لما بسمع كلمة "نزوح" بتوجعني مش بس ككلمة، بتفتح جرح، كل مرة بطلع فيها، باختصر سنين من عمري، من تعبي، من تفاصيل حياتي بشنطة وحدة، أنا بقول اني مش طالعة بس لو اضطرينا نطلع وننزح شو بدنا ناخد؟ شو راح نقدر نحمل؟، كيف بدنا نختار من عمرنا شو بيستحق يضل معنا، والباقي نودّعه بصمت؟ زي ما ودعت كل اشي في بيتنا، ما بعرف شو نهاية هالطريق، بس بعرف إنه الله شايف، وبعرف إنه صوت المظلوم عمره ما بروح سدى، يا رب، هونها علينا، إنت الوحيد اللي قادر ترد الحق وتنصفنا".
وفي 6 سبتمبر، أعرب ستيفان دوجاريك المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، عن شعوره بالقلق إزاء إعلان الجيش الإسرائيلي استهداف المزيد من المباني الشاهقة في غزة قريبا، خاصة أن هذه التطورات تجبر أعدادا متزايدة من الناس على الفرار في مكان نزح فيه الجميع تقريبا بالفعل، قائلا :"زملاؤنا في المجال الإنساني أفادوا بأن الناس في شمال قطاع غزة حيث تأكدت المجاعة منهكون تماما".

نزوح سكان مدينة غزة
النزوح الكلمة الأثقل على قلوب أهل غزة
أما عماد زقوت مواطن من سكان شمال غزة فقد عبر عن معاناته قائلا: النزوح، الكلمة الأثقل على قلوب أهل غزة ..في مدينة غزة، لم تعد هناك كلمة تتردد على الألسنة أكثر من "النزوح"، في كل مكان، في كل حديث، في كل بيت… الناس تتحدث عن النزوح وما يرافقه من معاناة وقلق ومجهول، لكن الغالبية، رغم الخوف والجراح، ترفض فكرة الرحيل، يقولون: "لن نغادر المدينة..،سنبقى هنا، في بيوتنا، مهما كان الثمن، في المقابل، لا يتوقف الاحتلال عن ارتكاب المجازر، الدم في نظره مباح، والعقاب جماعي، اللهم احفظ أهلنا في غزة، وثبّت أقدامهم، وارفع عنهم هذا الظلم والعدوان.. مدينة غزة تُواجه اليوم أبشع صور الموت والخراب، في محاولة ممنهجة لطمس ملامحها ومحو عمرانها الذي كان رمزًا للحياة فيها، يريدونها بلا ذاكرة، بلا عمارة، بلا ما يدل على أنها كانت يومًا مدينة تنبض بالحياة.
تدوينة عماد زقوت
وخلال الأسابيع الثلاثة الماضية، ارتقى أكثر من 1100 شهيد وأصيب مئات الجرحى جراء الغارات الإسرائيلية على مدينة غزة وحدها، في وقت فجر الاحتلال أكثر من 100 عربة عسكرية مفخخة وسط الأحياء السكنية في المدينة.
مزاعم الاحتلال تبرير لعدوانه الهمجى
وفى 6 سبتمبر أكد المكتب الإعلامي الحكومي، أن مدينة غزة تضم 51,544 مبنى وبرجا سكنيا، بينما الاحتلال يستهدف الأبراج السكنية ضمن مخطط تهجير قسري ممنهج، حيث يدعي زورا وجود نشاطات عسكرية داخل هذه الأبراج، بينما هذه الأبراج تخضع للرقابة من قبل مجالس إدارات الأبراج نفسها، ولا يُسمح بدخولها إلا للمدنيين فقط.
وأوضح أن المزاعم الكاذبة التي يروج لها الاحتلال ليست سوى جزء من سياسة التضليل الممنهج التي يتبعها لتبرير استهداف المدنيين والبنية التحتية، ولإرهاب السكان ودفعهم قسرا إلى النزوح، في إطار جريمة تهجير قسري ممنهجة ترتقي إلى جريمة ضد الإنسانية وفق القانون الدولي الإنساني، واتفاقية جنيف الرابعة، ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
غزة تحترق والإنسانية تباد
وفي 8 سبتمبر أكد المتحدث باسم الدفاع المدني في غزة، محمود بصل، أن مدينة غزة تحترق، والإنسانية تُباد، حيث خلال 72 ساعة فقط، تم قصف خمسة أبنية شاهقة تزيد عن 7 طوابق تضم 209 شقة، كل شقة تؤوي على الأقل 20 شخصًا في ظل الطوارئ الحالية أي أكثر من 4100 طفل وامرأة وكبير سن أصبحوا بلا مأوى.
وأضاف خلال بيان له، أنه تم تدمير أكثر من 350 خيمة، كل واحدة تؤوي 10 أشخاص أي نحو 3500 شخص فقدوا ملاذهم الأخير، مشيرة إلى أن المحصلة النهائية لتلك الاستهدافات نحو 550 عائلة، أي حوالي 7600 إنسان يعيشون الآن في العراء، محرومين من أبسط مقومات الحياة، يصارعون الموت والجوع والحر في مشهد كارثي لا يطاق، والعالم يشاهد بصمت، بينما مدينة غزة تصرخ للإنقاذ قبل فوات الأوان، ونداء عاجل لكل المنظمات الإنسانية وللعالم.. تدخلوا فورًا لإنقاذ حياة آلاف الأبرياء.
وأكد محمود بصل، أنه خلال أقل من أسبوع واحد فقط، وبعد إعلان الاحتلال الإسرائيلي عن فتح أبواب الجحيم على مدينة غزة، تعرضت البنية التحتية والمناطق السكنية لدمار واسع النطاق، ودمرت تل أبيب 12 بناية سكنية يزيد عدد طوابقها عن 7 طوابق، تضم نحو 500 شقة سكنية، ما أدى إلى تشريد أكثر من 10,000 مواطن، بجانب قصف وتدمير أكثر من 120 بناية تقل عن 7 طوابق بمتوسط 3 طوابق لكل بناية، وتشريد ما يزيد عن 7,200 مواطن.
وأشار إلى تضرر أكثر من 500 بناية بشكل جزئي، الأمر الذي حرم ما يقارب 30,000 مواطن من مأواهم، بجانب تدمير أكثر من 600 خيمة كانت تؤوي نازحين، وتشريد ما لا يقل عن 6,000 مواطن إضافي، و10 مدارس، و 5 مساجد، موضحا أن أكثر من 50,000 مواطن في غزة، بينهم أطفال ونساء وكبار سن، أصبحوا بلا مأوى خلال أقل من أسبوع، في ظل كارثة إنسانية متفاقمة.
خروج الروح 1000 مرة أهون من ذل النزوح
وتقسم الصحفية يافا أبو عكر قائلة :" والله إن خروج الروح 1000 مرة أهون من مرارة وذل النزوح لذلك أفضل خياراتنا الموت، اوامر اخلاء لمدينة غزة بالكامل قد صدرت وصدر معها موتنا الأبدي ".
تغريدة يافا أبو عكر
وتضيف :"غزة تُباد بدون كاميرات وتصوير، الأبراج تُسوّى بالأرض على ساكنيها والبيوت تتحول لركام في لحظات عشرات الشهداء في كل مكان، أطفال يصرخون القصف مستمر والجوع أنهك عظامهم وأهل غزة لا حديث لهم إلا عن الموت والوداع والنزوح المرّ وأين المفر ".
وتتابع :" إسرائيل تتفنن في قتلنا لا تكتفي بالصواريخ بل تستعمل الريبوت المحمل بعشرات الأطنان من المتفجرات لمسح مربعات سكنية كاملة عن بُعد ضغطة زر تكفي لتفقد سمعك ليرتفع ضغط دمك، ليتوقف قلبك وانت بعيد، والكواد كابتر ليست مجرد آلة بل أحد أقبَح وجوه هذه الحرب شاهد يومي على القتل البارد الذي يُدار بالريموت تطلق النار على الناس في غرف نومهم، على أطفال يختبئون في أحضان أمهاتهم على أحياء كاملة تتحول فجأة إلى مقابر".
وفى 9 سبتمبر أكد المكتب الإعلامي الحكومي أن أكثر من 1.2 مليون إنسان ما زالوا في مدينة غزة وشمالها، ثابتين في أرضهم، يرفضون بشكل قاطع النزوح نحو الجنوب رغم شدة القصف والإبادة الجماعية التي يمارسها الاحتلال الذي يحاول تنفيذ جريمة "التهجير القسري" المخالفة لكل القوانين الدولية.
وأضاف أن عدد سكان غزة وشمالها يبلغ أكثر من 1.3 مليون نسمة، منهم نحو 398 ألفاً من سكان محافظة شمال غزة غالبيتهم نازحون حالياً إلى غرب المدينة، وأكثر من 914 ألفاً من سكان المحافظة ، بينهم 300 ألف نزحوا من الأحياء الشرقية للمدينة نحو وسطها وغربها.
وأوضح أنه خلال الأيام الماضية، رصدت الطواقم الحكومية ظاهرة "النزوح العكسي" من الجنوب نحو غزة وشمالها، حيث اضطر نحو 35 ألف مواطن للنزوح جنوباً تحت وطأة القصف، لكن أكثر من 12 ألفاً عادوا إلى مناطقهم الأصلية في ظل انعدام مقومات الحياة في الجنوب.
ولفت إلى أن منطقة المواصي في خان يونس ورفح، التي تضم حالياً نحو 800 ألف نسمة، وتُسوّقها سلطات الاحتلال زورا كمناطق "إنسانية وآمنة"، تعرضت لـ 109 غارات وقصف متكرر خلفت أكثر من 2000 شهيد في مجازر متتالية يرتكبها جيش إسرائيل في المواصي، مشيرا إلى أن هذه المناطق تفتقر تماما إلى مقومات الحياة الحقيقية فلا وجود فعلي لمستشفيات ولا وجود لبنية تحتية، ولا تتوافر فيها أي خدمات أساسية من ماء أو غذاء أو مأوى أو كهرباء أو تعليم، ما يجعل البقاء فيها شبه مستحيل.
وأكد أن المساحة التي حددها الاحتلال في خرائطه كمناطق "إيواء" لا تتجاوز 12% من مساحة قطاع غزة، وتحاول تل أبيب حشر أكثر من 1.7 مليون إنسان فيها، في سياسة تهجير قسري ممنهجة تهدف لإفراغ شمال غزة ومدينة غزة، وهي جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وجرائم مخالفة للقانون الدولي وللقانون الدولي الإنساني.
فيما أكد مكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، ببيان صادر له في 11 سبتمبر، أن بعض المرافق بمدينة غزة أجبرت على وقف خدماتها وتواجه خطر الإغلاق، ونحو مليون شخص يواجهون قصفا ومصاعب بالوصول لمقومات البقاء، واستشهاد 540 من العاملين الإنسانيين في القطاع منذ أكتوبر 2023، داعيا لوقف إطلاق النار وحماية المدنيين وتوسيع نطاق وصول المساعدات.
وخرج سياسيون أمريكيون مؤخرا ليفضحون مخطط الاحتلال في تهجير سكان غزة من خلال تصعيد العمليات العسكرية، حيث أكد عضوا مجلس الشيوخ الأمريكي كريس فان هولن وجيف ميركلي، في بيان لهما نشرته وسائل إعلام أمريكية، أن القطاع يشهد تطهيرا عرقيا بطيئا ومقنعا تحت تسمية الخروج الطوعي، والواقع يثبت أن الفلسطينيين يُدفعون قسرا إلى مغادرته، مضيفان أن التطهير العرقي يجري بدعم من حكومة بنيامين نتنياهو وأفكار من إدارة دونالج ترامب.
وقال السيناتور الأمريكي جيف ميركلي، إن استراتيجية إسرائيل للتطهير العرقي في غزة تتضمن تدمير المنازل لمنع السكان من العودة، موضحا أن الأطفال هم أكثر الفئات تضررا جراء الجوع في القطاع.
وأضاف أنه يجب ضخ الغذاء بكميات كبيرة إلى غزة للقضاء على سوء التغذية، خاصة أنه يتم تقييد دخول الغذاء بشكل متعمد للقطاع الذي يشهد تطهيرا عرقيا من خلال تدمير المنازل وحرمان السكان من الغذاء، لافتا إلى أنه على الولايات المتحدة أن تتوقف عن التواطئ في التطهير العرقي وجرائم الحرب التي ترتكبها إسرائيل.
النزوح قد ينقذ الجسد مؤقتًا لكنه يقتل الروح
أما وديع أبو السعود صحفى من مواطني مدينة غزة فيقول:" أنا لم أفكر يومًا في النزوح من شمال غزة ولن أغادر ليس لأن الطريق سهل أو الظروف مريحة بل لأنني أؤمن أن بقاءنا هنا هو شهادة بحد ذاته النزوح بالنسبة لي ليس مجرد انتقال من مكان إلى مكان بل هو اقتلاع من الذاكرة من الأرض من الحكاية التي عشناها وما زلنا نوثقها".
تدوينة وديع أبو السعود
ويضيف في شهادته عن أوامر الإخلاء الإسرائيلية لسكان مدينة غزة :"منذ عام 2014 وأنا أحمل الكاميرا وأتنقل بين المستشفيات والمناطق المستهدفة أكتب وأوثّق وأشهد على ما يحدث كنت دائمًا في قلب الشمال حيث تبدأ الحكاية وتنتهي كيف أترك المكان الذي احتضن دماء الشهداء وصرخات الجرحى وضحكات الأصدقاء الذين رحلوا؟ كيف أرحل عن ذاكرة لا تُرحل؟".
ويقول :"أنا أرفض النزوح لأنني مؤمن أن الصحفي يجب أن يكون شاهدًا من قلب المكان لا من بعيد وجودي هنا ليس بطولة شخصية بل هو واجب ورسالة أن أبقى بين أهلي أشاركهم الخوف كما أشاركهم الصمود وأن أنقل للعالم صورة غزة كما هي لا كما تصل عبر الأرقام الجافة والتقارير البعيدة".
ويتابع: "النزوح قد ينقذ الجسد مؤقتًا لكنه يقتل الروح وأنا اخترت أن أبقى بروحي وجسدي معًا، مهما كان الثمن شمال غزة ليس فقط جغرافيا محاصرة بل هو هويتي ذاكرتي ومكان عملي وتركه يعني التخلي عن الحقيقة التي أقسمت أن أوثقها".
وفي 13 سبتمبر، كشف المكتب الإعلامي الحكومي بالقطاع، حصيلة ما دمره الاحتلال بمدينة غزة، وشملت أكثر من 1,600 برج وبناية سكنية مدنية متعددة الطوابق دمرها تدميرا كاملا، وأكثر من 2,000 برج وبناية سكنية شهدت ضررا بليغا، إلى جانب تدميره أكثر من 13,000 خيمة تؤوي النازحين، موضحا أنه منذ مطلع سبتمبر وحده، أقدم الاحتلال على نسف وتدمير 70 برجا وبناية سكنية بشكل كامل، وتدمير 120 برجا وبناية سكنية تدميراً بليغاً، إضافة إلى أكثر من 3,500 خيمة.
وأضاف أن هذه الأبراج والعمارات السكنية كانت تضم أكثر من 10,000 وحدة سكنية يقطنها ما يزيد عن 50,000 نسمة، فيما كانت الخيام التي استهدفها العدوان تؤوي أكثر من 52,000 نازح، وبذلك يكون الاحتلال قد دمّر مساكن وخياماً كانت تحتضن أكثر من 100,000 نسمة، ما أدى إلى نزوح قسري – مع جرائم الإخلاء القسري- يفوق 350,000 مواطن من الأحياء الشرقية لمدينة غزة نحو وسط المدينة وغربها، في مشهد يعكس بوضوح تعمد ارتكاب جرائم حرب من خلال سياسة التطهير العرقي والإبادة الجماعية الممنهجة.
كما أكد تصاعد حركة النزوح القسري من مدينة غزة باتجاه الجنوب نتيجة جرائم الاحتلال الوحشية، حيث اضطر ما يقارب 190,000 مواطن لمغادرة منازلهم تحت وطأة القصف، في المقابل سجلت الطواقم الحكومية، حركة نزوح عكسي، إذ عاد أكثر من 15 ألفا إلى مناطقهم الأصلية داخل المدينة، بعد أن قاموا بنقل أثاثهم ومقتنياتهم لتأمينها في الجنوب، ثم عادوا لمدينتهم بسبب انعدام أدنى مقومات الحياة في الجنوب، بينما أكثر من مليون فلسطيني ما زالوا متجذرين في بيوتهم، متمسكين بأرضهم وبيوتهم.
وأشار إلى أن المساحة التي خصصها الاحتلال في خرائطه كمناطق "إيواء" لا تتجاوز 12% فقط من مساحة القطاع، ويحاول حشر أكثر من 1.7 مليون إنسان داخلها، في إطار مخطط لإنشاء معسكرات تركيز ضمن سياسة التهجير القسري الممنهجة، بهدف تفريغ شمال غزة ومدينة غزة من سكانهما.
وزارة الصحة تلفظ أنفاسها الأخيرة
فيما وجهت وزارة الصحة بغزة جرس إنذار بشأن عمليات الإخلاء والعملية العسكرية البرية التي تشنها إسرائيل على المدينة، موضحة أن المرضى والجرحى في مُحاصرون ضمن مثلث الرعب "الجوع والقصف والحرمان من العلاج "، والوضع الراهن لمؤشرات الأدوية الأساسية والمستهلكات الطبية تجاوز حدود الأزمة الى مستويات كارثية .
وأضافت خلال بيان صادر في 15 سبتمبر، أن الطواقم الطبية في المستشفيات لا يمكن لها استمرار العمل ضمن أرصدة مستنزفة من الأدوية الأساسية والمستهلكات الطبية ، موضحة أن وزارة الصحة تلفظ أنفاسها الأخيرة في الاحتياجات الطبية العاجلة والمنقذة للحياة، خاصة أن العديد من المرضى والجرحى أمام لحظات حرجة لا يمكن توقع نتائجها .
وأشارت إلى أن كافة الجهات المعنية مُطالبة بممارسة كامل نفوذها الإنساني لضمان إدخال وتسيير الإمدادات الطبية الطارئة للمستشفيات ، في ظل أن الاحتلال يُجبر السكان في محافظة غزة على النزوح القسري تحت القصف ويدفعهم نحو معسكرات تركيز مكتظة في منطقة المواصي تفتقر لمقومات الحياة الأساسية من مياه وغذاء وخدمات صحية و تنتشر فيها الأمراض بشكل خطير ،فيما يتعرض النازحون قسرا للاستهداف المباشر والقتل عند تواجدهم فيها أو محاولة مغادرتهم لها، في انتهاك صارخ لكل القوانين الإنسانية والدولية.