مكاسب إعلان "الدولة الفلسطينية" أمميا.. الاعترافات لا تُغيّر وحدها واقع الاحتلال لكنها تضع أساسا قانونيا وأخلاقيا يعزز فكرتها.. تضييق هامش المناورة أمام الولايات المتحدة وتل أبيب.. وبريطانيا تحذر إسرائيل

السبت، 27 سبتمبر 2025 09:30 ص
مكاسب إعلان "الدولة الفلسطينية" أمميا.. الاعترافات لا تُغيّر وحدها واقع الاحتلال لكنها تضع أساسا قانونيا وأخلاقيا يعزز فكرتها.. تضييق هامش المناورة أمام الولايات المتحدة وتل أبيب.. وبريطانيا تحذر إسرائيل جانب من جلسات الجمعية العامة للامم المتحدة

أحمد مراد الجمل

لا شك أن أهم ما قد يقدمه الاعتراف بدولة فلسطين يتمثل في حق هذه الدولة في مساءلة وملاحقة الدول التي قد تدعم أو تساند دولة الاحتلال الإسرائيلي. وفي هذا السياق حذرت بريطانيا إسرائيل من الرد على مساعى إقامة الدولة الفلسطينية.

وقالت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر إنها حذرت إسرائيل من ضم أجزاء من الضفة الغربية رداً على اعتراف المملكة المتحدة بالدولة الفلسطينية.

وكانت كوبر تتحدث إلى بي بي سي قبل حضورها مؤتمراً يوم الاثنين الماضى في الأمم المتحدة بنيويورك، حيث من المقرر أن تُصدر فرنسا ودول أوروبية أخرى إعلاناً مماثلاً. وعندما سألتها "بي بي سي" عما إذا كانت قلقةً من أن تتخذ إسرائيل هذا الإعلان ذريعةً لضم أجزاء من الضفة الغربية، قالت كوبر إنها أوضحت لنظيرها الإسرائيلي أنه وحكومته يجب ألا يفعلوا ذلك.

ولا شك أن إعلان عدد من الدول الاعتراف بدولة فلسطين، يشكّل مكسباً للقضية الفلسطينية، ويزيد من زخم حضور هذه القضية على الصعيد الدولي، رسمياً وشعبياً، الأمر الذي من شأنه أن يرفد حقوق الشعب الفلسطيني، التي أقرّتها القرارات الدولية، بقوة دفع معنوية وسياسية. 

إلا أنه على الرغم من كثرة تلك التأثيرات، المباشِرة وغير المباشِرة، وتشعُّبها، فإنها تصطدم بموازين القُوى على الساحة الدولية، وبأولويات الدول الكبرى، إذ مهما زاد عدد الدول التي تعترف بفلسطين، فإن أي استجابة للحقوق المشروعة في القضية الفلسطينية وأي ضغط على إسرائيل للالتزام بالقوانين الدولية، لن يمرا إلا عَبْر مسارين: الولايات المتحدة، ومجلس الأمن الذي تملك واشنطن فيه حق النقض. 

وبالتالي، في ظل هذا النظام العالمي وقواعد مجلس الأمن الحالية، كل المكاسب تبقى محدودة، في تأثيرها على مستقبل الدولة الفلسطينية، إذا لم توافق واشنطن عليها. وطالما أن واشنطن لا ترضى بما يزعج إسرائيل، لن يتغيّر الوضع في أروقة السياسة.

وعلى الرغم من ذلك فإن هناك رؤية أخرى تفيد بانه وفقا للقانون الدولي فأن الاعتراف الدولي ليس مشروطا بعضوية الأمم المتحدة، حيث أن الأمم المتحدة ليست الجهة المخولة بالاعتراف بالدول، بل الحكومات هي التي تمنح هذا الاعتراف، ولذا فأن انضمام فلسطين إلى الأمم المتحدة يظل مسألة سياسية قد تعطلها واشنطن بحق النقض الفيتو، لكن ذلك لا يغير من واقعها القانوني كدولة.

ووفقا لهذه الرؤية تستطيع فلسطين الموقعة على اتفاقيات دولية الانخراط في المنظمات والمحاكم الدولية لملاحقة الاحتلال، حتى من دون عضوية كاملة في الأمم المتحدة.

كما تشير تلك الرؤية إلى أن الاعترافات الأخيرة تضع إسرائيل والولايات المتحدة أمام اختبار سياسي ودبلوماسي معقد.

ففي حين يراها الفلسطينيون "لحظة تاريخية"، تعتبرها واشنطن "لفتات استعراضية"، ويخشاها نتنياهو باعتبارها بوابة لضغوط استراتيجية متصاعدة.

والواقع أن الاعترافات لا تُغيّر وحدها واقع الاحتلال، لكنها تضع أساسًا قانونيًا وأخلاقيًا يُعزز فكرة الدولة الفلسطينية، ويُضيّق هامش المناورة أمام تل أبيب. وبينما يحاول نتنياهو تأجيل المواجهة، تُسجّل القضية الفلسطينية عودة قوية إلى صدارة الأجندة الدولية.

والسؤال الآن: هل تتحول الاعترافات المتوالية إلى حجر أساس لقيام دولة فلسطينية وفق معايير القانون الدولي، أم تبقى مجرد عناوين سياسية عابرة؟ الإجابة قد لا تأتي سريعًا، لكنها باتت الآن في قلب النقاش العالمي، حيث تتقاطع مصالح القوى الكبرى مع آمال شعب صمد أكثر من 70 عامًا بانتظار لحظة الاعتراف.

وفي السياق يبقى هناك تساؤلاً في غاية الأهمية، ألا وهو ماهية وطبيعة المكسب الذي قد يحققه الجانب الفلسطيني من اعتراف المجتمع الدولي به كدولة؟

لا شك أن الاعتراف بفلسطين كدولة قد يحقق للفلسطينيين مجموعة من المكاسب أهمها، حق هذه الدولة في مطالبة الأمم المتحدة وتحديدا مجلس الأمن الدولي بواجب وضرورة التدخل لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي لأراضيها، حيث أناط ميثاق الأمم المتحدة بمجلس الأمن الدولي صلاحيات حفظ الأمن والسلم الدوليين على صعيد المجتمع الدولي ككل، وتحقيقا لذلك نظم ميثاق الأمم المتحدة في أحكام كل من الفصل السادس والسابع منه، الوسائل والتدابير الجائز والممكن لمجلس الأمن الدولي اتخاذها واستخدامها حال شروعه في تنفيذ وتجسيد المهام المنوطة به على صعيد المجتمع الدولي.

وبالرجوع لآلية تدخل مجلس الأمن الدولي حال ارتكاب الدول لأعمال وتصرفات محظورة بموجب القانون الدولي وأحكام الميثاق، نقف على أن تدخل المجلس في مثل هذه الأوضاع يتم بطريقتين: الأولى وهي تلك التي تتم وتتحقق باستخدام وسائل وأساليب دبلوماسية بعيدة عن العنف والقوة في مواجهة الطرف الذي أخل بالتزاماته الدولية جراء اقترافه لعمل غير مشروع دوليا.

وتتلخص إجراءات مجلس الأمن الدولي والتدابير الممكن له اتخاذها والاعتماد عليها في مثل هذه الأوضاع، بوقف التعامل الاقتصادي وقطع المواصلات بمختلف أنواعها ما بين أعضاء الأمم المتحدة والطرف المخل بالتزاماته الدولية، وفضلا عن ذلك يحق للمجلس في سبيل ضمان نجاعة إجراءاته الدبلوماسية استخدام القوات البحرية والجوية والبرية في فرض الحصار على الدول في هذه الأحوال.

وتتمثل الآلية أو الأداة الأخرى الممكن للمجلس استخدامها في مواجهة انتهاك الدول وإخلالها بمبادئ الميثاق والتزاماتها الدولية في استخدام المجلس للقوة المسلحة والتدابير العسكرية في مواجهة الأطراف التي ترتكب أفعالا تنتهك بموجبها أحكام الميثاق وقواعد القانون الدولي، كما يمكن للفلسطينيين الضغط في هذه الحالة على الجمعية العامة لاستخدام صلاحياتها بمقتضى القرار 377 إذا أخفق أو تقاعس مجلس الأمن عن استخدام صلاحياته.

أما بشأن علاقة وأثر الاعتراف بالدولة الفلسطينية على التوجه الفلسطيني المتعلق بملاحقة ومساءلة دولة الاحتلال وقادتها عن ممارساتهم وانتهاكهم لأحكام القانون الدولي، أو إذا ما كان لهذا الاعتراف أثر سلبي على تنفيذ المحتل الإسرائيلي لمقررات الشرعية الدولية المتعلقة بعودة اللاجئين، فهنا يمكننا القول بأن هذا الاعتراف لن يؤثر سلبيا على مساءلة إسرائيل وعلى تنفيذها لمقررات الشرعية الدولية، بل على العكس من ذلك سيؤدي حصول الفلسطينيين على مركز الدولة إلى فتح المجال أمامهم لاستخدام جميع الآليات الدولية المتاحة لفتح موضوع مسؤولية إسرائيل عن انتهاكها لحقوق الشعب الفلسطيني، وما قامت به من تدمير ونهب وتبديد لثرواتهم ومقدراتهم، وغيرها من الجرائم التي ارتكبتها ولم تزل ماضية بارتكابها كالاستيطان وضم وتهويد القدس وجدار الضم.

ويمكننا بهذا الصدد حصر وتحديد الجوانب الإيجابية للاعتراف بالدولة وأثره على حقوق الفلسطينيين عموماً والمساءلة بوجه خاص بالنقاط التالية:

سيتيح الاعتراف بالدولة الفلسطينية من قبل الأمم المتحدة لدولة فلسطين، بحق ومشروعية الانضمام للاتفاقيات الدولية، خصوصا وأن اغلب هذه الاتفاقيات إن لم يكن جميعها تشترط لصحة الانضمام امتلاك الجهة الراغبة بالانضمام لمكانة ومركز الدولة، وبالتالي يحق لفلسطين في هذه الحالة استخدام آليات هذه الاتفاقيات في طرح الانتهاكات والتجاوزات الإسرائيلية ومن ثم الضغط على الدول الأطراف في هذه الاتفاقيات لتحمل مسؤولياتها القانونية التعاقدية بمواجهة الممارسات والتصرفات الإسرائيلية. ولعل من أهم الاتفاقيات التي يمكن استخدام آلياتها وأدواتها في هذا الشأن: ميثاق الأمم المتحدة، اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 وتحديدا اتفاقية جنيف الرابعة المتعلقة بحماية السكان المدنيين وقت الحرب والاحتلال، الاتفاقية الدولية للقضاء على كافة أشكال التعذيب، الاتفاقية الدولية المتعلقة بمحكمة الجزاء الدولية.

إن الاعتراف بالدولة الفلسطينية سيتيح لفلسطين إمكانية طرح موضوع المسئولية الإسرائيلية على صعيد الأمم المتحدة وبالتالي قد يقود إلى تشكيل لجنة دولية لبحث موضوع الأضرار الفلسطينية الناشئة عن الاحتلال وممارساته، ومن ثم وضع المجتمع الدولي لآليات وقرارات تُلزم إسرائيل بالتعويض عن هذه الأضرار.

ستصبح دولة فلسطين فور الاعتراف بها الخلف الشرعي لمنظمة التحرير الفلسطينية، وبالتالي ستنتقل جميع الحقوق التي أقرتها الأمم المتحدة لشعب فلسطين بمقتضى قراراتها الصادرة إبان تمثيل منظمة التحرير الفلسطينية للشعب الفلسطيني إلى دولة فلسطين، التي لها كامل الحق في مطالبة المجتمع الدولي بإعمال وتنفيذ هذه القرارات بما فيها القرارات المتعلقة بالسيادة الدائمة على الموارد والثروات والقرارات المتعلقة بحقوق الفلسطينيين غير القابلة للتصرف والعودة وتقرير المصير.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة