شهدت إيطاليا واحدة من أوسع موجات الاحتجاجات والإضرابات فى تاريخها الحديث، حيث خرج عشرات الآلاف إلى الشوارع فى أكثر من 70 مدينة، تلبية لدعوة النقابات العمالية للتنديد بالهجوم الإسرائيلى المتواصل على غزة، والذى تحول إلى فوضى عارمة فى البلاد.
الإضراب العام الذى حمل شعار "لنوقف كل شىء.. وفلسطين فى القلب" شل معظم القطاعات الحيوية، بدءا من وسائل النقل والسكك الحديدة وصولا إلى المدارس والجامعات والموانئ، ليترك تأثيراً عميقاً على الحياة اليومية في البلاد.

اضراب تضامنا مع غزة
اشتباكات دامية في ميلانو وبولونيا
وكانت أشد الأحداث توترا وقعت فى محطة ميلانو المركزية، حيث اقتحم عشرات المحتجين المداخل الرئيسية واشتبكوا مع قوات الأمن، مستخدمين الحجارة والزجاحجات وقنابل الدخان، وردت الشرطة بالهروات والغاز المسيل للدموع، ما أسفر عن إصابة 60 شرطيا، بينهم 23 نقلوا إلى المستشفيات، إضافة اعتقال ما لا يقل عن 10 متظاهرين.
وفى بولونيا، عمد المحتجون إلى إغلاق الطريق السريع وألقوا مفرقعات وبيضا على العربات المصفحة، ولجأت قوات الأمن إلى خراطيم المياه والقنابل الغازية وأسفرت المواجهات والاشتباكات إلى اعتقال 8 أشخاص.
فوضى في روما ومدن أخرى
وفى العاصمة روما شارك أكثر من 30 ألف شخص فى مظاهرة ضخمة انطلقت من محطة تيرمينى وامتدت إلى شوارع رئيسية، ما تسبب فى تعطيل حركة المرور بشكل واسع، وقدرت الشرطة عدد المشاركين بنحو 20 ألفا، بينما أكد المنظمون أن العدد تجاوز 100 الف متظاهر.
وشهدت الموانئ الكبرى مثل جنوة وليفورنو شهدت بدورها اعتصامات وإضرابات أوقفت حركة الشحن والبضائع، بينما خرجت مظاهرات مماثلة في تورينو، نابولي، ترييستي والبندقية، وفي نابولي، أقدم ناشطون على حرق صور رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ورئيسة الحكومة الإيطالية جورجيا ميلوني، مطالبين بقطع العلاقات مع إسرائيل ووقف تصدير السلاح إليها.
واعتبرت النقابات المشاركة، وعلى رأسها USB وCUB، أن الإضراب رسالة قوية ضد "تواطؤ الحكومات الأوروبية مع الاحتلال الإسرائيلي"، وقال ساشا كولاوتي، من الأمانة الوطنية لـUSB: "نحن بحر من الإنسانية، وما نقوم به واجب أخلاقي لفضح ما يحدث في فلسطين: إبادة جماعية يجب أن تتوقف".
وفى المقابل ، نددت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني الاحتجاجات، ووصفتها بـ"أعمال تخريبية" لا علاقة لها بالتضامن مع غزة، مؤكدة أن "العنف لن يغير شيئاً في فلسطين لكنه سيُلحق الضرر بالإيطاليين". وزير الداخلية ماتيو بيانتيدوزي وصف ما جرى بأنه "هجوم متعمد على قوات الأمن"، فيما قلّل وزير النقل ماتيو سالفيني من تأثير الإضراب، واصفاً المشاركة بـ"المحدودة".
تصاعد الضغوط الأوروبية
وتأتى الاحتجاجات في ظل سياق دولي متغير، إذ اعترفت فرنسا وست دول أوروبية أخرى مؤخراً بدولة فلسطين، لتنضم إلى بريطانيا وكندا وأستراليا والبرتغال وفرنسا. ومع ذلك، ما زالت إيطاليا وألمانيا والولايات المتحدة ترفض اتخاذ هذه الخطوة، رغم ازدياد الضغوط الشعبية والبرلمانية.
وخلص تقرير لجنة تحقيق تابعة للأمم المتحدة الأسبوع الماضي إلى أن إسرائيل ترتكب "جرائم إبادة جماعية" في غزة، استناداً إلى أربعة من الأفعال الخمسة التي يحددها القانون الدولي، وهو ما رفضته تل أبيب واعتبرته "منحازاً وزائفاً".
رسالة من الشارع الإيطالي
أظهر الإضراب العام والاحتجاجات الضخمة في إيطاليا أن الشارع الأوروبي لم يعد صامتاً أمام ما يجري في غزة. وبينما تحاول الحكومات الموازنة بين التحالفات السياسية والضغوط الشعبية، تواصل الحركات العمالية والطلابية الدفع نحو إجراءات أكثر صرامة ضد إسرائيل، بدءاً من المقاطعة الاقتصادية وصولاً إلى المطالبة بفرض عقوبات وقطع العلاقات الدبلوماسية.