في خطوة جديدة تهدف إلى تقليل الحوادث المرورية وحماية الأرواح، أصدرت وزارة الداخلية قرارًا يشترط حصول المتقدمين للحصول على رخصة قيادة على شهادة طبية رسمية تثبت خلوهم من تعاطي المواد المخدرة، وذلك قبل إصدار الرخصة بشكل نهائي.
وتأتي هذه الخطوة في إطار توجه الدولة لتعزيز إجراءات السلامة على الطرق، ومواجهة القيادة تحت تأثير المخدرات، التي باتت تمثل أحد الأسباب الرئيسة للحوادث المروعة التي تشهدها الشوارع.
وتم نشر القرار في الجريدة الرسمية تحت رقم 1741 لسنة 2025، ويتضمن تعديل بعض أحكام اللائحة التنفيذية لقانون المرور الصادرة بالقرار الوزاري رقم 1613 لسنة 2008، وذلك استنادًا إلى قانون المرور الصادر بالقانون رقم 66 لسنة 1973. وبحسب القرار الجديد، فقد تم تعديل نص المادتين 259 (الفقرة الأولى) و261 من اللائحة التنفيذية، بما يلزم طالبي الحصول على رخص القيادة بالخضوع لكشف طبي شامل، يثبت مدى اللياقة الصحية العامة ومدى أهلية الشخص للقيادة الآمنة، إضافة إلى التأكد من خلوه تمامًا من المواد المخدرة.
وتضمنت المادة 259 في صياغتها الجديدة أن اللياقة الصحية لطالب رخصة القيادة يجب أن تثبت من خلال القومسيون الطبي المختص أو أي من المراكز الطبية التي تحددها وتعتمدها وزارة الداخلية، مع إجراء فحوصات تشمل سلامة الجسم والسمع، والخلو من الأمراض الصدرية المزمنة والأمراض النفسية والعصبية مثل الصرع والجزام، وكذلك التأكد من القدرة على القيادة من خلال اختبارات الإبصار وتحديد فصيلة الدم.
أما المادة 261 فقد أوضحت أن الكشف الطبي يتم من خلال القومسيون الطبي بالمحافظة أو المراكز المعتمدة من وزارة الداخلية، وتشمل صلاحيات هذه الجهات توقيع الكشف المسبق على طالبي الرخصة وإعادة توقيعه حال تأخر إجراءات صرفها لأكثر من تسعين يومًا من تاريخ الكشف الأول، ما يضمن استمرار تحقق شرط اللياقة الطبية.
كما أضاف القرار بندًا جديدًا إلى المادة 254 من اللائحة التنفيذية، ينص على ضرورة تقديم شهادة رسمية تثبت عدم تعاطي المخدرات، صادرة من جهة طبية مختصة ومعتمدة من وزارة الداخلية، كشرط أساسي لاستخراج رخصة القيادة.
وأكد القرار كذلك إلغاء المادة 71 من اللائحة، بالإضافة إلى إلغاء كل ما يخالف أحكام القرار الجديد، على أن يُعمل به اعتبارًا من اليوم التالي لتاريخ نشره في الجريدة الرسمية.

وحظي القرار بإشادة من عدد من الخبراء الأمنيين في مجال المرور، الذين اعتبروه نقلة نوعية نحو انضباط الشارع وتحقيق السلامة العامة.
وأكد اللواء الدكتور علاء عبد المجيد، نائب مساعد وزير الداخلية لشرطة النقل الأسبق، في تصريحات خاصة لجريدة اليوم السابع، أن اشتراط هذه الشهادة سيجبر السائقين، خاصة سائقي الأجرة والنقل، على الابتعاد عن تعاطي المواد المخدرة، التي باتت سببًا مباشرًا في عدد من حوادث الطرق.
وأوضح أن بعض السائقين كانوا يلجؤون إلى تعاطي مواد مخدرة، خاصة المخدرات التخليقية مثل الحبوب المخدرة ومادة الشابو ومخدر الآيس، بدعوى أنها تمنحهم طاقة أكبر على العمل لساعات طويلة، دون إدراك لتأثيرها المدمر على تركيزهم واستجابتهم، مما يجعلهم أكثر عرضة لارتكاب الحوادث القاتلة.
وفي السياق ذاته، قال اللواء الدكتور أحمد كساب، الخبير الأمني، إن القرار يعكس حرص وزارة الداخلية على حياة المواطنين، معتبرًا أن شهادة الخلو من المخدرات ليست مجرد ورقة رسمية بل وسيلة فعالة لإبعاد السائقين غير المؤهلين عن الطرق. وأوضح أن القرار يأتي في إطار منظومة متكاملة من الإجراءات تتخذها الوزارة للسيطرة على المخالفات وتعزيز السلامة، تتضمن تنفيذ حملات مرورية مكثفة تستهدف سائقي الحافلات وسيارات الأجرة، وإجراء تحاليل عشوائية يومية لضبط السائقين المتعاطين واتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم.
وأضاف كساب أن هذا التوجه لا يقتصر على الوقاية فقط، بل يعكس رغبة الدولة في تغيير الثقافة العامة المرتبطة بقيادة المركبات، وربط الحصول على الرخصة بمعايير صارمة تتضمن الفحص الطبي الدقيق، ما يرفع من مستوى الانضباط على الطرق ويقلل من الحوادث الناتجة عن السلوك غير المسؤول.
ويأتي هذا القرار في توقيت حساس، حيث تشير التقارير والإحصاءات إلى أن نسبة من الحوادث القاتلة التي وقعت مؤخرًا كان يقف وراءها سائقون تحت تأثير المخدرات، الأمر الذي أسفر عن خسائر بشرية ومادية جسيمة.
وتعكس التعديلات الجديدة رغبة واضحة في وضع حد لهذا النوع من الجرائم المرورية، عبر إجراءات عملية ومُلزمة تضع مسؤولية مضاعفة على من يسعى لحمل رخصة قيادة.
ويرى خبراء المرور أن القرار سيمثل عامل ردع حقيقي لكل من تسول له نفسه قيادة المركبات وهو تحت تأثير المخدر، كما أنه يمثل بداية لتوسيع دائرة الفحوصات الطبية الإجبارية قبل منح رخصة القيادة، بما يشمل مستقبلاً فحوصات نفسية وعصبية أكثر دقة، نظرًا لطبيعة المهام التي يقوم بها السائق على الطريق.
تفعيل هذا القرار سيتم بشكل فوري، مع منح الجهات المختصة الصلاحيات الكاملة لتنفيذه على أرض الواقع، سواء من خلال مراجعة أوراق المتقدمين أو إجراء الفحوصات اللازمة في مراكز معتمدة.
كما سيتم التنسيق مع إدارات المرور في مختلف المحافظات لمتابعة التطبيق الفعلي للقرار وضمان عدم التلاعب أو التهاون في تنفيذه.
ويأمل المواطنون أن يكون هذا القرار بداية لتحسين الوضع المروري في الشارع، وأن يسهم في خفض معدلات الحوادث اليومية، التي باتت تمثل عبئًا نفسيًا واجتماعيًا على الأسر، وتهدد حياة الأبرياء يوميًا بسبب الأخطاء البشرية.