منذ بدء الخليقة كان الإنسان دائما ما يفكر في الكون ونشأته، ومن ذلك ما فكر فيه السومريون في أساطيرهم، حيث تحدثوا عن نشأة الكون، ونعتمد في ذلك على كتاب "مغامرة العقل الأولي" لـ فراس السواح:
فصل السماء عن الأرض
في مطلع أسطورةٍ تحكي عن خلق الإنسان، نعثر على إشارة لجبل السماء والأرض.
في جبل السماء والأرض
أنجب آن أتباعه الأنوناكي.
وهذا الجبل لم يكن أزليًّا، بل مخلوقًا؛ فمن لوح آخر مخصَّص لتعداد أسماء الأنوناكي، آلهة سومر، نعرف أن الإلهة نمو وهي المياه البدئية، قد أنجبت السماء والأرض، اللتَين انفصلتا عن بعضهما. ويشير مطلع أسطورة أخرى عرضًا إلى هذا الانفصال، فيقول:
بعد أن أُبعدت السماء عن الأرض
وفُصلت الأرض عن السماء
وتمَّ خلق الإنسان
وأخذ آن السماء
وانفرد إنليل بالأرض
أخذ الإله كور الإلهة إريشكيجال غنيمة.
والإله كور في الميثولوجيا السومرية، هو رب العالم الأسفل، عالم الموتى الذي تمضي إليه الأرواح. أمَّا إريشكيجال فقد كانت إلهةً أرضية، تزوَّجها كور بعد أن اختطفها إلى عالمه الأسفل لتغدو إلهة ذلك العالم، وسيدته المطلقة، تمامًا كالإلهة بيرسيفوني في الميثولوجيا الإغريقية، التي اختطفها إله العالم السفلي هاديس من أمها إلهة الخصب ديمتر، فصارت ربةً للعالم الأسفل وزوجةً لسيد عالم الموتى. وممَّا يثبت الرابطة بين الأسطورتَين أن اسم كور الذي بقي في اللغة السومرية دلالةً على العالم الأسفل حتى الفترات المتأخِّرة، وزوال ذكرى الإله القديم وأسطورته، هو أيضًا اسم ربة العالم الأسفل الإغريقية، التي تُشير إليها الأساطير أحيانًا باسم بيرسيفوني، وأحيانًا أخرى باسم كور.
وفي مطلع أسطورة ثالثة نعرف مزيدًا من المعلومات عن فصل السماء عن الأرض، والإله الذي قام بتلك العملية الجبارة:
إن الإله الذي أخرج كل شيء نافع
الإله الذي لا مُبدِّل لكلماته
إنليل الذي أنبت الحب والمرعى
أبعد السماء عن الأرض
وأبعد الأرض عن السماء.
تثبت لنا هذه الأساطير السومرية تقاليد بقيت سائدةً في الفكر الأسطوري لحضارات المنطقة والحضارات الأخرى المجاورة. ففكرة الميلاد المائي تتكرَّر فيما بعد في الأساطير البابلية التي تحكي عن ولادة الكون من المياه الأولى «تعامة» المقابلة لنمو السومرية. وفي الأسطورة السورية نجد يم المياه الأولى، وقد انتصر عليها الإله بعل وشرع بعد انتصاره بتنظيم العالم. وفي الأسطورة المصرية كان رع أول إله يخرج من المياه الأولى، وهو الذي أنجب فيما بعدُ بقية الآلهة. وفي الأسطورة الإغريقية نجد أوقيانوس هو المياه الأولى، والإله البدئي الذي نشأ عنه الكون. وفي التوراة العبرانية أيضًا نجد المياه الأولى وروح الرب فوقها قبل التكوين: «وكانت الأرض خربةً وخالية، وروح الرب يرف فوق وجه الماء» التكوين. كما أثبت لنا القرآن الكريم وهو نهاية الوحي الذي ابتدأ بسيدنا آدم وجود المياه البدئية إذ قال: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وقال: وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ.
وكذلك الأمر فيما يتعلَّق بفكرة لقاح السماء والأرض المتحدتَين، والفصل بينهما فيما بعد. ففي الأسطورة المصرية نجد جيب إله الأرض المذكَّر، ونوت إلهة السماء المؤنثة في حالة اتحاد، وقد تزوَّجا بعضهما سرًّا دون إذنٍ من الإله رع. فلما علم كبير الآلهة بذلك أرسل إله الهواء شو الذي أبعدهما عن بعض عنوة. ومنذ ذلك الوقت والإله «شو» يطأ بقدمَيه جيب الصريع، ويرفع بذراعَيه القويتَين السماء نوت. وفي الأسطورة الإغريقية نجد جيا الأرض، الأم الأولى، التي كانت أوَّل إله يخرج من العماء البدئي، تلد نظيرها أورانوس إله السماء الذي يُغطِّيها من كل الجوانب، وتتحد به لتلد بقية الآلهة، ثم يتم التفريق بينهما عنوة. وفي الأسطورة البابلية يقوم الإله مردوخ بشطر جسد الإلهة تعامة، المياه الأولى، إلى نصفَين، فيرفع الأول سماءً، ويبسط الثاني أرضًا. وفي الأسطورة التوراتية يقوم إله العبرانيين يهوه أيضًا بفصل المياه الأولى إلى شطرَين، رفع الأول إلى السماء، وبسط الثاني الذي تجمع ماؤه في جانب، وبرزت منه اليابسة في جانب آخر.
أخيرًا أثبت لنا القرآن الكريم واقعة فصل السماء عن الأرض بقوله: أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا.
وقد قام المؤلِّفون العرب فيما بعدُ بتفصيل نظرية الميلاد وفصل السماء عن الأرض، مستخدمين الأفكار الأسطورية القديمة نفسها. فنقرأ في كتائب عرائس المجالس، لأبي إسحاق الثعلبي المتوفَّى سنة ٤٢٧ هجرية: «لمَّا أراد الله تعالى أن يخلق السموات والأرض، خلق جوهرةً خضراء حجمها أضعاف طباق السموات والأرض، ثم نظر إليها نظرة هيبة فصارت ماء، ثم نظر إلى الماء فغلى وارتفع منه دخان وزبد وبخار … وخلق الله من ذلك الدخان السماء، ومن ذلك الزبد الأرض.» كما نقرأ للطبري المتوفَّى سنة ٣١٠ﻫ في كتاب تاريخ الرسل والملوك: «إن الله تعالى كان عرشه على الماء، ولم يخلق شيئًا غير ما خلق قبل الماء. فلمَّا أراد أن يخلق الخلق أخرج من الماء دخانًا فارتفع فوق الماء، فسما عليه فسمَّاه سماء، ثم أيبس الماء فجعله أرضًا واحدة، ثم فتقها فجعلها سبع أرضين.» كما يحدِّثنا الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي في الجزء الأول من الفتوحات المكية عن خلق العالم فيقول: «فخلق الماء سبحانه، بردةً جامدةً كالجوهرة في الاستدارة والبياض، وأودع فيها بالقوة ذات الأجسام وذوات الأعراض. ثم خلق العرش واستوى عليه اسم الرحمن … فنظر بعين الجلال إلى تلك الجوهرة فذابت حياءً، وتحلَّلت أجزاؤها فسال الماء، وكان عرشه على ذلك الماء قبل وجود الأرض والسماء … وليس في الوجود إذاك إلا حقائق المستوى عليه، والمستوي، والاستواء. فأرسل النفس فتموَّج الماء وأزبد … وترك زبده بالساحل الذي أنتجه … فأنشأ سبحانه في ذلك الزبد الأرض … ثم أنشأ الدخان من نار احتكاك الأرض عند فتقها، ففتق فيه السموات العلى …"
وفي أساطير كثيرة من الشعوب البدائية المعاصرة لنا نجد تكرارًا لأسطورة فصل السماء عن الأرض؛ ففي نيوزيلاندا وتاهيتي وجزر كوك، يروي السكان الأسطورة الآتية: بعد أن اتحدَّت السماء بالأرض أنجبتا عددًا من الآلهة الصغار الذين كانوا يعيشون في ضيق وظلمة لشدة الْتصاق السماء بالأرض، فقرَّروا التمرُّد على هذا الوضع بزعامة الإله الجريء تاني الذي رفع السماء بقوة ذراعَيه حتى استقرَّت مكانها، ثم قال لتبقَ السماء بعيدةً عَنَّا، أمَّا الأرض فلتبقَ قريبةً هنا أُمًّا رءومًا.
ولعل النظريات العلمية الحديثة في نشأة الكون لا تبتعد كثيرًا عن هذه الأفكار عندما تفترض أن انفجارًا بدئيًّا قد حدث في الأزمنة السحيقة، نشأ عنه تبعثر الأجرام في الفراغ وابتعادها عن نقطة الانفجار. فالأرض والحالة هذه كوكب قد انفصل عن مكان ما هناك في السماء.
ولقد قامت مدرسة التحليل النفسي بتفسير نظرية الميلاد المائي على أنها انعكاس لذكرى كامنة في لا شعور الإنسان عن حالة الجنين في رحم الأم، حيث كان مُحاطًا بالماء من جميع الجهات، وانبثاقه، من ثم، عن ذلك الوسط إلى العالم الجاف الخارجي. كما أن المدرسة تستخدم أساطير فصل السماء عن الأرض لتوكيد وجهة نظرها في سيطرة عقدة أوديب، التي تشغل حيِّزًا كبيرًا من نظرية سيجموند فرويد، فالرغبة المكبوتة في لا شعور الطفل، والمتعلِّقة بإبعاد الأب والاستئثار بالأم، تجد متنفَّسًا لها في عالم الأسطورة، حيث يقوم البطل بإبعاد السماء والبقاء في الأرض. يُضاف إلى ذلك أن بعض الأساطير لا تكتفي بالإبعاد، بل تتعدَّاه إلى قيام الابن بفعلٍ عنيف ضد الوظيفة الجنسية للأب، تلك الوظيفة التي تُعطيه امتيازًا عند الأم. فالإله كرونوس في الأسطورة الإغريقيةـ يقوم بتحريضٍ من أمه بإخصاء أبيه أورانوس إله السماء، ورمي أعضائه التناسلية في البحر. ومن لقاء مياه أورانوس المخصبة بمياه المحيط، تولَّد أفروديت من زبد البحر، وتضع قدمها على اليابسة عند شواطئ قبرص.