بين أقدام أبو الهول وغرف الفاتيكان.. من يحرس التاريخ السرى؟.. قاعة سجلات "مُحرمة" تحوى كنوز ووثائق تعيد كتابة التاريخ.. وعلوم تحت رمال الجيزة لحضارة أقدم من الفراعنة

السبت، 20 سبتمبر 2025 09:00 ص
بين أقدام أبو الهول وغرف الفاتيكان.. من يحرس التاريخ السرى؟.. قاعة سجلات "مُحرمة" تحوى كنوز ووثائق تعيد كتابة التاريخ.. وعلوم تحت رمال الجيزة لحضارة أقدم من الفراعنة

رامى محيى الدين

الدكتور زاهي حواس:  ما يُسمى "غرفة الأسرار" تحت أبي الهول مجرد خرافة غذّاها إدجار كايس وبعض كتّاب الغرب في القرن العشرين

حواس: عمليات المسح بالأشعة والتصوير الجيوفيزيائي التي أجريت حول تمثال أبي الهول لم تكشف عن أي ممرات أو غرف سرية


الدكتور حسين عبد البصير: التفكير في وجود قاعات مكتوبة ومنظمة تحت أبو الهول يرتبط برغبة الإنسان في ملء الفراغ المعرفي


مدير مكتبة الإسكندرية: الحديث عن "سجلات أتلانتس" أو مكتبة خفية أساطير تنمو حول الشخصيات والمعالم العظيمة

 

الدكتور كريستوفر كيلبرو: مكتبة الفاتيكان ليست "مخزناً للأسرار الغامضة" بل أرشيف ضخم للوثائق الكنسية والسياسية يمتد لقرون ومفتوح للباحثين المتخصصين وفق شروط محددة

الدكتور مارك لينر: الحديث عن "معرفة مفقودة" أو "حضارة أقدم من الفراعنة" تحت أقدام أبي الهول لا يستند إلى دليل مجرد إسقاط خيالي لا أكثر

منذ قرون طويلة والخيال الإنساني مشغول بفكرة أن هناك أماكن مخفية، محجوبة عن عيون العامة، تحتفظ بوثائق وكنوز معرفية قادرة على قلب موازين التاريخ، في الفاتيكان، تُذكر "المكتبة السرية" التي يقال إنها تضم مخطوطات قديمة عن المسيحية الأولى، ووصايا ملوك وإمبراطوريات، بل وربما وثائق عن علوم مجهولة.. وفي مصر، حيث يقف أبو الهول شامخاً منذ آلاف السنين، تتناقل الأساطير حكايات عن "غرفة الأسرار" المدفونة تحت قدميه، غرفة يُشاع أنها تحتوي على أرشيف لحضارة مفقودة أقدم من الفراعنة أنفسهم، لكن بين هذه الروايات المثيرة، يقف علماء الآثار والمؤرخون ليفندوا ويشككوا: زاهي حواس يؤكد أن "الغرفة" مجرد وهم صنعه الغرب، وعلماء أكسفورد يرون أن مكتبة الفاتيكان ليست سوى أرشيف كنسي منظم، بينما أصوات أخرى تصر أن هناك حقائق لم يُكشف عنها بعد.


هل نحن أمام أساطير صنعتها المخيلة، أم أن هناك بالفعل "تاريخاً سرياً" محجوباً ينتظر اللحظة التي يُفتح فيها؟ هذا التحقيق يحاول تتبع الخيط بين الواقع والخيال، بين الأرشيف المغلق والأسطورة الخالدة، لنقترب أكثر من حقيقة ما يُسمى "مكتبات الأسرار".


بين الحقيقة والأسطورة، يتأرجح الحديث عن تلك المكتبات؛ البعض يراها مجرد أوهام غذّاها الخيال الغربي وحكايات المستشرقين، وآخرون يؤكدون وجودها ويعتبرون أن كشف أسرارها قد يُعيد كتابة تاريخ البشرية من جديد، وبين هذا وذاك، تبدأ رحلة البحث عن "مكتبات الأسرار"…لكن ماذا تقول الأدلة؟ وما الفارق بين سرد الأسطورة وبين أرشيف حفظته مؤسسات تاريخية فعلًا؟

حجر يسكنه الوهم

أسطورة «قاعة السجلات» الحديثة تبدأ في العقل الأميركي إيدغار كايس، الذي في جلساته التنوّمية في ثلاثينيات القرن العشرين تحدث عن «مخزن معرفة» مدفون قرب أقدام أبو الهول، يحتوي على لوحات وكتابات تعود لزمن أقدم من الفراعنة وربما لأتلانتس نفسه، المؤمنون بالموروث الروحاني حولوا كلامه إلى خريطة لسرّ مغطى بالرمل، لكن المجتمع الأثري الحديث — من أمثال مؤرخي الآثار ومواقعه العلمية — يصف هذه الرواية بأنها أثر شعري وقصصي أكثر منها إثباتًا علميًا، لم تُقدِم حتى الآن أيّة حملة حفائر أو اكتشاف أثري موثَّق يثبت وجود مكتبة بهذا الوصف.


في العقود الأخيرة أجريت دراسات جيولوجية وزلزالية حول قاعدة التمثال وُفّرت نتائجها للعلماء: بعض الكشوف أظهرت تجاويفٍ وطبقات متآكلة في الصخر تحت الجيزة — وهو أمر متوقع على نصبٍ عمره آلاف السنين — لكن الاختلاف جوهري بين «تجاويف طبيعية أو أثرية» وبين «قاعة مكتوبة ومنظمة تحوي سجلات مكتوبة»، التحليلات العلمية المنشورة وحتى تقارير الفرق الأثرية الكبرى تشير إلى أن الأدلة على وجود مكتبة سرية من النوع الذي تصوره الأسطورة غير حاضرة.

أرشيفٌ حقيقيّ داخل أسوارٍ رسمية

في الاتجاه الآخر من القصة حكاية أقل تشويقًا للخيال وأكثر ثراءً بالمستندات: أرشيف الفاتيكان، هناك، في مبانٍ رسمية مُعرّفة، تختبئ صناديق ومجلدات وكتب ومراسلات ممتدة لقرون، ما كان يسمى تاريخيًا بـ«الأرشيف السري للفاتيكان» — أو الأرشيف الرسولي الفاتيكاني اليوم — ليس مقبرةً لأسرارٍ خارقة، بل مخزونٌ ضخم من وثائق دبلوماسية، مراسلات بابوية، وملفات إدارية تعكس دور الكنيسة عبر الممالك والأمم، الدخول إليه مسموح لعدد محدود من الباحثين بعد شروط أكاديمية صارمة، وليس «مفتوحًا للعموم» كما تتخيل روايات المؤامرة.


التسمية اللاتينية القديمة «Secretum» كانت تُقصد بها شيئًا أشبه بـ«خاص/شخصي» لا بالضرورة معنى «سِرّ غامض» بالمفهوم الشعبي. ومع ذلك، سرّية الوصول والقصص التي راجت حول وثائق تتعلق بقضايا تاريخية حسّاسة غذّت خيال الناس وعززت الاعتقاد بوجود «غرفة أسرار» فعلية، مؤخرًا، أحد أمناء الأرشيف نفسه تحدث عن تاريخ الأرشيف، عن وثائق مثيرة للاهتمام، وعن إعادة تسمية الأرشيف لتقليل الإيحاء بالسرية.

لماذا تعيش الأسطورة؟

السبب الأول بسيط: الفراغ.. الإنسان يكره الفراغ في المعرفة، ويملأه بقصصٍ سهلة تؤكد حماسته لاختراع معاني أكبر، سبب آخر: الأساطير تُباع جيدًا؛ فهي تمنح الجمهور شعورًا بالمغامرة والجدّة، ثم هناك عنصر الإعلام والبحث عن «عنوان يكسبك نقرات»؛ أي اكتشاف محتمل تحت تمثالٍ مشهور سيصبح مادة عالمية — وهنا يتعاون السرد الشعبي مع ضجيج الأخبار، لكن بين صخب العناوين وبين صفحات البحوث العلمية — فرقٌ كبير: الأولى تريد قصة، الثانية تريد أدلة.

بين الحقيقة والخيال: ماذا نحتفظ به؟

أمام أبو الهول، الحكاية ليست عن وجود قاعات سريّة أو مؤامرات عالمية، بل عن كيفية حفاظ البشر على أساطيرٍ تعكس رغبتهم في معرفة أصلهم ومصيرهم، أما في الفاتيكان ففيما يشبه المكتبة الحقيقية تظلّ الحقيقة أقل دراماتيكية ولكنها أثمن: كم هائل من الرسائل والسجلات يتيح للباحثين فهم تحوّلات تاريخية فعلية، إن أردنا «كتب أسرارٍ» فربما نجدها بين سجلات دبلوماسية تُظهر تحالفات وحسابات سياسية — لكنها ليست لوحًا لأتلانتس.

آراء علماء الآثار

ورغم ما تحمله هذه الحكايات من إثارة، إلا أن كثيراً من علماء الآثار والباحثين في التاريخ يرفضونها جملة وتفصيلاً.


فقد أكد الدكتور حسين عبد البصير أستاذ علم المصريات ومدير متحف الآثار بمكتبة الإسكندرية أنه "لا صحة لما يُروَّج عن وجود 'قاعة سجلات' أو مكتبة سرية تحت أقدام أبو الهول، لافتا إلى أن الدراسات الأثرية والجيولوجية الحديثة لم تُسجّل أي دليل على وجود مخزن معرفة مدفون هناك، وكل ما يُقال عن لوحات أو خرائط أو أسرار أتلانتس يظل في نطاق الأسطورة والخيال الشعبي، بعيدًا عن الأدلة العلمية الموثقة."


وتابع: لا أساس حقيقي لما يُروَّج حول وجود "قاعة سجلات" أو مكتبة سرية تحت أقدام أبو الهول. كل هذه الروايات التي تتحدث عن مخازن معرفة تعود لعصور ما قبل الفراعنة أو حتى لأتلانتس، تظل مجرد خيال شعبي لم يُثبت بأي دليل علمي أو أثري، الدراسات الميدانية والجيولوجية الحديثة التي أجريت حول قاعدة التمثال كشفت عن بعض التجاويف والطبقات المتآكلة في الصخر، لكنها جميعًا ظواهر طبيعية أو نتيجة عوامل التعرية على مدى آلاف السنين، وليست غرفًا مخفية تحتوي على سجلات أو وثائق مكتوبة.

 

2
مكتبة الفاتيكان

 

وأشار الى أن الأسطورة الحديثة بدأت بالانتشار في القرن العشرين على لسان بعض الروحانيين والمؤمنين بقدرات التنبؤ مثل إدجار كيسي، الذين تحدثوا عن "مخزن معرفة" مدفون قرب أبو الهول، واعتُبر كلامهم مصدرًا لإثارة الفضول والتسويق لقصص غامضة حول أصول الحضارات القديمة، المجتمع العلمي والأثري، مع ذلك، يرفض هذه الروايات ويصفها بأنها سرد شعري وقصصي أكثر من كونها حقيقة قائمة على أدلة، لم تُسجل أي حملة حفائر موثقة أو اكتشاف أثري يثبت وجود مكتبة سرية بهذا الوصف، وكل ما يتداول في وسائل الإعلام حول "اكتشافات قادمة" غالبًا ما يهدف إلى الإثارة وجذب الانتباه، وليس إلى تقديم معلومات دقيقة.

ولفت إلى أن التفكير في وجود قاعات مكتوبة ومنظمة تحت أبو الهول يرتبط برغبة الإنسان في ملء الفراغ المعرفي، وفي البحث عن أسرار تتجاوز حدود الواقع، هذه الرغبة، رغم كونها مفهومة إنسانيًا، يجب أن تُفصل عن البحث العلمي المبني على الأدلة، أبو الهول، أيقونة الحضارة المصرية، يظل شاهدًا على عبقرية الفراعنة وإبداعهم الفني والهندسي، وليس بوابة لمعرفة سرية أو كنوز أسطورية.

وأنهى حديثه قائلا : باختصار، الحديث عن "سجلات أتلانتس" أو مكتبة خفية تحت التمثال يجب أن يُفهم في إطار الحكايات والأساطير الشعبية، وليس كواقع أثري موثّق، ما يمكن اعتباره حقيقيًا هو الإعجاب بالإنجاز الحضاري والرمزية التاريخية لأبو الهول، وفهم أن الأساطير تنمو حول الشخصيات والمعالم العظيمة لأنها تعبّر عن رغبة البشر في معرفة أصلهم ومصيرهم، لكنها لا تعكس حقيقة مادية يمكن اكتشافها علميًا.


الدكتور زاهي حواس، عالم المصريات ووزير الآثار الأسبق في مصر، صرّح أكثر من مرة أن ما يُسمى "غرفة الأسرار" تحت أبي الهول مجرد خرافة غذّاها إدجار كايس وبعض كتّاب الغرب في القرن العشري، ويؤكد حواس أن عمليات المسح بالأشعة والتصوير الجيوفيزيائي التي أجريت حول تمثال أبي الهول لم تكشف عن أي ممرات أو غرف سرية.


أما بخصوص مكتبة الفاتيكان، فيرى باحثون مثل أستاذ التاريخ بجامعة أكسفورد، د. كريستوفر كيلبرو، أن المكتبة ليست "مخزناً للأسرار الغامضة"، بل أرشيف ضخم للوثائق الكنسية والسياسية يمتد لقرون، ومفتوح للباحثين المتخصصين وفق شروط محددة. ويشير إلى أن فكرة "الأسرار المحجوبة عن البشرية" أقرب إلى روايات دان براون منها إلى الواقع العلمي.

ويضيف الدكتور مارك لينر، أحد أبرز علماء الآثار الأميركيين المتخصصين في آثار الجيزة، أن الحديث عن "معرفة مفقودة" أو "حضارة أقدم من الفراعنة" تحت أقدام أبي الهول لا يستند إلى أي دليل أثري. ويقول: "لدينا آلاف النقوش والمخطوطات والأدلة المادية التي تثبت تطور الحضارة المصرية القديمة بشكل متدرج… فكرة أن هناك حضارة مفقودة تختبئ أسرارها تحت الرمال مجرد إسقاط خيالي لا أكثر.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة